Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكومة الانتقالية في السودان تبدد الأحلام "العثمانية"

العلاقات بين البشير وأردوغان ظلت محل جدل دائم بالنسبة للمعارضة السودانية

منظر عام لميناء سواكن على البحر الأحمر (رويترز)

سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشكلٍ حثيث إلى تعزيز وجود بلاده في السودان في أواخر عهد الرئيس السابق عمر البشير من خلال الدعم السياسي والتوسع التجاري. أعاد ذلك إلى الأذهان عصر الإمبراطورية العثمانية الذهبي الذي امتد فيه نفوذها إلى أفريقيا فأحكمت سيطرتها على دول السودان ومصر وليبيا والجزائر. بعد قيام الثورة السودانية في ديسمبر (كانون الأول) 2018 دخلت العلاقات بين السودان وتركيا منعطفاً ارتفعت فيه الأصوات مطالبةً بإعادة النظر في اتفاقية ميناء وجزيرة سواكن على البحر الأحمر وهي الميناء الثاني في السودان، وقد ظلت محل اعتراض واسع إبان توقيعها بالأحرف الأولى في عهد البشير، إذ ترى الحكومة الانتقالية أنَّ الوجود التركي هو تمثيل لجناح الإخوان ودعم للحكومة السابقة.

المسرح الأفريقي

تراءت أفريقيا كمسرحٍ جديد لمشروعات تركيا وطموحاتها الاقتصادية بعد أن تبدّدت فلسفة مصطفى كمال أتاتورك بتثبيت دعائم العلمانية في تركيا وعزلها عن المحيط الإسلامي وحصرها في الإطار الأوروبي. بعد ذلك تعرَّضت لضربات قوية في حجم تعاملاتها الاقتصادية مع أوروبا بسبب الأزمة المالية العالمية في عام 2008 ما جعلها تعود إلى أفريقيا بقوة دفعٍ زائدة، وذلك كتعويض عن بعدها عنها خلال الحرب الباردة.

بدأت تركيا بمدخل التنمية التي تتعطش لها القارة السمراء نتيجة الكوارث والنزاعات العديدة التي تكبّل سواعدها، وذلك من خلال الوكالة التركية للتنسيق والتعاون (TIKA). فأصبح وجودها كمراقبة للاتحاد الأفريقي عام 2002 وجوداً شبه شرعي، لتعلن بعدها بثلاث سنوات وتحديداً عام 2005 هو "عام أفريقيا" من خلال مكتبها الأول في أثيوبيا وكان ذلك مرتبطاً بطموحاتها في الحصول على أصوات المجموعة الأفريقية داخل الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة للحصول على مقعد في مجلس الأمن الدولي. ثم فتحت مكتبي السودان والسنغال في العام ذاته، ومن خلال هذه المكاتب دعمت تركيا نشاطها الإقليمي في البلدان المجاورة. وفي أغسطس (آب) 2008، استضافت تركيا "قمة التعاون الأفريقي - التركي" ليعلن الاتحاد الأفريقي بعدها مباشرة أنّ تركيا هي "شريكه الاستراتيجي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جنت تركيا ثمار ذلك مباشرة فاُنتخبت عضواً في مجلس الأمن في الفترة (2009-2010) وذلك بعد مرور 48 عاماً على عضويتها السابقة. وخلال هذين العامين عقدت تركيا اجتماعات على مستوى عالٍ لمجلس الأمن وأخرى دورية، خلصت إلى إطلاق تركيا مع فنلندا "مبادرة الوساطة من أجل السلام". ثم تلتها استضافة تركيا للقمة الرابعة التي نظمتها الأمم المتحدة للدول الأقل نمواً في العالم في إسطنبول في مايو (أيار) 2011. 

وجهت تركيا التزاماً إنسانياً تجاه الصومال لتأسيس وجود كبير هناك في عام 2011 حينما كان أردوغان رئيس الوزراء وكان أول زعيم غير أفريقى يزور الصومال منذ حوالى عقدين. أنشأت تركيا سفارة لها في مقديشو، وافتتحت مكاتب جديدة لها في مقديشو وطرابلس، ثم افتتحت أفرعاً في نيروبي، والقاهرة، وتونس في 2012. 

ومن خلال هذه المكاتب تدير الوكالة التركية للتنسيق والتعاون مشروعات ما يقرب من 37 دولة أفريقية، تحت غطاء تنمية القدرات المؤسسية وتقديم المساعدات الإنسانية. كما كثَّفت تركيا فتح سفاراتها في القارة السمراء لتصل إلى 34 سفارة متبوعة ببعثات في تشاد وغينيا وجيبوتى بنهاية يناير (كانون الثاني) 2014، ثم عبدّت الطريق كذلك حتى صار السفر من تركيا إلى أفريقيا أكثر سهولة من ذي قبل. 

أمجاد "عثمانية"

ظلت العلاقات بين البشير وأردوغان محل جدل دائم بالنسبة للمعارضة السودانية التي ترى أنَّها تجسيد لإحكام الطوق الإخواني على السودان وداعم أساسي للبشير. 

بعد الإطاحة بالبشير، عاد الجدل مجدداً بشأن جزيرة سواكن السودانية التي سلمتها الخرطوم إلى أنقرة بموجب اتفاق موقَّع في ديسمبر 2017 أثناء زيارة أردوغان للسودان. 

وكان هذا ضمن مشاريع التعاون الاقتصادي التي ازدادت وتيرتها في عهد البشير، وظلَّ معظمها على الورق إلى قيام الثورة. نصت الاتفاقية على تسليم الجزيرة الاستراتيجية لتركيا حتى تقوم بإعادة تأهيلها وِفق ما هو مُعلن. 

وكانت اتفاقية تسليم إدارة جزيرة سواكن السودانية الواقعة في البحر الأحمر إلى تركيا للاستثمار فيها، ضمن عدد من الاتفاقيات الأخرى منها مشروع مطار الخرطوم الذي كان مقرراً أن تقوم به شركة تركية على أساس مناقصة دولية وتعثَّر قبل بدايته. كما وقّعت مع الخرطوم عقداً قيمته 100مليون دولار للتنقيب عن النِّفط لشركات تركية، إلَّا أنَّ شيئاً من ذلك لم يحدث، ولا يُعرف مصيرها على وجه الدقة.

أعلن أردوغان في اجتماعٍ حزبي في تركيا أنَّ الاتفاقية كانت لإعادة الأمجاد العثمانية وأنَّه حريص على الإرث العثماني، وتم الاتفاق على بناء مرسى لاستخدام السفن المدنية والعسكرية، بينما تولَّت شركة "تيكا" التركية ترميم الآثار العثمانية، منها مبنى الجمارك ومسجدي الحنفي والشافعي التاريخيين في الجزيرة. وتتابع هذا الاهتمام لأنَّ سواكن تتمتع بأهمية استراتيجية فهي أقرب موانئ السودان لميناء جدة السعودي، واستخدمها الحجاج الأفارقة قديماً في طريقهم إلى مكة، وكملتقى حضارات قديمة لا زالت تسكنها عائلات يونانية ومصرية وتركية. 

كما وردت في مؤلفات الرحالة العرب مثل ابن بطوطة وذكرت بعض المؤلفات أنَّها كانت طريق فرار العديد من أمراء بني أمية من العباسيين. غزاها السلطان العثماني سليم الأول في القرن السادس عشر، وخلال الحكم العثماني كانت تابعة لولاية الحجاز، ثم مقراً لحاكم ولاية الحبشة العثمانية التي شملت مدينتي حرقيقو ومصوع في إريتريا الحالية. رفض العثمانيون تبعيتها لمحمد علي باشا والي مصر وقاموا بتأجيرها له مقابل مبلغ سنوي ثم تنازلوا عنها بعد هزيمة الثورة المهدية، في عهد الاستعمار الإنجليزي أنشأ البريطانيون ميناء بورتسودان لاستقبال السفن الكبيرة وظلت سواكن الميناء الثاني.

الانحسار

بالإضافة إلى الانتقاد السوداني على المستوى الشعبي وعلى مستوى الحكومة الانتقالية، فإنَّه في الجانب التركي خفَّف برلمانيون من جدوى المشاريع الاستثمارية في السودان، فاعتراضهم على اتفاقية جزيرة سواكن لأنَّ الرئيس التركي صرَّح بأهدافٍ مموهة وهي كي تكون محطة للحجاج الأتراك. أما بخصوص المشاريع الاستثمارية الأخرى فقد أرسل النائب التركي عن حزب الشعب الجمهوري المعارض إلهامي أوزجان أيغون خطاباً لمجلس النواب التركي يتساءل فيه عن مصير اتفاقية استئجار الأراضي الزراعية التي وقعتها تركيا مع السودان خلال عهد البشير. 

وبموجب الاتفاقية التي وُقعت في نيسان (أبريل) 2014، تستأجر تركيا أراضي زراعية في السودان بمساحة 780 ألف هكتار لمدة 99 سنة في ست مناطق مختلفة، حيث كان مقرراً أن تستثمر شركات تركية خاصة في هذه الأراضي. وطلب أيغون من وزير الزراعة التركي التواصل مع المجلس العسكري الحاكم في السودان للكشف عن مصير هذا المشروع.
 
من ناحية الأمن الإقليمي لم يراعِ البشير أنَّ هذا المشروع يُعدُّ تغلغلاً في المجال البحري للدول المطلة على البحر الأحمر ومهدِّداً أمنياً للسعودية ومصر بشكلٍ خاص. لم يتم حسم مصير الاتفاقية إلى الآن، ولكن في الغالب سيتم نقضها ما من شأنه أن يعيد خلط أوراق أردوغان في المنطقة ويربك جهوده في ترسيخ الوجود والتموقع التركي ليس في جزيرة سواكن فحسب بل في منطقة القرن الأفريقي بأكملها، وما ساهم في ذلك عاملان. 

العامل الأول، هو هبَّة عمال الشحن والتفريغ في ميناء بورتسودان، وإضرابهم من فترة لأخرى إثر حملات إجرائية قامت بها الحكومة السابقة لتقليص العمالة في الميناء ثم تعمدها إهماله. وقاد ذلك معظم شركات الملاحة إلى إيقاف شحن البضائع إلى ميناء بورتسودان وتوجهها بدلاً من ذلك إلى ميناء جيبوتى. تسبب تغيير مسار الشحن فى خسائر فادحة وارتفاع فى الأسعار بسبب إعادة الشحن مرة أخرى من جيبوتي إلى السودان، ما زاد التركيز على ميناء سواكن والتفات الإعلام والحكومة الانتقالية إلى وضع الميناءين الاستراتيجيين.

أما العامل الثاني فهو ما تردّد من أنَّ الهدف التركي هو الاستيلاء على سواكن بغرض إقامة قاعدة عسكرية تركية عليها وهو ما نفاه نظام البشير، ولكن لفتت هذه الصفقة المريبة إلى أنَّ هناك محوراً تركياً يشكِّل الجناح الداعم للتنظيم الدولي للإخوان، يبحث عن منفذٍ في المنطقة ليُحدث طوقاً أيديولوجياً وعسكرياً يربط بين مضيق باب المندب وميناء السويس مما يستنفر الأمن الإقليمي. 

لفتت قضية ميناء سواكن النظر إلى موانئ القرن الأفريقي الواقعة قبالة البحر الأحمر وخليج عدن، وما يحدث فيها من تنافس اقتصادي وعسكري، ومدى شرعية العقود المُبرمة وغموضها وسريّتها. وبعد أن حامت الشكوك حول الاستثمارات التركية التي أعطاها نظام البشير إلى أردوغان، بمنح تركيا امتيازات كثيرة في إطار شراكة غير متكافئة. وبعد أن ازداد التضييق على أردوغان من المعارضة التركية وانتقادهم طموحاته التوسعية في السودان وأفريقيا، انحسر اهتمام أردوغان وبقيت هذه العقود معلَّقة إلى أن يتم البتَّ فيها من قِبل الحكومة الانتقالية.

المزيد من تحلیل