Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صحافة مهنية... قدر المستطاع

النسخ الورقية للصحافة البريطانية ما زالت تلقى رواجا رغم ثورة الصحف الرقمية. (إندبندنت عربية) 

لزمنٍ طويل كانت مجلات رائدة مثل الإيكونوميست البريطانية و دير شبيغل الألمانية تسوق نفسها بوصفها مصدر المعلومات الأوثق في الصحافة المقروءة، حيث تصل درجة موثوقيتها إلى البحوث الأكاديمية. الأمر الذي أدى إلى تكرار ظهور عناوين المجلتين ضمن قائمة المصادر في الكثير من الأبحاث الأكاديمية المحكّمة. لم تنل المجلتان هذه المكانة عبثاً، بل جاءت نتيجة لجهد تحريري متواصل عبر السنوات لتوثيق المعلومات التي تنشرانها، ووضعها في سياق مناسب، وجمع الأقوال الحدية، وإتاحة فرصة عادلة لكل وجهة نظر بين طرفي الجدل. هذا المنهج الصحفيّ الرزين استمر لعقودٍ طويلة لعبت فيها المجلتان دوراً صحفياً تنويرياً وتثقيفياً رائداً في مجالهما. وكانت النخب، فضلاً عمن دون ذلك، تأخذ ما ينشر في المجلتين مأخذاً جاداً يُعتمد عليه في سياقات مختلفة. ولكن السؤال ما إذا كانت المجلتان، وهما هنا مجرد مثالين على الصحافة الرائدة، ما زالتا تحتفظان بهذه السمعة التراكمية من المصداقية والمهنية.

الإجابة على هذا السؤال تبدو سهلة في الوقت الذي يمكن فيه الاستدلال على كل معلومة عبر الإنترنت وتفنيد أي ادعاء عبر الإنترنت أيضاً في نفس لحظة نشره. ولكن مقروئية هاتين المجلتين الواسعة عبر العالم تجعل من تغطياتهما لأحداثه شبه شاملة. إذ لم تخل دولة من دول العالم من مقالة أو إشارة يرد فيها اسمها. وفي الحقيقة أن هذه التغطية كانت بمثابة النوافذ الواسعة التي يطلع عبرها العالم إلى بعضه البعض. لاسيما والمجلتان لا تكتفيان بنشر الخبر فقط بل القصة الكاملة كونهما مجلتين أسبوعيتين. أي أن الخبر يأتي بسياقه الكامل من حيثيات وإرهاصات وتبعات تجعل القصة في نهاية المقالة كوجبة إخبارية ثقافية شاملة يتناولها قارئ من السويد عن مدينة في الصين. فيصبح هذا القارئ السويدي، متوسط الاطلاع على ما يحدث في الصين، أكثر اطلاعاً ووعياً ومعرفة بطبيعة الأمور هناك ومجريات الأحداث وأسلوب الحياة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن ماذا يحدث عندما يقرأ هذا القارئ السويدي مقالة في هاتين المجلتين عن السويد؟ بطبيعة الحال أو وعيه الأوسع بمجريات الأحداث في بلده ستجعل أكثر تمحيصاً للمعلومة التي يقرأها. وسيكون له رأي في تفسير القصة وتوجيهها حسب ما تراكم لديه من معرفة محلية تمكنه من تحدي كاتب المقالة ومحررها ومجيزها. فإذا نجحت المقالة في المرور عبر هذا الاختبار لدى القارئ المحلي اكتسبت موثوقية أعلى لديه ومصداقية أكبر حول ما تنقله له من قصص الدول الأخرى. وإذا لم تجتز هذه الاختبار، فبطبيعة الحال سيكون كل ما ينشر في هاتين المجلتين بعد ذلك عن الدول الأخرى محل شك. وهذا الأمر بالتأكيد لا يغيب عن الهيئة التحريرية للمجلتين، وبالتالي فإن التقارير والقصص التي ترد من الدول التي تشمل أكبر شريحة من القراء تنال في المقابل اهتماماً أكبر شريحة من المحررين المحليين لفحص وتوثيق وتدقيق هذه القصة.

في بلدان أخرى لا تُقرأ فيها هاتان المجلتان بشكل واسع إلا على مستوى النخب، بسبب حاجز اللغة أولاً ثم الثقافة ثانياً، فإن الشرط الاقتصادي لا يمنح المجلتين مساحة كافية لاستكتاب وتوظيف وتجنيد فريق من المحررين المحليين لكتابة القصص عن هذه الدولة. لاسيما في العصر الذي تواجه فيه الصحافة المقروءة التحديات المالية المعروفة. وبالتالي تلجآن غالباً إلى كتّاب عن المنطقة بأسرها وليس عن الدولة. هؤلاء الكتاب المسؤولون أحياناً عن تغطية منطقة بحجم العالم العربي كله لا يمكن أن يكونوا على نفس مستوى الوعي بمجريات الأمور في مصر والسعودية والمغرب والكويت والجزائر في آن. ولكن الأحداث تجري، والهيئة التحريرية تنتظر القصص، فيجد الكاتب نفسه وهو في بيروت يحاول كتابة مقال دقيق وعميق عن السعودية، دون أن يزورها. وتتحول مقالته إلى بحث (قوقلي أو Google) يسبغ عليه بعضاً من (الكليشيهات) الصحفية تعكس مهنية ما. ولكن عندما يقرأ القارئ المحليّ مقالة عن بلده، من هذا المصدر الرصين، يكون الحكم غالباً في غير صالح المجلة.  

المزيد من آراء