Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موسيقى "غاندي" لرافي شانكار تبكي الجمهور الهندي

عازف السيتار مزج الغرب بالشرق وحطّم الحواجز بين البشر

الموسيقي الهندي رافي شانكار وآلة السيتار التي لم تفارقه (اندبندنت عربية)

كان ذلك خلال العرض اللندنيّ الرسميّ الأول لفيلم ريتشارد آتنبورو الملحميّ عن المهاتما "غاندي". يومها كان معظم الحضور من الإنجليز الرسميين، كما من أهل السينما، إضافة إلى الفريق العامل في الفيلم، وعدد لا بأس به من ضيوف هنود.

حينها بقدر ما استمتع الحضور بالفيلم الذي بدا إلى حدّ ما منصفاً الهنود وأقل من ذلك للباكستانيين، استمتعوا طوال العرض بالموسيقى ذات الطابع الهندي الخالص التي رافقت الفيلم من أوّله إلى آخره، التي كان الجميع عارفين أنها من تأليف ذاك الذي يُعتبر أعظم موسيقي هندي في القرن العشرين: رافي شانكار، الذي كان تجاوز الـ60 من عمره في ذلك الحين، وكان مستمتعاً بالعرض مثل غيره.

لكن، الذي حدث فجأة حينها وأدهش الإنجليز، من دون أن يُدهش الهنود، هو أنه ذات لحظة من الفيلم راح المشاهدون الهنود ينشدون معاً على لحن عبر في الفيلم، وبدا واضحاً أنهم جميعاً يعرفونه، وأنه أُدخل إلى موسيقى الفيلم عن تعمّد.

بعد دقائق، عُرِف أن القطعة الموسيقية التي تعرّف إليها المشاهدون الهنود كانت في الأصل "راغا"، لحّنها شانكار في عام 1948 تكريماً للمهاتما غاندي، وها هو الآن يدمجها في الفيلم الذي وضع له الموسيقى بنفسه، ما أيقظ لدى مواطنيه حنيناً متوازياً مع الحنين الذي أيقظه الفيلم نفسه.

لكن، هذا لم يكن كل شيء، إذ سرعان ما أعلن آتنبورو أن شانكار تلطّف على الفيلم، بإعطائه زمناً استثنائياً لوضع موسيقاه، إذ إنه "لم ينجزها خلال يوم واحد، كما فعل حين وضع ألحان (ثلاثية آبو) لساتياجيت راي في عام 1955، ولم يدخل الاستوديو من دون نوتة مرتجلاً، مع 18 موسيقياً، موسيقى فيلم (شارلي) لرالف نيلسون بأكمله في الاستوديو خلال أيام قليلة بعد ذلك بسنوات"!

الرجل الذي "مات" مرتين
غير أن رافي شانكار لم يكن مؤلف موسيقى أفلام، حتى وإن كانت عشرات الأفلام قد نُسبت إلى "رافي شانكار" حين أُعلن موته أوائل عام 2012، ومعظمها من الأفلام التجارية الهندية، ليتبين بسرعة أن "رافي شانكار" هذا غير رافي شانكار ذاك، حتى وإن كان الفنان العالمي الأصلي الذي نتحدّث عنه هنا عاد ورحل أواخر العام نفسه، بعد أن ظل طوال أشهر أكبر المصدومين بإعلان "نبأ رحيله"، متلقياً مئات رسائل التعازي والغضب والاحتجاج. مهما يكن، حين رحل موسيقينا الكبير لم تكن سنّه تقل عن 92 عاماً، فهو من مواليد ربيع عام 1920، بمعنى أن الأوساط الفنية الهندية والعالمية كان يجدر بها أن تحتفل بمئوية ولادته هذه الأيام بالذات!

لا ينفصل اسم رافي شانكار عن آلة السيتار التي اشتهر بالعزف عليها ببراعة، لم يدنُ منها أحدٌ في القرن العشرين، باستثناء ابنته آنوشكا شانكار التي ورثته في التأليف والعزف، وتتمتع اليوم بسمعة عالمية كبيرة، توازي سمعة أختها المعروفة باسم نورما جونز، التي تعتبر بدورها اليوم من كبيرات مغنيات الجاز وملحناته في العالم، ولا يمكن لمشاهدي الفيلم الصيني وانغ كار واي "ليالي بلوبيري" أن ينسوا دور البطولة الرائع الذي أدّته فيه.

 

صحيح اليوم، أن ابنتيّ رافي شانكار تكادان أن تكونا أشهر من أبيهما، وطبعاً من أخيهما شوبو شانكار الموسيقي بدوره، غير أن رافي نفسه ما كان ليحزنه هذا هو الذي نال حظاً هائلاً من الشهرة طوال الثلث الأخير من القرن العشرين، عازفاً ومؤلفاً موسيقياً، يتنقّل بحفلاته بين أهم مدن العالم ومسارحها، من طوكيو إلى لندن، ومن باريس إلى لوس أنجلوس ومدن الهند، ويعامَل بكونه واحداً من كبار المعلمين ليس فقط في مجال الموسيقى الهندية على اختلاف منابعها ومناطقها، بل بوصفه المبدع الذي عرف كيف يوصِّل الموسيقى الهندية إلى العالم، في الوقت نفسه الذي يمزج موسيقى العالم بشتّى أنواع الموسيقى الهندية، من دون أن ينسى في كل مرة يشتد التصفيق له في أي حفلة من حفلاته أن يشيد بتلمذته على يد الموسيقي البنغالي الكبير المعروف بأستاذ علاء الدين خان.

وتقول لنا سيرة حياة رافي شانكار إن ذلك الأستاذ الكبير حين اكتشف موهبة رافي (وكان اسمه لا يزال روبندرا، ويُلخّص بروبو) اشترط عليه كي يضمّه إليه، ويتخذه تلميذاً ومريداً أن يبقى معه سبع سنوات، يعلّمه خلالها أسرار الصنعة، وكل ما يتعلق بفن الموسيقى وقدسيتها. يومها قَبِل الشاب الشرط، لينطلق في بداية جديدة دفعته إلى حلاقة رأسه وارتداء أبسط الملابس.

بداية أخرى قبل تلك الجديدة
ومع ذلك، حين فعل شانكار هذا متخذاً كما سيقول لاحقاً أخطر وأصوب قرار في حياته، كان قد كوّن قبل ذلك لنفسه مكانة موسيقية كبيرة، لا سيما حين عمل طوال سنوات مع أخيه أوديّ في فرقة راقصة كوَّنها الأخير، لكن ليس في الهند بل بكاليفورنيا. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أن رافي شانكار حتى وإن كان وُلِد في بيناريس التابعة إلى الاستعمار البريطاني في الهند، فإنه درس وعاش معظم سنوات شبابه ثم بقية حياته في الغرب، من دون أن يعني هذا أن الهنود لم يبجِّلوه ويعتبروه فنانهم الأكبر. وهم الذين أعطوه منذ سنوات الـ60 لقب (بانديت)، الذي يسبق عادة ذكر اسمه.

باختصار، يمكن القول إن رافي شانكار يعتبر التجربة الأكثر نجاحاً في العالم بمجال التلاقح الفني الحضاري بين الشرق والغرب، بحيث إن إضافاته إلى العالم الموسيقي الغربي كانت هي ما قرّبته من فريق البيتلز خلال سنوات الستين، خصوصاً من جورج هاريسون، الأكثر شرقية وانفتاحاً على العالم بين الرباعي الإنجليزي الأسطوري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونعرف أن العلاقة بين شانكار وهاريسون تواصلت حتى نهاية حياة الموسيقي المغني الإنجليزي (2001)، الذي أنتج العشرات من الألبومات والقطع لشانكار، لا سيما بعد انفراط عقد البيتلز، واتخاذ هاريسون قراره النهائي بأن يسير في طريق بالغة الاختلاف عن طريق "الروك" والبوب"، مشتغلاً على تمكين شانكار من التفوّق على نفسه عزفاً وتلحيناً، هو الذي علّم بدوره جورج هاريسون أسرار السيتار، لكن كذلك غيرها من الآلات الموسيقية الهندية. لكن الأهم من هذا هو مرافقة جورج هاريسون لشانكار في عديدٍ من جولاته العالمية، وتمكينه دائماً من العمل مع موسيقيين من المؤكَّد أن الموسيقي الهندي أدخلهم عالماً من الارتجال في العزف، كما في التأليف، يصعب القول إنهم كان لهم عهد به من قبل.

وشانكار كان على أي حال واحداً من ملوك الارتجال، سواء لحّن قطعاً موسيقية خالصة، أو وضع موسيقى للسينما أو للإذاعة. وحسْب المرء اليوم أن يعود إلى بعض اللحظات الموسيقية الأكثر تأثيراً في فيلم "غاندي"، بصرف النظر عن القطعة التكريمية للزعيم الراحل التي سبق الإشارة إليها، ليرى كم كان غريباً اشتغال ذلك الفنان الاستثنائي على موسيقى تيمات الفيلم. بيد أن ذلك يبقى أدنى مما فعل شانكار مع فيلم "تكوين" للمخرج الهندي أيضاً مرينال سين (1986)، حين وضع للفيلم موسيقى استثنائية واكبت أقوى مشاهده، ووضع فيها شانكار خلاصة قوته الإبداعية وجوهر علاقته بوطنه الهندي. علاقة منفتحة على إنسانية الكون وحضاراته ومجمل إبداعاته.

رافي شانكار الذي ولد في الهند رحل عن عالمنا في الشهر الأخير من عام 2012 في سان دييغو بكاليفورنيا، وكان من آخر النشاطات الموسيقية الكبرى التي شارك فيها حفل كونشيرتو ضخم أُقيم في عام 2003، تحت إدارة دافيد ليلاند بعنوان "كونشرتو إلى جورج"، شارك فيه إلى جانب شانكار المقترب حينها من عامه التسعين، الباقيان الوحيدان من فريق البيتلز بول ماكارتني ورنغو ستار، إضافة إلى إريك كليبتون الذي كان هاريسون نفسه جمعه به في عمل مشترك قبل ذلك بسنوات. ويُروى أن شانكار عزف في ذلك الكونشرتو، والدموع لا تتوقف عن التسلل من عينيه، إذ كانت أشهر قليلة مضت حينها على رحيل هاريسون.

المزيد من ثقافة