Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تراث الإسلام" لجوزف شاخت: ثلاثة مجلدات تختصر حضارة بأسرها

المستشرق الذي تخلى عن النازيين فاتهمه المفكر العربي بالخيانة

صورة جوزف شاخت (1902 – 1969) معلقة في جامعة أميركية (موقع جامعة تكساس)

ربما يكون المستشرق الألماني الأصل جوزف شاخت واحداً من أشهر المستشرقين الذي أنفقوا حياتهم يدرسون التراث العربي – الإسلامي وينشرون أمهات كتبه ويكتبون عنه لدى القراء العرب على الأقل. والسبب بسيط: ففي الثمانينيات أصدرت سلسلة "عالم المعرفة" الكويتية الشهيرة واحداً من أعماله الرئيسية وهو "تراث الإسلام" في ثلاثة مجلدات. ولما كانت تلك السلسلة التي ندر أن ماثلها في الخدمات الثقافية التي تقدمها للعرب في كل مكان، تطبع من كل كتاب تصدره عشرات ألوف النسخ تباع جميعها بأسعار رمزية، يمكننا أن نفترض أن ثمة عشرات ألوف البيوت العربية تحتوي اليوم على تلك المجلدات، وهو أمر لم يُقيّض طبعاً لأي مستشرق آخر. ومع ذلك إذا سألت أي مثقف عربي اليوم أن يذكر لك أسماء مستشرقين يعرف أعمالهم، سيكون من الصعب أن يرد اسم شاخت بين ما يذكر!

مهما يكن، يمثل "تراث الإسلام" الذي وُضع تحت إشراف جوزف شاخت ليستكمله بعد رحيله العالم الإنكليزي بوزورث، جهداً كبيراً شارك في إنجازه عدد كبير من العلماء الغربيين، كما نقله إلى العربية عدد من كبار المترجمين والمفكرين العرب بمراجعة الدكتور فؤاد زكريا ما يضفي على هذا العمل قيمة كبيرة، حتى وإن كان واضعو مقدمته قد حاولوا "التنصّل" مما فيه من أفكار ورؤى، على عادة بعض المترجمين العرب حين "يصدمهم" ما يروه في الكتب مخالفاً لما اعتادوا التفكير اليقيني فيه، فيرتعبون ويعبرون عن ذلك في الملاحظات التقديمية! مهما يكن ها هو الكتاب حاضر دائماً بين أيدي ألوف القراء العرب ليدنو بنظرات من الخارج إلى الكثير من الشؤون التي تتناول تاريخ هذه الحضارة من سبر الصورة الغربية والدراسات الغربية للإسلام، إلى دراسة الإسلام في عالم البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى "الحدود القصوى للإسلام في أفريقيا وآسيا"، ثم شؤون السياسة والحرب فالتطورات الاقتصادية التي مرّ بها عالم الإسلام. ما ينقلنا في جزء تال إلى دراسة الفن والعمارة في عالم الإسلام عبر نصّ مميّز لأوليغ غرابار وآخر لريتشارد اتنغهاوزن، عبوراً إلى كتابة موجزة إنما فصيحة عن الأدب لفرانتز روزنتال قبل أن يتلقف الأب جورج قنواتي الدفة ويدرس الفلسفة وعلم الكلام في نحو مئة صفحة.

أسماء كبيرة لقراء الجمهور العريض

أما في القسم الثالث والأخير من هذه الموسوعة فيلخص جوزف شاخت نفسه "الشريعة الإسلامية" تلخيصاً وافياً ينمّ عن سعة إطلاعه على هذا المجال، تاركاً المكان بعد ذلك على الفور للعالم لامبتون ليدرس باختصار بدوره "الفكر السياسي عند المسلمين"، فيما يستكمل ثلاثة علماء آخرون، هم مارتن بلسنر، في مجال العلوم الطبيعية والطب، وجوان فرنييه في مجال الرياضيات والفلك والبصريات وأخيراً أو. رايت في مجال دراسة الموسيقى، الصورة المتكاملة للجهود التراثية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحقيقة أن الأسماء التي أوردناها هنا والتي اشتغلت جميعها على تراثنا العربي – الإسلامي، تحت إشراف جوزف شاخت، تعتبر، في معظمها على الأقل، من الأسماء الكبيرة والمرموقة في المجالات التي تم تناولها ما حوّل المجلدات الثلاثة إلى عمل متكامل منصف وسهل القراءة لتراث كان قبل ذلك، على رغم وفرة البحوث التي تتناوله، يكاد يكون وقفاً على النخبة سواء بالنسبة إلى قراء الإنجليزية، اللغة الأصلية للكتاب، أو قراء العربية، لغة الترجمة التي تعنينا هنا في سياق الحديث عن صاحب المبادرة.

ومع ذلك لا بد من القول إن بعضاً من المفكرين العرب كانوا قد ألقوا ظلالاً من الشك من حول الكتاب ولكن لأسباب أخرى بالأحرى. فإذا كان شاخت قد فرّ يوماً من النازيين لاجئاً إلى إنجلترا قبل أن يحط رحاله أخيراً في جامعة كولومبيا الأميركية التي احتضنته حتى رحيله، محتضنة في طريقها مشروع هذا الكتاب الذي دائماً ما قال إنه كان حلماً بالنسبة إليه، لنقرأ ما كتبه المفكر المصري عبد الرحمن بدوي عنه وبالتحديد عن تفضيله العيش في بريطانيا على البقاء في ألمانيا النازية: "... ومع ذلك لم تكافئه إنجلترا على ذلك الصنيع. فعلى رغم أنه - وهو الأستاذ ذو الكرسي في جامعتين ألمانيتين - عاد فحصل على الماجستير في 1948 وعلى الدكتوراه في 1952 من جامعة أوكسفورد، فإنه لم يعيّن أستاذاً لا في أوكسفورد، حيث كان قد كلف ببعض الدروس، ولا في غيرها من الجامعات البريطانية... وهكذا لم تنفعه خيانته لوطنه المانيا!".

انتماء وحيد... إلى الاستشرق

أجل بعبارات الشماتة هذه تحدث بدوي عن شاخت الذي كان عرفه بجامعة القاهرة. والحقيقة أن جوزف شاخت، الذي ولد ألمانياً، وتجنس لاحقاً بالجنسية الإنجليزية، وأنهى حياته في نيويورك، حيث عاش وعمل خلال السنوات العشر الأخيرة من تلك الحياة، كان سيء الحظ، حيث أن "بداوته" تلك جعلت من العسير على قارئ اليوم العثور على اسم له في أي موسوعة تتحدث عن أدباء ألمانيا ومستشرقيها، في الوقت الذي تجاهله فيه الإنجليز، وظل الأميركيون ينظرون إليه نظرتهم إلى غريب. ومن هنا، لئن كان الرجل قد انتمى إلى شيء، فإنه انتمى في حقيقة الأمر إلى الاستشراق، وإلى تاريخ الفقه الإسلامي بشكل خاص، فكان ذلك الفقه وطنه الأخـير، كما قال عنه واحد من الذين عرفوه في نيويورك خلال الجزء الأخير من حياته التي انتهت في صيف عام 1969 عن عمر يناهز السابعة والستين، قضى جوزف شاخت القسم الأعظم منه وهو منكب على نصوص الفقه الإسلامي يدرسها ويحققها ويترجمها.

ولئن كان عبدالرحمن بدوي يقسم إنتاج شاخت إلى ستة أقسام تضم على التوالي: دراسة المخطوطات العربية - تحقيق نصوص مخطوطة في الفقه الإسلامي - دراسات في علم الكلام - مؤلفات ودراسات في الفقه الإسلامي - دراسات ونشرات في تاريخ العلوم والفلسفة في الإسلام - ومتفرقات، فإن الأبرز بين نشاطات جوزف شاخت كافة كان عمله الدؤوب على الفقه، لا سيما على الفقه الشافعي الذي كان ضليعاً فيه بشكل خاص وكرس له الجزء الأكبر من كتابه الأهم "بداية الفقه الاسلامي" الذي صدر في أوكسفورد عام 1950.

حياة تتمحور حول الفقه الإسلامي

وُلد شاخت عام 1902 في سيليزيا الألمانية ودرس الفيلولوجيا الكلاسيكية واللاهوت واللغات الشرقية في جامعتي برسلاف وليبتسك. وعين في 1925 مدرساً في جامعة فرايبورغ التي صار يشغل كرسياً فيها اعتباراً من 1929. بعد فرايبورغ درس شاخت في جامعة كينغسبرغ، قبل أن ينتقل في 1934 ليدرس في جامعة القاهرة (التي كانت لا تزال حينذاك تحمل اسم الجامعة المصرية)، وهناك درس فقه اللغة العربية واللغة السريانية. وهو أمضى في القاهرة، مدرّساً جامعياً، أكثر من خمس سنوات انتهت في 1939، عند قيام الحرب العالمية الثانية، بنزوحه إلى لندن حيث أخذ يبث عبر إذاعة "بي بي سي" برامج ضد النازية التي لم يكن قد كف عن التعبير عن سخطه عليها (والطريف أن عبدالرحمن بدوي يقول إن شاخت لم يبث من لندن برامج ضد النازية، بل برامج ضد "وطنه ألمانيا" ولحساب بريطانيا وحلفائها)، وهذا ما يؤهل مفكرنا العربي للقول إن "خيانة شاخت لوطنه ألمانيا لم تنفعه". (وهو تعبير ينفرد به عبدالرحمن بدوي الذي يبدو نسيج وحده، في زمننا هذا، في اعتبار وقوف عالم ألماني ضد النازية خيانة لوطنه).

 

 

مهما يكن، فإن ما يبقى من جوزف شاخت ليس موقفه من النازية وانتمائه إلى بريطانيا، بل أعماله التي كان من بين أبرزها كتابه "بداية الفقه الإسلامي" ثم "مخطط تاريخ الفقه الإسلامي" و"موجز في الفقه الإسلامي" و"مدخل إلى الفقه الإسلامي". ولقد اهتم شاخت أيضاً بالشريعة والقانون في مصر الحديثة حيث يفيدنا عبدالرحمن بدوي نفسه عن مؤلفات له في هذا المجال منها "الشريعة والقانون في مصر الحديثة: إسهام في مسألة التجديد الإسلامي" و"التطور الحديث للشريعة الإسلامية في مصر". وإضافة إلى هذا وضع شاخت العديد من الدراسات وأسهم في الموسوعة الإسلامية وغيرها من دون أن ننسى إشرافه على الموسوعة التي نتحدث عنها هنا.

 

المزيد من ثقافة