Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الثورة واختبار الديمقراطية في السودان

تحدّيات ثلاثة تتّصل ببعضها والتفريط في واحد منها فشل للثورة

توجد قوى سياسية داخل تحالف الحرية والتغيير تحاول اليوم أن تعيد إنتاج أزماتها (أ ف ب)

نظراً إلى 30 سنة من تعميم أسلوب أوتوقراطي واحد في حسم الخلافات طوال حقبة انقلاب البشير حتى إسقاطه في ثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 المجيدة بعد 30 عاماً من حكمه، لا يكاد السودانيون اليوم، خصوصاً في ظل فتنة وسائل التواصل الاجتماعي المسمّاة زوراً بالإعلام الجديد، يتصوّرون عادية خلافات تحالف قوى الحرية والتغيير (الحاضنة السياسية لحكومة الثورة) وسجال أداء حكومة الثورة بقيادة حمدوك في أي إطار طبيعي لإدارة الخلاف.

وخطورة ظاهرة الضيق بالاختلافات في العمل العام أن لها قابلية الخضوع للاستغلال البشع من قبل قوى الثورة المضادة في وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك، إذ تُصوّر كما لو أنها خلافات جذرية مزمنة، ثم يُصار إلى استثمارها في شحن عوام الناس عبر حسابات كثيرة مزيفة في فيسبوك ودعوتهم إلى إظهار الضيق بتلك الخلافات وقياسها على غرار تجارب الفشل التي صاحبت ثورتَيْ أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وأبريل (نيسان) 1985 لخداع الشعب وإيهامه أن السودانيين والأحزاب لا تنفع معهما ممارسات الديمقراطية!

لقد كانت هناك تحدّيات ثلاثة واجهت ثورتَيْ أكتوبر 1964 وأبريل 1985 السودانيتَيْن ولا تزال حتى اليوم تمثّل تحدّياً لثورة 19 ديسمبر 2018 وهي: السلام والوحدة والديمقراطية، وهي تحدّيات تتّصل ببعضها على نحو لا فكاك منه إذ يكون أي تفريط في واحد منها بمثابة فشل للثورة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كانت كل من ثورتَيْ أكتوبر وأبريل قد أهملتا، بصورة من الصور، قضيَّتَيْ السلام والوحدة، ما أدى في النهاية إلى إجهاض التجربة الديمقراطية لثورة أكتوبر بانقلاب عام 1969 بقيادة الجنرال نميري، في الأولى، وانقلاب عمر البشير في الثانية، فإن التحدّي الذي يواجه ثورة 19 ديسمبر هو التحدّي الثلاثي ذاته، لكن الفرق هذه المرة، هو أن حكومة الثورة اليوم مكوّنة من تحالف حزبي عريض أجمعت عليه، للمرّة الأولى في تاريخ السودان، غالبية القوى السياسية المعارضة لنظام انقلاب الإنقاذ، إذ تكوّن هذا التحالف أثناء الثورة وقادها عبر تجمع المهنيين السودانيين. إلى جانب تجربة شراكة نادرة بعد الثورة بين المدنيين والعسكر في إدارة المرحلة الانتقالية، بناء على اتفاق سياسي وإعلان دستوري وُقّع عليهما بضمانات دولية وإقليمية في 17 أغسطس (آب) 2019.

واليوم، عندما تجاوزت مفاوضات السلام عبر منبر جوبا بين الحكومة والحركات العسكرية السياسية المعارضة، أجلها المحدد (خلال ستة أشهر من تاريخ توقيع الإعلان السياسي في 17 أغسطس 2019)، وجدت قوى الثورة المضادة حجّتها في نقد أداء حكومة الثورة، معيبةً عليها تجاوز المهلة ومثيرةً عليها غوغاء فيسبوك وعوام وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنّ الأجل المحدود لإنجاز السلام موعد مقدس، بعيداً من أي مسؤولية أخلاقية وسياسية تقتضي من الحكومة تمديد الوقت الزمني للاتفاق النهائي متى ما صير إلى ذلك من أجل إحكام اتفاقية السلام، التي رشّحت أنباء أن التوقيع النهائي عليها سيكون في 20 يونيو (حزيران) الحالي.

ما لا يريد أن يدركه كثيرون مِمَّن يتبرّمون من الأوضاع القائمة والإعاقات التي تعرقل أداء حكومة الثورة، هو أن هذه الأوضاع طبيعية بالنظر إلى المشكلات المعقّدة والدمار الشامل الذي خلّفه نظام البشير من ناحية، وكذلك لناحية طبيعة الاختلاف الذي يبرز في سياسات تحالف قوى الحرية والتغيير.

برم الناس، خصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي، في جزء كبير منه أنهم لم يتعوّدوا على طبيعة الأداء الديمقراطي وما يصحبه من اختلاف ضروري في قضايا شأن عام كالقضايا السياسية هي بطبيعتها مادة لتباين وجهات النظر.

ما أسلفنا لا يعني بالضرورة غضّ الطرف عن واجب النقد لتجربة تحالف قوى الحرية والتغيير في أدائه السياسي، ولا أداء حكومة المرحلة الانتقالية كذلك، لكنه ينبّه إلى أن ما أنجزته القوى السياسية في تحالف واحد للمرة الأولى في تاريخ السودان هو أمر يستحقّ الإشادة، وكذلك صبر الحكومة على تمديد عملية السلام بكل تعقيداتها من أجل الوصول إلى سلام عادل، يمهّد لسلام شامل، هو أمر يصبّ في حلحلة القضايا الشائكة في الاجتماع السياسي للسودانيين.

بطبيعة الحال هناك قوى سياسية داخل تحالف قوى الحرية والتغيير للأسف لم تتَّعظ من تجارب الماضي وتحاول اليوم أن تعيد إنتاج أزماتها، سواءً بمزاعم غالبية انتخابية قديمة تجاوزها الزمن، كما يحاول الإيهام بذلك حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي ليعمل على إفشال المرحلة الانتقالية وتقويضها، عبر الدعوة إلى انتخابات مبكرة والتلويح بها مرة بعد مرة، أو كما يفعل الحزب الشيوعي السوداني حين يصرّ على العمل بعقلية الستينيات عبر تصوّرات شمولية للهيمنة والتغوّل السياسي على أجسام منظمات المجتمع المدني والنقابات.

هكذا في وقت يجب علينا نقد التجربة السياسية لتحالف قوى الحرية والتغيير باستمرار من أجل تحسين جودة الأداء، علينا، كذلك، الإصرار على فضح ما يوهم بأنها ممارسات سياسية نقدية في نشاط قوى الثورة المضادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما هو في الحقيقة جزء من نشاط تخذيلي مدمّر بهدف إعاقة الثورة السودانية عن مسارها الصحيح في الحرية والسلام والعدالة.

المزيد من آراء