Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد إغلاق المدارس... "كورونا" يضع العالم أمام اختبار "التعليم الإلكتروني"

أميركا والصين الأكثر جاهزية لخوض التجربة... والفجوة الرقمية بين الدول أبرز العراقيل

تداعيات فيروس كورونا قد تجبر الطلاب على الالتحاق بـ"التعليم الإلكتروني" (أ.ف.ب)

حسب الروزنامات لم ينته العام الدراسي بعد. لكن حسب نسب الغياب في آلاف المدارس في دول عدة فإنّه بات مهدداً بالانتهاء إن لم يكن بامتحانات نهاية العام فباختبار قدرة الأهل على استمرار إرسال أبنائهم وبناتهم إلى المدرسة رغم أنف "كورونا".

وبغض النظر عن بيانات أممية تحاول التخفيف من وطأة الهلع والتقليل من روع الجميع، وقطع شكّ الخوف من الإصابة بيقين أنّ الأطفال "في مأمن" حتى تاريخه.

القابعون في البيوت

لكن، يبدو أنّ الأمر لم يعد مجرد بيانات طمأنة، ومتابعات أحوال المدارس مع بقاء هامش حرية اتخاذ القرار في إرسال الأهل الأبناء إلى المدارس أو إبقائهم بالبيت خوفاً عليهم.

نحو 300 مليون طالب وطالبة حول العالم قابعون اليوم في بيوتهم، بعدما أصدرت حكومات بلدانهم قرارات بإغلاق المدارس، إمّا لعدد معين من الأيام قابلة للتجديد، وإمّا لأجل غير مسمّى، انتظاراً لما ستسفر عنه تطورات الفيروس، وسُبل مجابهته في العالم.

الخريطة العالمية تشير إلى أنّ 13 دولة اتخذت قرار إغلاق جميع مدارسها، وهي: الصين، وكوريا الشمالية، واليابان، وإيران، والعراق، والبحرين، وأرمنيا، وأذربيجان، والكويت، ولبنان، ومنغوليا، والإمارات، وأحدث المنضمين إلى القائمة إيطاليا التي أعلنت صباح الخميس الـ5 من مارس (آذار) الحالي إغلاق جميع المدارس مدة عشرة أيام بشكل مبدئي.

ما يزيد على ثلاثة آلاف إصابة ووفاة 107 إيطاليين متأثرين بالفيروس نصَّبوا إيطاليا على رأس قائمة الدول الأوروبية المنكوبة بالفيروس. المسؤولون الصحيون في إيطاليا عبّروا عن مخاوفهم الشديدة من الضغط الهائل الذي أدّى إلى ارتباك شديد بالنظام الصحي في البلاد.

وتقدّر منظمة "يونسكو" عدد الطلاب المتضررين من قرار الإغلاق الكلي بنحو 291 مليون طالب، وتوجد قرارات إغلاق جزئية لمدارس في تسع دول، هي: فرنسا، وألمانيا، وباكستان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وتايلاند، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وفيتنام، ليبلغ مجموع طلاب المدارس المتأثرين بهذا القرار في الدول التسع نحو 180 مليون طالب.

 

 

إمعان في السعال

ملايين الطلاب حول العالم الذين يمعنون في السعال والعطس كلما دخل المعلم أو مرّ المشرف أو هبط الناظر على فصلوهم لتفقد الأحوال، يتعاملون مع خطورة الإصابة بفيروس "كورونا" أو "كوفيد 2019"، وكأنّه فرصة ذهبية للهروب من المدرسة، من دون تكبّد عناء تبرير الغياب أو تعليل الاختفاء.

مزحة السعال من دون داع وادّعاء العطس أملاً في إلغاء الحصة أو تقليصها على الأقل مفهومة لدى الصغار الذين لم تغلق مدارسهم أبوابها بعدُ، لكن الصغار القابعين في بيوتهم بقرارات رسمية تتراوح مواقفهم وتتأرجح مشاعرهم في ما يختص بالإغلاق بين تسلل الملل وافتقاد الأصدقاء، وتعثّر محاولات المذاكرة، والمتابعة من دون معلم وفصل وشرح وغيرها من السُّبل المدرسية التقليدية.

أفكار غير تقليدية

السُّبل المدرسية التقليدية لم تعد الوسيلة المتاحة لملايين الطلاب حول العالم ممن أُغلقت مدارسهم، وغيرهم ملايين ممن ربما تغلق مدارسهم بين لحظة وأخرى. هذه السابقة التي لم تحدث من قبل في تاريخ التعليم، التي أجبرت ملايين الطلاب على التزام بيوتهم دفعت القائمين على أمر التعليم كذلك إلى الخروج بأفكار غير تقليدية لتخفيف الآثار السلبية الناجمة عن تعطّل الحياة المدرسية.

مدير عام منظمة "يونسكو" أودري أزولاي تقول إن "يونسكو" تعمل مع دول العالم لضمان استمرارية وانتظام التعلّم للجميع، وفي مقدّمتهم الأطفال والشباب المحرومون الذين غالباً يمثلون الفئة الأكثر تضرراً من إغلاق المدارس.

ورغم إشارتها إلى أنّ الإغلاق المؤقت للمدارس في أوقات الأزمات ليس أمراً جديداً، فإنها وصفت تسارع وتيرة الإغلاق وزيادة حدته وتدهور العملية التعليمية هذه المرة بـ"غير المسبوق"، بل نوّهت إلى أن استمرار الوضع على هذا الحال سيدخل التعليم "في دائرة الخطر"!

وعلى أمل تقليص أو إبعاد أو على الأقل تأجيل اقتراب دائرة الخطر، تهرع الدول المختلفة، كلّ حسب قدراته وإمكاناته المادية والتقنية، لاحتواء الآثار السلبية الناجمة عن إغلاق مدارس وتوقعات إغلاق المزيد، إضافة إلى توقف كثير من الأهل عن إرسال الأبناء خوفاً عليهم.

 

 

شهادات دولية

كثيرٌ من المدارس التي أُغلق بالفعل والجهات المسؤولة عن شهادات دولية مثل البكالوريا الفرنسية والدبلومة الأميركية وغيرها حول العالم هرع إلى شبكة الإنترنت للتواصل والاتصال، وتلقي الأسئلة وطرح الإجابات.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، جرى تحديث موقع "شهادة البكالوريا الفرنسية" أولاً بأول حول وضع الفيروس، والإجراءات التي تتخذ للتيسير على الطلاب حول العالم، سواء عن طريق تأجيل مواعيد امتحانات، أو تزويد الطلاب بمنصات تعليمية عنكبوتية مساعدة، أو التنويه عن مواقع الخضوع لاختبارات إلكترونية تعليمية وتصحيحها، إضافة إلى تنشيط وتفعيل إمكانات الاتصالات المرئية لعقد الاختبارات الشفهية والرياضية.

البيوت الصينية والفجوة الرقمية

لكن، مشكلة إغلاق المدارس وتعطّل الدراسة في كثير من دول العالم أكبر من شهادات دولية وتعليمات عنكبوتية. الصحف الصينية تصف ما يحدث في البيوت الصينية التي تحوي أطفالاً أو مراهقين في سن المدارس بـ"أكبر تجربة في العالم للتعليم الإلكتروني عن بعد".

إدارات المدارس درّبت معلميها على استخدام (دينغ توك) المتاح من قبل شركة (علي بابا) لإدارة الدروس عن طريق البث الحي، إضافة إلى إطلاق الصين منصة لسحابة تعليمية وطنية كبرى قبل أيام.

آلاف المعلمين والمعلمات لجؤوا إلى الشبكة العنكبوتية في بداية تفشي الفيروس، للتدريب على الشرح أمام كاميرا لا أمام الطلاب، وكانت النتيجة أن عملية التعليم الإلكتروني عن بعد تسير بشكل منتظم هذه الأيام على الرغم من هلع الفيروس ورعب الإصابة به.

إلا أنّ التعليم العنكبوتي والدروس التي تُبث على الهواء ليست منزوعة المشكلات، فالأطفال الصينيون المنتمون إلى أسر لا تقوى على تسديد تكلفة الـ"واي فاي" يعانون فجوة رقمية عاتية.

حكايات عديدة جرى تداولها عن طلاب يصعدون إلى سطح البيوت لتوصيل هواتفهم المحمولة بشبكة الجيران، وآخرون لا تسمح ميزانيات أسرهم المحدودة إلا بساعة أو ساعتين متصلتين بالشبكة فقط لا غير.

جاهزية التعلم عن بعد

لكن، تظل الصين من الدول المصنفة بجاهزية معقولة للتعلم عن بعد قبل انتشار الفيروس وقرار إغلاق المدارس. فكثير من المدارس والجامعات والمكتبات في الصين تستخدم الموارد الرقمية، وهو ما ييسر عملية الحصول على المحتوى التعليمي إلكترونياً.

مساعدة مدير مركز التعليم الدولي في "برنامج الاقتصاد والتنمية الدوليين" التابع لمعهد بروكنغز، ريبيكا وينثروب أجرت حواراً مطولاً مع الأستاذة في التعليم وتنمية الأطفال في جامعة "بكين نورمال" جين تشي، وجاء فيه أن الوصول إلى غالبية المحتوى التعليمي على شبكة الإنترنت في الصين متاحٌ من دون مقابل، لا سيما في مثل تلك الظروف التي تمر بها الصين، إلا أنها لا ترى في الاعتماد على تكنولوجيا الاتصال والمعلومات والموارد الرقمية المفتوحة ضماناً لجودة العملية التعليمية بالضرورة.

وتقول تشي، "الصين شهدت طفرة في التعلم عبر الإنترنت خلال السنوات الماضية، وأصبحت المنصات التعليمية الكبيرة على الإنترنت مزدحمة بالمتعلمين، لذلك رفعت حكومة الصين شعار (التوقف عن الدراسة من دون التوقف عن التعلم) مع صدور قرار إغلاق المدارس والجامعات في ظل تفشي كورونا".

وتعاود تشي الإشارة إلى أن "لا شيء يضاهي التعلم الحقيقي في المدرسة، حيث التفاعل وجهاً لوجه".

 

 

دعم نفسي لمعلمي الإنترنت

وتقيِّم تشي تجربة التعليم عن بعد على مدار الأسابيع القليلة الماضية، بقولها "المعلمون شكّلوا مجموعات لتعلّم أفضل الممارسات في تعليم الطلاب عن بعد، والاستفادة من تجارب بعضهم لتعظيم الفائدة التعليمية والتدريب على منصات التدريس عبر الإنترنت".

وترى أنّ التجربة الحالية تعني أن على الصين أن تطوّر إمكاناتها في هذا المجال بعد انتهاء الأزمة الحالية، إذ اتضحت ضرورة إعداد المعلم المتقن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل محترف، والتدريب على قواعد التعلّم عبر الإنترنت لمواجهة الحالات الطارئة المستقبلية بشكل أفضل.

وتشير تشي كذلك، إلى جوانب ربما تخفي البعض في هذا الشأن، إذ يحتاج المعلمون المنخرطون في التعليم عبر الإنترنت، لا سيما في الطوارئ والأزمات إلى دعم نفسي، لأن الانتقال من التفاعل البشري إلى التفاعل عبر المنصات الإلكترونية نقلة كبرى.

كما أنّ الدعم النفسي مهم جداً للمعلم، ليتمكّن من التعامل مع مشاعر الطلاب التي تتعرض لضغوط وتأرجحات هي الأخرى بسبب التعلم الإلكتروني والأزمات كأزمة "كورونا".

بريطانيا وهامش حرية الإغلاق

أزمة "كورونا" تضرب بدرجات متفاوتة. وفي بريطانيا، ولأن معدل وعدد الإصابات أقل بكثير، فإن الإغلاقات الجزئية لعدد من المدارس مع هامش حرية اتخاذ قرار الإغلاق من عدمه حسب رؤية كل إدارة مدرسة، مكّنت كثيراً من المدارس البريطانية من اتخاذ تدابير هادئة، ووضع خطط بديلة، وتجارب عملية للتعامل مع الوضع.

عبارة "التعليم الافتراضي" تتردد كثيراً هذه الأيام في مدارس بريطانيا، البعض يخصص يوماً كل أسبوع منذ اندلاع الأزمة للتدريب على التعليم الافتراضي بتدريب المعلمين، وتجهيز كتيبات تعليمية ليأخذها الطلاب إلى البيت حال الإغلاق، إضافة إلى اختبار عمل الشبكات للتأكد من عمل البريد الإلكتروني، ومواقع المدارس الإلكترونية لاستخدامها وقت الحاجة.

وقت الحاجة حين أزف في إيطاليا التي أغلقت كل مدارسها كانت مستعدة بإطلاق نظام التعليم عن بعد في اليوم التالي للإغلاق، أي يوم الجمعة الـ6 من مارس (آذار) الحالي. وزيرة التعليم الإيطالية لوتشيا أزولينا وصفت قرار الإغلاق بـ"الصعب جداً، لكن الضروري في ضوء الضغط المتوقع على النظام الصحي".

في الوقت نفسه، دشّنت أزولينا موقعاً عنكبوتياً يحوي كل المعلومات المتاحة حول طريقة التصرّف في حال تفشي الفيروس في المدارس، إضافة إلى منصة تعليمية تركز على التعليم عن بعد مع الإعلان عن الانتهاء من تدريب ألفي معلم ومعلمة على قواعد النقاش عبر الشبكة الإلكترونية لأغراض تعليمية.

فرصة أميركية لترويج التعليم المنزلي

ولأغراض تعليمية تظهر نبرة رضا في بعض الأصوات بالولايات المتحدة الأميركية بين صفوف المؤيدين التعليم المنزلي، وهو نوع التعليم المنتشر والمحبَذ من قِبل البعض لأسباب مختلفة.

يوجد الطلاب الرياضيون الذين يتمرنون ساعات طويلة في اليوم، الذين يتعذر ذهابهم إلى المدرسة يومياً لأسباب صحية أو تتعلق بذويهم، أو لصعوبة الطالب في التأقلم بالمدرسة، أو لتنقّل الأسرة بحكم العمل من ولاية إلى أخرى، ويقدر عدد الطلاب الخاضعين لنظام التعليم المنزلي بنحو مليوني طالب على مستوى الولايات المتحدة الأميركية.

الضالعون في التعليم غير المدرسي بالولايات المتحدة الأميركية يشيرون إلى الفرصة الذهبية لإخضاع أنظمة التعليم غير التقليدية للتجربة العملية، لا سيما أن هناك بدائل أخرى مثل التعليم الافتراضي، والتعليم المتناهي الصغر أو "مايكرو سكولينغ" المعتمد على قاعة درس واحدة صغيرة، لا مدرسة بأكملها، وفيها طلاب من أعمار مختلفة، والتعليم الهجين، وهو الخالط بين النظام المدرسي التقليدي والمنزلي.

 

 

مدرسة فلوريدا الافتراضية

يشار أيضاً إلى أنّ "مدرسة فلوريدا الافتراضية" تأسست في عام 1997، باعتبارها أول مدرسة افتراضية لـ12 عاماً من الدراسة على مستوى الولايات المتحدة الأميركية، وتتيح المدرسة للطلاب إتمام دراستهم المدرسية، والحصول على الشهادة الثانوية من دون الاضطرار إلى الذهاب إلى المدرسة التقليدية.

"برندا" اسم شبكة تعليمية آخذة في النمو على أساس فكرة المدارس المتناهية الصغر، ويوجد في ولاية أريزونا وحدها 80 مدرسة تعليم. المدرسة فصل صغير جداً لا يزيد على 15 طالباً وطالبة من أعمار مختلفة، ويشرف عليهم شخص بالغ واحد، شرط أن يكون لديه شغف بالعملية التعليمية، والقدرة على التفكير خارج الصندوق في ما يتعلق بتعليم الصغار.

فرصة من رحم الفيروس

تعلو الأصوات القادرة على رؤية الفرصة المولودة من رحم الفيروس. نماذج التعليم المنزلي، وعن بعد، والمدارس المتناهية الصغر، والتعلم الهجين، أو المختلط، وغيرها موضوعة حالياً تحت الاختبار الحقيقي، وربما ينتج عنها فوائد بعد انقشاع خطر الفيروس، واقتناع البعض بقيمة هذه النوعية من التعليم غير المدرسي غير التقليدي.

من جهة أخرى، دعت منظمة "يونسكو" وزراء التربية والتعليم في العالم إلى اجتماع طارئ يوم الـ10 من مارس (آذار) الحالي، وذلك لتبادل الحلول والاستراتيجيات الممكن اتباعها لضمان انتظام واستمرارية التعلّم للجميع على نحو منصف.

تجربة الولايات المتحدة الأميركية في الأنظمة التعليمية المدرسية غير التقليدية هي الأكثر ثراءً، وهي كذلك الأكثر جاهزية للتعامل مع أزمات طارئة، مثل تلك التي تلوح في الأفق هذه الآونة مع انتشار فيروس كورونا، والغموض الذي يكتنف مستقبله، وما يمكن توقعه من حيث أعداد الإصابات ومستوى الانتشار.

إمكانات إلكترونية واعدة

"مستوى انتشار الفيروس في الأيام القليلة المقبلة سيحدد ما يمكن عمله في ما يختص بما تبقى من العام الدراسي"، يقول الباحث في تكنولوجيا المعلومات المعنية بالمجالات التعليمية خالد مصطفى.

ويضيف "رغم أنّ المؤشرات الخاصة بالفيروس نفسه الذي لا يمكن اعتباره بالغ الخطورة، لا سيما بالنسبة إلى صغار السن، وكذلك معدلات الانتشار الحالية التي تعلنها منظمة الصحة العالمية يومياً، التي لا تشير إلى تحوّله إلى جائحة، فإن إمكانات التعليم الإلكتروني واعدة جداً".

وتابع، "صحيح أنها تظل مقصورة إلى حد كبير على مجالات التعلم العملي، مثل الدراسات الطبية والفنية والمعامل وغيرها، إلا أنه بات من السهل جداً أن تستمر العملية التعليمية بشكل أقرب ما يكون إلى الطبيعي الذي يحدث في المدرسة على شبكة الإنترنت".

واستكمل، "لكن، بالطبع تبقى أمامنا تحديات كثيرة أهمها الفجوة الرقمية بين من يملك القدرة على الاتصال بالشبكة ومن لا يملك، وإمكانية وسهولة وقوة الاتصال بالإنترنت. دول كثيرة حول العالم تعاني ضعفاً في الشبكات، بل إن هناك دولاً متقدمة من دول العالم الأول تعاني القرى والأماكن النائية فيها من ضعف الاتصال، كما أن دخول ملايين الطلاب في الوقت نفسه على الشبكات من شأنه أن يتسبب في إضعاف عملها أو توقفها أحياناً".

ويرى مصطفى أن إتاحة التعلّم الإلكتروني بالطبع "تحتاج إلى منصات ومحتوى تعليمي جاهز، إضافة إلى تنظيم عملية الاتصال بين المعلم والطلاب"، موضحاً "توجد دول لديها منصات تعلم إلكتروني على المستوى الوطني، فمصر مثلاً لديها حالياً بنك المعرفة ومنصات خاصة بالصف الأول الثانوي. لكن هناك كذلك مدارس تنشئ مواقع أو حسابات لها على الشبكة الإلكترونية موجهة إلى طلابها، وتحتوي على مواد تعليمية خاصة بها. وتوجد وسائل الاتصال المرئية والصوتية التي تتيح للطلاب والمعلم الاتصال والنقاش، وكأنهم في قاعة الدرس مثل (سكايب) و(فايبر) وغيرهما".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المدرسة التقليدية الأمثل

وعن جدوى هذه السبل، وهل تُغني عن المدرسة التقليدية أم لا؟ يقول "المدرسة التقليدية هي الشكل الأمثل للعملية التعليمية. المدرسة مكان للتعلّم والتربية والتنشئة، وليس فقط لتحصيل العلم. لكن في أوقات الأزمات والحروب والطوارئ، فإن توافر التعلم عن بعد عبر شبكة الإنترنت باختلاف إمكاناتها أفضل من أن تنقطع العملية التعليمية تماماً، أو تترك حسب إمكانات الأهل من حيث الوقت والجهد والقدرة والوعي. من جهة أخرى، فإن رب ضارة نافعة. فمنصات مثل (بنك المعرفة) و(خان أكاديمي) وغيرهما تشجّع الطلاب على البحث والتقصي في المسائل التي تثير اهتمامهم، إضافة بالطبع إلى تقديم الشروح الإضافية للدروس الصعبة".

وقد شرعت "يونسكو" في دعم تنفيذ برامج تعلّم واسعة النطاق عن بعد، وأوصت باللجوء إلى التطبيقات والمنابر التعليمية المفتوحة، كي يتسنّى للمدارس والمعلمين التواصل مع المتعلّمين عن بعد.

وتوفر المنظمة عدداً كبيراً من البرامج بغية استخدام أشكال التكنولوجيا الزهيدة التكلفة عبر الأجهزة المحمولة لأغراض التدريس والتعلّم للتخفيف من وطأة هذه الأزمة التعليمية.

وتشير "يونسكو" إلى أن إغلاق المدارس لأي سبب ينطوي على إشكاليات عدة، منها تقليص عدد ساعات التعليم الذي يؤثر سلباً في تحصيل الطلاب، والصعوبات الإضافية التي يتكبّدها الأهل، والانكماش الاقتصادي في ظل الجهد الذي يبذله الأهل لموازنة التزاماتهم في العمل مع التزاماتهم تجاه أطفالهم ورعايتهم.

كما يؤدي الإغلاق إلى تفاقم أوجه التفاوت في النظام التعليمي، إذ تبدي العائلات الميسورة قدرة أكبر على الحفاظ على مستويات أعلى في التعليم، وتوفير موارد أكثر لسد الثغرات التعليميّة، وتزويد أطفالها بأنشطة إثرائية تعويضاً عن عدم قدرتهم على الذهاب إلى المدرسة، عكس الأسر المتواضعة الحال.

وأخذت "يونسكو" على عاتقها مهمة التصدي "التعليمي والاجتماعي" لانتشار الفيروس، والذي بات معضلة خطيرة تطال العالم أجمع، كما تعهّدت المنظمة عدم التواني عن مواصلة رصد نطاق أزمة إغلاق المدارس واتساعها الجغرافي، مع الإبقاء على جاهزيتها لدعم الدول المختلفة في سياق التدابير الشاملة المتخذة.

 

 

تدابير مشابهة

تدابير مشابهة، لكن بدرجات متفاوتة تتخذ في الدول لأسباب مختلفة بين الحين والآخر. في مصر، وتحديداً عقب أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، مكثت ملايين الطلاب في البيوت عدة أسابيع، قبل إعادة فتح المدارس.

وفي تلك الأثناء، بادر عدد من المدارس الدولية باستمرار عملية التعلم عبر تحديد مواعيد الفصول الدراسية عبر "سكايب". صحيح أنّ الشبكة كانت تخذل الكثيرين، إلا أن العملية التعليمية لم تتأثر بشدة، لا سيما أن الطلاب كانت تصلهم قوائم الواجبات المدرسية وملازم شرح إضافية على البريد الإلكتروني، أمّا المدارس الحكومية، فكانت أكثر من عانى الإغلاق، نظراً إلى تفاوت القدرات المادية والتقنية.

أمّا القدرات العلمية والبحثية، فتخبرنا بمفاجأة! إغلاق المدارس يمكن أن يكون مفيداً في الحد من انتقال الفيروس بين الأطفال، لكنه لا يمنع الإصابة، كما أنّ أثر الإغلاق ليس واضح المعالم أو معروف الأثر على المدى الأطول نسبياً.

الأثر العلمي للإغلاق

الدورية البريطانية الطبية المشهورة BMJ تشير إلى أنّ باحثين أجروا دراسة ميدانية لقياس معدلات الإصابة بالإنفلونزا بين الصغار وجدوا أن إغلاق المدارس يمكن أن يحدّ من انتقال العدوى في أثناء تفشي الإنفلونزا، لكن تبقى الاستراتيجية المثلى للإغلاق غير واضحة، وذلك لأن تتبع أثر إغلاق المدارس أمر بالغ الصعوبة، فيصعب جداً معرفة توقيت إغلاق المدرسة، هل جرى قبل ذروة تفشي الفيروس أم أثناءه أم بعده؟ كما أن المدارس ربما تغلق أبوابها، وفي الوقت نفسه يتلقّى الأطفال مضادات الفيروسات واللقاحات، ما يجعل معرفة السبب الحقيقي وراء تضاؤل نسب الإصابة أمراً شبه مستحيل.

وتصف الدورية نمط نتائج عمليات الإغلاق في الدول بالفوضوي. فإغلاق المدارس في هونغ كونغ لأكثر من أسبوعين بسبب الإنفلونزا الموسمية، وفي بريطانيا بسبب إنفلونزا الخنازير في عام 2009 أدّى إلى نسب انتقال عدوى منخفضة. لكن نسب العدوى في كل من بيرو والولايات المتحدة الأميركية في العام نفسه وبعد الإغلاق بسبب الفيروس نفسه جاءت مرتفعة.

من جهة أخرى، حذّرت مجلة "لانسيت" من معضلة مختلفة تماماً. ففي حال أُغلق كل مدارس بريطانيا خوفاً من تفشي "كورونا"، فإنّ هذا يعني أن 30 في المئة من العاملين والعاملات في مجالي الرعاية الصحية والاجتماعية سيكونون خارج العمل، وهو ما سيضاعف من الآثار السلبية المتوقعة الصحية والاقتصادية والاجتماعية على المجتمع كله.