Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كازينو "الإخوان المسلمين"

جماعات التطرف لم تعلق بكلمة على "الصفقة" القطرية ما يؤكد أن العلاقة بين الطرفين هي علاقة نفعية بالدرجة الأولى

صورة من داخل صالة قمار "الريتز" في لندن التي امتلكتها قطر أخيراً ضمن صفقة شراء الفندق كاملاً (موقع الفندق)

قد تكون هذه من المرات القليلة، التي تضطر فيها حكومة قطر لنفي صفقة مرتبطة باسم أحد رموزها السياسيين، وهي صفقة شراء فندق وصالة قمار "الريتز" في قلب العاصمة البريطانية لندن. الفندق العريق الذي بقي لأكثر من 100 عام علامة بريطانية، أصبح ملكاً للدوحة. وتضاربت المعلومات حول المالك الجديد، إما أنها زوجة أمير قطر السابق الشيخة موزا المسند، أو رئيس الوزراء ووزير خارجيتها الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني. الأولى نفت الخبر عبر مكتبها رسمياً في تصريح نشرته صحيفة "بلومبيرغ"، والثاني لم يفعل.

لكن بلا شك الصفقة تمت، وأصبح "الكازينو" ملكاً لقطر بصفقة تجاوزت قيمتها الـ 800 مليون جنيه إسترليني تقريباً، وسبق لمكتب "ماكفارلاينز" البريطاني للمحاماة، الذي قدم المشورة للمستثمر القطري، أن أعلن عن بيع الفندق الفخم من الأخوين فردريك وديفيد باركلي الثريين.

ويبدو أن هذه الصفقة عمّقت الشرخ بين الأخوين اللذين يتنازعان عليها، إذ نقلت أخيراً صحيفة "فاينانشال تايمز" عن ممثل فردريك باركلي قوله "نحن مندهشون ومذهولون من الإعلان عن ادعاء ببيع فندق "الريتز". لم تتم استشارتنا ولا وافقنا على صفقة البيع هذه".

حتى هنا الخبر"عادي"، وهو من النوع الذي تتداوله المنصات الإعلامية المعنية بصفقات البيع والشراء، والصفحات الاقتصادية في الصحف، لولا... ورود اسم قطر في الصفقة. عندها يصبح للخبر معنى يستدعي التفسير ويكشف غموض التأويل.

من حق قطر ـ كصاحبة رأس مال ـ أن  تشتري صالة القمار الشهيرة في "الريتز" أو غيره، سواء عبر صندوقها السيادي أو بواسطة رموزها السياسيين بشكل فردي. على الأقل من ناحية الحق السيادي للدولة في التصرف بأموال شعبها. لكن ما يجعلنا نستقرئ معاني الصفقة، وما قبلها وما بعدها، هو مسارعة من ورد اسمه (أو اسمها) في المسألة، إلى النفي وكأنه يرد تهمة، أو يتبرأ من نقيصة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان يمكن للأمر أن يمر بهدوء، ومن دون "شوشرة"، لو أن قطر كدولة، اكتفت طيلة العقود الماضية بلعب دور المستثمر الذكي، الذي يوظف أمواله في المكان الذي يعرف أنه يعود عليه بأرباح صافية، بغضّ النظر عن أي حكم أخلاقي.

 

لكن "التوظيفات القطرية"، السابقة والحالية، لم تكن على هذا النحو أبداً. فالدوحة خلطت استثماراتها على نحو غير مسبوق سواء في عالم المال أو عالم السياسة. ومن يراجع الحقبتين الأخيرتين على الأقل، يستطيع أن يتبين كيف كانت الأيديولوجية غطاءً مناسباً للمال القطري، وكيف أصبح هذا المال عبارة عن قاطرة جامحة يحتشد على متنها الأيديولوجيون. هنا نفهم، لماذا يسارع المعنيون إلى نفي علاقتهم بقضية استثمارية، هي عملية عادية في سياق استثماراتهم الخارجية.

ولكني أستطيع أن أتفهم الحرج القطري، في هذا التوقيت بالذات. وأرجّح أن خبر الصفقة قد تم تسريبه على غير رغبة القطريين. فالاستثمار في صالة قمار يمنح المستثمر ملاءة مالية بحسب تعبير الاقتصاديين، ولكنه يسحب بالضرورة عنه ملاءة أيديولوجية شرعية هو في أمس الحاجة إليها. وهو ما تحاول الدوحة التستر به عبر استخدام "دمى الإخوان".

أشعر بحرج كل "داعية قطري" (أو مقيم في قطر)، وهو يحاول أن يبرر لأتباعه، مسألة الاستثمار في "المنكر"، فأي حجة فقهية سيقدمها لأعضاء جماعات "الإخوان المسلمين" ـ الكبار منهم والأنفار ـ عن "نظافة" مال "الكازينو"؟

منذ عام 1996 وثنائية المال والأيديولوجية، عند المسؤولين في الدوحة تظهر للعلن تدريجاً، والتي أسفرت عن نتائج كارثية في أكثر من دولة عربية. وكلاهما، المال والأيديولوجية، كانا وسيلتين فاعلتين حيث استخدما. بالمال استطاعت الدوحة أن تغري، وأن تحرّض، وأن تستدعي الولاءات، وأن تمهد الطريق لعبث جماعات الشعارات الدينية.

ومحاولات قطر لتوجيه الأذية لمصر والسعودية، كانت وما زالت مشهودة، وأدلتها قائمة، وفتاوى التحريض، وحملات التعبئة الدينية، التي تقودها جماعات "الإخوان المسلمين" برعاية قطرية، ترافقت دائماً مع ارتكابات خطيرة نفذتها الأجنحة السياسية والعسكرية لهذا التنظيم الدولي.

وفي دول أخرى، وصل عبث هؤلاء إلى حد تقويض الكيانات الوطنية، وتفكيك عرى الوحدات المجتمعية كما حصل في تونس وليبيا ومصر وسوريا، فشلت الدوحة وجماعة الإخوان في مصر مباشرة، ولا تزال تحتضر في تونس، أما في سوريا وليبيا فهي مندمجة مع جماعات متطرفة ومسلّحة تبحث عن مقعد في برلمان الخاسرين.

من الواضح أن الدوحة تريد مواصلة لعب هذا الدور في المنطقة. ومن الواضح أيضاً أن جماعات التطرف، قد ابتلعت ألسنتها، ولم تعلّق بكلمة على "صفقة الكازينو"، وهم الذين ملأوا الدنيا صراخاً على صفقات أخرى... وهاتان مقدمتان توصلان إلى نتيجة منطقية واحدة، هي: حاجة الطرفين إلى بعضهما بعضاً. وهي حاجة مادية نفعية بالدرجة الأولى، ولنترك الأيديولوجية حبيسة الكتب إلى حين.

فجماعات التطرف كانت وما زالت أداة تنفيذية لمشروع تخريبي يتمثل بـ "الزعامة الوهمية" للعامل العربي في مخيلة أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة. ثروة الغاز القطري عنصر أساسي في هذا المشروع. وهذا على الأقل ما ظهر خلال ما عرف بـ"الربيع العربي"، عندما أمعنت نصال قطر وأدواتها في خريطة العالم العربي. لكن من أين يأتي المال فيما النظام هناك يعاني من أزمة سيولة وفق النشرة الرسمية المالية له، ما دفعه للعام الثالث على التوالي إلى إصدار سندات دولية بقيمة 10 مليارات دولار، وكذلك إلى تأجيل ترسية عقود حكومية بما قيمته 8.2 مليار دولار.

تبدو "صفقة الكازينو" هنا وكأنها خشبة خلاص. صحيح أن الدوحة دفعت ثمنها 800 مليون جنيه إسترليني، لكن العوائد المتأتية من هذه الاستثمارات لا تنطبق عليها، كما هو معروف، قواعد الاستثمار الأخرى، التي تكون عادة اسمية أو طويلة الأجل، أو مؤجلة التحصيل. القاعدة في هذه الصفقة هي: ادفع وخذ (أو كاش أند كاري بحسب التعبير الإنجليزي)، بالتالي فإن الدوحة تكون قد حلت مسألة السيولة لتمويل جموحها وجماعاتها، لولا... جائحة كورونا، التي عطّلت الأرزاق حتى في الكازينوهات. 

حلّت الجائحة في وقت تواجه قطر صعوبات بالغة التعقيد. فقد غرق حليفاها الأقربان في وحل "كورونا". إذ خرجت طهران مترنحة من غضبة الشارع متمثلة في تظاهرات عمت البلاد، وتلتها الضربة الأميركية التي أطاحت بجنرالها الأبرز قاسم سليماني، لتجد نفسها في محجر "كورونا" المهلك. وبالمثل، عاشت أنقرة على وقع صدمات وصدامات مع المعارضة الداخلية حيناً، ومع الشركاء الدوليين دائماً، وتحت وطأة أزمات اقتصادية لا ترحم، لكي تدخل فوراً في معترك "كورونا" المرهق.

كل ذلك تواجهه الدوحة، في وقت عليها أن تتحمل عدم الاستقرار في أسعار النفط، والركود المحتمل في الاقتصاد، وظهور لاعبين جدد في عالم الغاز، واستمرار العزلة السياسية في محيطها والعالم العربي... وهي كلها عوامل تدفعها دفعاً إلى الاستثمار في صالات القمار وغيرها، علّها تكون خزانتها المفتوحة الجديدة، لتمويل منصات وأدوات التحريض الديني ضد مصر والسعودية، وكل من يجعله التصنيف في غير الخانة القطرية.

وحتى نفهم الانفصام التام في سياسة قطر وأدواتها المتطرفة، قد يخرج أحد دعاة التحريض ويساوي بين صفقة "الكازينو" واستثمارات السعودية أو الإمارات أو أي دولة عربية أخرى، بل قد يظهر الإخوان بلا حياء ليهاجموا اقتراب الرياض من الاستحواذ على صفقة شراء 80 في المئة من أسهم نادي "نيوكاسل يونايتد" الإنجليزي ويغضوا النظر عن "صالة القمار".

ربما ستثير هذه الصفقة الرياضية الجوقة القطرية المعروفة، في سيناريو شبيه بسيناريوهات سابقة، تعتمد التحريض والتسخيف والتجريح. ستنبري منصات مملوكة أو مستأجرة، لرمي الاستثمار الرياضي بأسوأ ما يطبخ في أفرانهم، من دون أن ينتبهوا إلى أن النشاط الرياضي هو من أرقى الأنشطة الإنسانية، وأن كرة القدم الإنجليزية على وجه التحديد لها جمهور واسع في العالم العربي، والجمهور السعودي مهووس بأساليبها وبرموزها، وصفقة "نيوكاسل يونايتد"، بالتالي، تتواءم مع المزاج الرياضي العام على الرغم من انشغاله الآن بالأزمة التي استحدثها فيروس كورونا. ولعل مثل هذا الخبر الرياضي يخفف من وطأة الحجر المنزلي.

تجد الدوحة نفسها الآن في ما يشبه عنق الزجاجة، فهي لا تستطيع أن تتقبل انكفاء نفوذها، والتخلي عن محاولات صنع زعامة مستحيلة، والتسليم بتضعضع أدواتها وانكشافهم فكرياً وعملياً، كما أنها عاجزة عن استعادة الزخم لدورها ولمن "تمون" عليهم... وكل ما تبقى لها هو "صياح المنصات"، أو كما كتب أحد السعوديين على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي: إن الرياض نجحت في تحويل الشيخ حمد بن جاسم من وزير خارجية مؤثر إلى مجرد "مغرد" على "تويتر" ينافس المغردين، ويخسر.

سؤال أخير: أين الأيديولوجية من كل هذا؟

هناك من يحاول بث الحيوية في دعاواها وادعاءاتها داخل "كازينو الإخوان المسلمين" القطري.

المزيد من آراء