Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات سد النهضة... 14 عاما "محلك سر"

عشرات الاجتماعات الفنية والوزارية ظلت من دون جدوى والمشروع الإثيوبي دخل مرحلته الأخيرة بينما لا تعرف مصر نهاية لتهديد أمنها المائي

يظل السؤال حول مستقبل الأمن المائي المصري معلقاً في ظل تهديد السد الإثيوبي الذي دخل مرحلته النهائية الشهر الماضي (أ ف ب)

ملخص

عشرات الاجتماعات الفنية والوزارية ظلت من دون جدوى والمشروع الإثيوبي دخل مرحلته الأخيرة بينما لا تعرف مصر نهاية لتهديد أمنها المائي

كأسطورة سيزيف الإغريقية ظلت مفاوضات سد النهضة الإثيوبي تصعد وتهبط، تارة تسود الأجواء الإيجابية ويعلو التفاؤل بقرب الوصول إلى الحل، لكن سرعان ما تهبط صخرة الخلافات على رؤوس أطراف التفاوض الثلاثة، مصر والسودان وإثيوبيا، لتكون النتيجة ما هي عليه الآن، نحو 14 عاماً من المحادثات التي أسفرت صفراً كبيراً، إذ اعتبر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قبل أيام أن ملء السد لن يكون محل نقاش بعد الآن، لكنه أبدى في الوقت نفسه استعداداً لتلبية مطالب مصر "بأقصى ما بوسع بلاده".

وأعلنت مصر في ديسمبر (كانون الأول) 2023 انتهاء المسار التفاوضي في شأن السد الإثيوبي، بسبب "استمرار ذات المواقف الإثيوبية الرافضة عبر الأعوام الماضية للأخذ بأي من الحلول الفنية والقانونية الوسط التي من شأنها تأمين مصالح الدول الثلاث"، وفق بيان لوزارة الري المصري.

وفي المقابل، اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية مصر بـ"إقامة حواجز" ضد الجهود المبذولة نحو التقارب، مؤكدة التزام أديس أبابا التوصل إلى تسوية ودية وتفاوضية تحقق مصالح البلدان الثلاثة، وتطلعها إلى استئناف المفاوضات.

وتعتبر القاهرة السد "تهديداً وجودياً"، إذ يقع على نهر النيل المصدر شبه الوحيد للمياه لأكثر من 106 ملايين مصري، فيما تعاني مصر عجزاً مائياً يصل إلى نحو 50 في المئة من حاجاتها، بحسب ما أكده وزير الخارجية المصري أمام الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2023.

بدء التشييد

سيناريو الاتهامات المتبادلة لم يكن جديداً، فقد طبع حديث البلدين منذ إعلان الحكومة الإثيوبية في فبراير (شباط) 2011 بدء تشييد المشروع الأكبر من نوعه في أفريقيا، وهو الإعلان الذي جاء في الشهر نفسه الذي أطاح فيه المصريون الرئيس الأسبق حسني مبارك، إثر ثورة الـ25 من يناير (كانون الثاني) التي كانت بداية مرحلة من عدم الاستقرار السياسي عاشتها مصر، يبدو أنها شجعت إثيوبيا على تنفيذ مخططات كثيراً ما تحدثت عنها لعقود في شأن تنفيذ سدود ضخمة على نهر النيل بهدف توليد الكهرباء.

وفي خضم انشغال مصر بترتيب البيت الداخلي، وضع رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق ميليس زيناوي حجر أساس مشروع السد الذي سمي في البداية "الألفية"، قبل تغيير اسمه إلى "سد النهضة الإثيوبي الكبير"، ووسط "الحال الثورية" التي كانت تعيشها مصر، سافر وفد من السياسيين ونشطاء الثورة إلى إثيوبيا وأوغندا، في ما عرف بوفد "الدبلوماسية الشعبية"، بعد أيام من حفل وضع حجر أساس السد الإثيوبي، وأعقب ذلك اقتراح زيناوي تشكيل لجنة فنية ثلاثية مشتركة، تتضمن وزراء المياه في مصر والسودان وإثيوبيا، لدراسة موضوع السدود والتوصل إلى رؤية مشتركة واتفاق يكون بمثابة صيغة مرضية لكل الأطراف.

اتفقت الدول الثلاث على تشكيل لجنة فنية من الخبراء الدوليين لدراسة تداعيات السد المحتملة على مصر والسودان في سبتمبر 2011، وبدأت اجتماعاتها بعد ذلك بشهرين، وتم التوافق على لجنة مستقلة بمشاركة خبراء دوليين، تكون عضويتها من خبيرين من السودان وخبيرين من مصر وأربعة خبراء دوليين في مجالات هندسة السدود وتخطيط الموارد المائية والأعمال الهيدرولوجية والبيئية والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للسدود من ألمانيا وفرنسا وجنوب أفريقيا.

وخلص تقرير اللجنة الذي أصدرته في مايو 2013 إلى وجود تحفظات واضحة تتعلق بسلامة السد والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية في الفئات الفقيرة بمناطق إنشاء السد، وكذلك تحفظات تتعلق بتأثيره في الموارد المائية لدولتي المصب، وطالبت اللجنة إثيوبيا بإجراء مزيد من الدراسات التفصيلية لمنع الآثار السلبية للسد، مما لم تتجاوب معه أديس أبابا.

اجتماع مرسي

في مطلع الشهر التالي، عقد الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي اجتماعاً مع ممثلي القوى السياسية لبحث ملف السد الإثيوبي، شهد اقتراحات من رؤساء أحزاب بدعم معارضين إثيوبيين واستخدام القوة، وكان الاجتماع مذاعاً على الهواء مباشرة، مما سبب "حرجاً غير مقصود" بحسب تعبير مساعدة الرئيس للشؤون السياسية باكينام الشرقاوي التي اعتذرت مما حدث.

كان ذلك المشهد المرتبك سمة العام الذي تولى فيه مرسي ومن ورائه جماعة الإخوان المسلمين الحكم بين يونيو (حزيران) 2012 ويوليو (تموز) 2013، واعتبر الاجتماع الشهير عن سد النهضة إحدى السقطات السياسية لعهد مرسي على الصعيد الخارجي. وتمت إطاحته استجابة لملايين المصريين الذين خرجوا في ثورة الـ30 من يونيو 2013، لتدخل مصر مرحلة انتقالية جديدة.

ما بعد 30 يونيو

ومع تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكم في يونيو 2014، تحركت مصر سريعاً في ملف السد الإثيوبي، فعقد الرئيس المصري المنتخب حديثاً لقاء مع رئيس وزراء إثيوبيا هايلي مريام ديسالين، على هامش القمة الأفريقية في غينيا الاستوائية، وأصدرا بياناً مشتركاً أكدا فيه محورية نهر النيل كمورد أساسي لحياة الشعب المصري ووجوده، وكذلك إدراكهما لحاجات الشعب الإثيوبي التنموية.

وتوافق السيسي وديسالين على الاستئناف الفوري لعمل اللجنة الثلاثية حول سد النهضة بهدف تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية، واحترام نتائج الدراسات المزمع إجراؤها خلال مختلف مراحل مشروع السد، كما جددت الحكومة الإثيوبية التزامها تجنب أي ضرر محتمل من سد النهضة على استخدامات مصر من المياه، وفي المقابل أكدت مصر التزامها الحوار البناء مع إثيوبيا.

ومثل هذا اللقاء بداية جديدة بين البلدين بعد الأجواء السلبية التي سادت خلال الأعوام السابقة، وتأججت بفعل الاجتماع الرئاسي الذي عقده مرسي على الهواء، ثم فشل اجتماع وزراء مياه الدول الثلاث في يناير 2014 بالخرطوم في تحقيق أي اختراق.

وبعد أسابيع من لقاء السيسي وديسالين، عقد وزراء المياه في البلدان الثلاثة اجتماعاً بالخرطوم في أغسطس (آب) 2014، بعد نحو ثمانية أشهر من الانقطاع، فتم الاتفاق على آلية لتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية في شأن سد النهضة الذين كانوا طالبوا بإجراء مزيد من الدراسات حول السد.

ونص البيان الختامي للاجتماع على تشكيل لجنة خبراء رباعية من الدول الثلاث، إلى جانب الاستعانة بشركة استشارية دولية لإجراء دراستين إضافيتين في شأن السد، الأولى تختص بمدى تأثر الحصة المائية المتدفقة لمصر والسودان بإنشاء السد، والثانية تتناول التأثيرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية المتوقعة في مصر والسودان جراء إنشاء هذا السد، كما أقر البيان اختيار خبراء دوليين لحسم أي خلاف قد يظهر إبان النتائج النهائية في فترة أقصاها أسبوعان.

اتفاق المبادئ

وتبعت ذلك خطوات متسارعة لتنفيذ ما اتفق عليه في الخرطوم، حيث اتفق وزراء مياه الدول الثلاث خلال اجتماع بأديس أبابا في سبتمبر 2014 على الشروط المرجعية للجنة الفنية الوطنية وقواعدها الإجرائية، وكذلك على المعايير العامة لتقييم واختيار الشركات الاستشارية الدولية الموكلة إليها أعمال الدراسات الفنية. وفي الشهر التالي عقدت جولة محادثات في القاهرة، أعلن خلالها عن قواعد اختيار المكاتب الاستشارية المنفذة للدراسات الفنية، إذ تم الاتفاق على سبعة مكاتب استشارية عالمية واختيار واحد من بينها لتنفيذها.

 

 

وفي الخامس من مارس (آذار) 2015، عقد وزراء الدول الثلاث جولة محادثات في الخرطوم لتقييم العروض المالية والفنية المقدمة من أربع شركات دولية لتنفيذ الدراسات الفنية المطلوبة للسد.

تتويجاً لتلك الوتيرة المتسارعة، جاء توقيع اتفاق المبادئ في الـ23 من مارس 2015 بالخرطوم، من جانب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والرئيس السوداني في ذلك الوقت عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا هايلي مريام ديسالين، والذي مثل أساساً جديداً للتعاون في ملف سد النهضة، إذ أرسى 10 مبادئ أساسية لتعامل الدول الثلاث مع الملف، أبرزها التعاون على أساس حسن النوايا والتفاهم المشترك وعدم التسبب بضرر "ذي شأن" والتعاون في الملء الأول وإدارة السد وأن تستكمل إثيوبيا تنفيذ توصيات أمان السد، وأدى ذلك التوقيع إلى موجة من الارتياح والتفاؤل في مصر بقرب انتهاء الملف الذي يؤرق المصريين، حتى إن صحيفة "اليوم السابع" عنونت" عددها الصادر عقب التوقيع بـ"السيسي حلّها".

عودة الخلافات

واستمرت الدول الثلاث في اجتماعات اللجنة الفنية الوطنية لتمهيد الطريق أمام عمل المكتبين الاستشاريين الدوليين اللذين تم اختيارهما في أبريل (نيسان) لإجراء الدراسات، وهما شركتا "بي أر أل" الفرنسية و"دلتارس الهولندية" بنسبة 70 في المئة للأولى و30 في المئة للثانية.

لكن الخلافات لاحت من جديد في الأفق، إذ تمسكت مصر بعدم تكليف شركة واحدة فقط تنفيذ الدراسات، وسعت إلى دفع مسار الدراسات حول السد خلال الجولة التاسعة للجنة الوطنية لسد النهضة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، بمشاركة وزراء الري وأعضاء اللجنة المشكلة من 12 خبيراً بواقع أربعة خبراء من كل دولة، كما طالبت القاهرة بضرورة عقد اجتماع سداسي يضم وزراء الخارجية والري من الدول الثلاث لوضع خريطة طريق تراعي "المشاغل المصرية" في ظل تسارع البناء بسد النهضة، وفي المقابل بطء تنفيذ المسار الفني المتفق عليه في الاجتماعات السابقة، والإسراع في إعداد الدراسات الخاصة بتداعيات السد وبنيته.

تلبية لرغبة مصر عقدت الجولة الـ10 للجنة الوطنية الثلاثية في الخرطوم في الـ11 من ديسمبر 2015 بحضور وزراء الخارجية والري، لكنها لم تسفر عن اتفاق، ليعاود الوزراء الاجتماع بعد ذلك بأسبوعين، فوقعوا في الـ29 من ديسمبر على "وثيقة الخرطوم" التي نصت على اختيار مكتب "أرتيليا" الفرنسي بدلاً من "دلتارس" الهولندي الذي انسحب من القيام بالدراسات، مع ضغط الجدول الزمني لدراسة العروض الفنية، كما تضمن بحث مطلب مصر زيادة فتحات تصريف السد وتنفيذ ذلك إذا أثبتت اللجنة الفنية أهميته، وتم تأكيد التزام إثيوبيا بما جاء في إعلان المبادئ، خصوصاً البند الخامس المتعلق بالملء الأول للسد.

وخرج اجتماع الخرطوم بخريطة طريق لإتمام الدراسات الفنية، بأن يوقع العقد في مطلع فبراير 2016 وتنتهي الدراسة المائية خلال مدة لا تتجاوز ثمانية أشهر.

طلب ورفض

مطلب مصر زيادة الفتحات في جسم السد كان نقطة خلاف جديدة، إذ عقدت اجتماعات فنية في أديس أبابا في يناير 2016 لدراسة المقترح المصري بزيادة عدد فتحات تمرير المياه من خلف السد من فتحتين إلى أربع فتحات، لضمان استمرار تدفق المياه خلال فترات المناسيب الضعيفة لمجرى نهر النيل في اتجاه السودان ومصر، لكن إثيوبيا أعلنت رفض المقترح وأكدت أن التصميم الحالي للسد يمرر "ما يكفي من المياه" لمصر والسودان. وكانت الخرطوم أبدت رضاها بتصميم السد من دون الاقتناع فنياً بالمقترح المصري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستمرت اجتماعات اللجنة الوطنية الثلاثية، وفي فبراير 2016 عقد لقاء مع الشركتين الفرنسيتين المنوط بهما إجراء الدراسات الخاصة بتأثيرات السد، والعقد المقدم من مكتب قانوني إنجليزي، والتوافق على دفع مصر والسودان وإثيوبيا بالتساوي قيمة الدراسات البالغة 4.5 مليون يورو، وتقرر تأجيل التوقيع مع الشركتين بسبب حاجة الوفود الفنية إلى العودة لحكوماتهم لمزيد من التشاور حول صيغة العقد.

بعد ذلك، سادت ملف سد النهضة حال من الجمود لأكثر من 18 شهراً، بعدما كان الحديث يدور حول إنهاء الدراسات الفنية في موعد أقصاه أكتوبر 2016، جاء اجتماع اللجنة الفنية الثلاثية في أكتوبر 2017 ليناقش ملاحظات الدول حول التقرير الاستهلالي للمكتب الاستشاري الفرنسي، ولم يخرج سوى بالاتفاق على عقد لقاء على المستوى الوزاري لاستكمال مناقشة نقاط الخلاف الأساسية والوصول إلى توافق حولها.

التقرير الاستهلالي

استضافت القاهرة الاجتماع الـ 17 للجنة الثلاثية لسد النهضة في نوفمبر 2017، حيث أبدت مصر موافقتها مبدئياً على التقرير الاستهلالي للشركة الاستشارية، لكن السودان وإثيوبيا اعترضا على التقرير وطالبا بإجراء تعديلات "تتجاوز مراجع الإسناد المتفق عليها وتعيد تفسير بنود أساسية ومحورية على نحو من شأنه أن يؤثر في نتائج الدراسات ويفرغها من مضمونها"، وفق ما أعلنه وزير الري المصري في ذلك الوقت محمد عبدالعاطي في ختام الاجتماعات، مبدياً قلقه تجاه تعثر المسار الفني.

وأمام تعثر مسار التفاوض، علق الرئيس المصري على الأزمة قائلاً إن المياه مسألة حياة أو موت للشعب المصري، وإن "مياه مصر موضوع ليس فيه نقاش، وأطمئنكم... لا أحد يستطيع أن يمس بمياه مصر".

طرحت القاهرة في يناير 2018 مشاركة البنك الدولي في أعمال اللجنة الفنية الثلاثية، لكن رئيس الوزراء الإثيوبي رفض المقترح المصري فيما لم يقدم السودان رداً واضحاً.

وفي ختام ذلك الشهر، عقد اجتماع بين قادة مصر والسودان وإثيوبيا على هامش القمة الأفريقية في أديس أبابا، حيث تم الاتفاق على الانتهاء من الدراسات الفنية الخاصة بسد النهضة خلال شهر واحد.

عهد جديد بمواقف قديمة

إلا أن التصريحات والجداول الزمنية لم يتم الالتزام بها مجدداً. وعادت الدول الثلاث للاجتماع بالخرطوم في أبريل 2018، وهذه المرة بحضور وزراء الخارجية والري ومديري الاستخبارات، لكنها لم تسفر عن نتيجة مع استمرار النقاط الخلافية في التقرير الاستهلالي من المكتب الاستشاري، وكان هذا الاجتماع الأول في عهد رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد آبي أحمد الذي عيّن في مارس 2018.

وعاودت البلدان الثلاثة الاجتماع وفق صيغة "الاجتماع التساعي" في أديس أبابا في مايو 2018، وتم التوافق على توجيه ملاحظات الدول إلى المكتب الاستشاري في شأن التقرير الاستهلالي وتشكيل مجموعة علمية مستقلة لتحقيق التقارب حول السد ووضع مسار لضمان استكمال الدراسات.

وفي الشهر التالي، زار آبي أحمد القاهرة للمرة الأولى، واتفق مع السيسي على تبني "رؤية مشتركة" قائمة على احترام حق البلدين في تحقيق التنمية من دون المساس بحقوق الطرف الآخر، وخلال مؤتمر صحافي استجاب آبي أحمد لدعوة السيسي إلى أن "يحلف بالله" أن بلاده لن تلحق ضرراً بمصر بسبب سد النهضة.

وبعد أيام من الزيارة، بدأت في الخرطوم اجتماعات مجموعة العمل البحثية العلمية المستقلة، لمناقشة خيارات واستراتيجيات ملء بحيرة سد النهضة والتي تضم خبراء وأكاديميين من مصر والسودان وإثيوبيا، لكن في سبتمبر 2018 عقد وزراء الري الثلاثة اجتماعاً في أديس أبابا لم يسفر عن شيء.

وفي خلفية تلك المفاوضات التي تراوح مكانها كانت إثيوبيا تواصل بناء مشروعها الكبير، وإن كان قد تعطل لأسباب فنية ومالية، أخرت موعد افتتاحه الذي كان مقرراً في 2020. وبحلول أغسطس 2018 أقر رئيس الوزراء الإثيوبي بالتأخير لأعوام، وفي ذلك الوقت أنجزت إثيوبيا 66 في المئة من المشروع.

التعطل طاول مسار المفاوضات أيضاً ليس فقط بسبب الخلافات بين الدول الثلاث، وإنما لاندلاع الاحتجاجات في السودان في ديسمبر 2018 التي أفضت لإطاحة البشير في أبريل 2019.

تدويل الأزمة

ومع تولي نظام الحكم الانتقالي في السودان السلطة، عاودت الدول الثلاث المفاوضات في سبتمبر 2019، بعد شهر من تقديم مصر رؤيتها في شأن قواعد ملء سد النهضة وتشغيله، على أن يكون خلال سبعة أعوام والحفاظ على تدفق 40 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، لكن إثيوبيا رفضت.

 ولم يفضِ اجتماع وزراء الري واللجنة العلمية المستقلة في الخرطوم إلى شيء، وقالت وزارة الري المصرية إن رفض إثيوبيا للمقترح المصري أفشل المفاوضات.

وتزامن ذلك مع أول تحرك مصري لتدويل الأزمة، حين أثار الرئيس السيسي الملف خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2019، محذراً من أن استمرار التعثر في المفاوضات حول سد النهضة ستكون له انعكاسات سلبية على الاستقرار والتنمية في المنطقة عامة وفي مصر خصوصاً، ومؤكداً أن مياه النيل بالنسبة إلى مصر هي مسألة حياة وقضية وجود.

خطاب التصعيد تزايد من البلدين في الأيام التالية، إذ أكد السيسي في الخامس من أكتوبر 2019 أن الدولة المصرية بكل مؤسساتها ملتزمة حماية الحقوق المائية المصرية في مياه النيل ومستمرة في اتخاذ ما يلزم من إجراءات على الصعيد السياسي، فيما صرح رئيس الوزراء الإثيوبي في الشهر نفسه بأنه "يستطيع حشد الملايين على الحدود، في حال حدوث حرب، وأنه لا توجد قوة تستطيع منع بلاده من بناء سد النهضة"، وهو ما عبرت الخارجية المصرية عن صدمتها إزاءه.

وجاء ذلك التصريح من آبي أحمد بعد نحو أسبوعين من فوزه بجائزة نوبل للسلام، في ظل تصاعد نجمه سريعاً في منطقة القرن الأفريقي بعد أن ركز على إنهاء خلافات حدودية مع إريتريا المجاورة وحشده الشعب الإثيوبي لدعم مشاريع تنموية.

واشنطن تتدخل

في نوفمبر 2019، دخلت الولايات المتحدة للمرة الأولى على خط الأزمة بفاعلية من خلال دعوة الأطراف الثلاثة إلى الاجتماع في واشنطن بحضور وزير الخزانة الأميركي ورئيس البنك الدولي، وصدر بيان مشترك في ختام الاجتماع بالتوافق على عقد أربعة اجتماعات عاجلة لوزراء مياه الدول الثلاث بمشاركة ممثلي الولايات المتحدة والبنك الدولي، تنتهي بالتوصل إلى اتفاق حول ملء سد النهضة وتشغيله خلال شهرين بحلول منتصف يناير 2020.

 

 

وبالفعل عقدت أربعة اجتماعات وفق تلك الصيغة في عواصم الدول الثلاث بين نوفمبر 2019 ويناير 2020، لكنها لم تسفر عن شيء، لتتدخل واشنطن مجدداً باستضافة وفود أطراف الأزمة لتقييم نتائج الاجتماعات الأربعة في الـ15 من يناير 2020، مما أثمر توافقاً مبدئياً على إعداد خريطة طريق، تتضمن ستة بنود أهمها بالنسبة إلى مصر تنظيم ملء السد خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، وفي نهاية ذلك الشهر تم الاتفاق على التوقيع على تفاهم في غضون 30 يوماً.

وعلى رغم الوتيرة المتسارعة باتجاه التوصل إلى اتفاق بعد التدخل الأميركي، تراجعت أديس أبابا معلنة عدم مشاركتها في الاجتماعات المقررة لتوقيع الاتفاق النهائي في واشنطن والذي كان من المنتظر توقيعه بنهاية فبراير، مما دعا مصر إلى توقيع الاتفاق منفردة بالأحرف الأولى.

اللجوء إلى مجلس الأمن

تباعدت المسافات من جديد بين القاهرة وأديس أبابا، وتبادلتا الاتهامات بالتعنت ومحاولة السيطرة على النيل، ومع قرب تنفيذ إثيوبيا للملء الأول لبحيرة السد في صيف ذلك العام، طلبت مصر من مجلس الأمن التدخل في الأزمة، فعقد اجتماعاً وأعلن خلاله دعمه لجهود الاتحاد الأفريقي لتسوية النزاع، بعد أن دعا الاتحاد إلى جولة مفاوضات جديدة تحت رعايته.

وأحاديث تطور النزاع إلى مواجهة عسكرية التي كانت تطرح تلميحاً في تقارير إعلامية، طرحت علناً للمرة الأولى من جانب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، خلال محادثة هاتفية في أكتوبر 2020 مع رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، فحذر من أن مصر قد "تفجر" سد النهضة.

الوساطة الأفريقية

جنوب أفريقيا التي كانت تترأس الاتحاد الأفريقي في ذلك الوقت دعت إلى استئناف المفاوضات تحت رعاية الاتحاد، وبحضور مراقبين من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي والولايات المتحدة، إلا أن الفشل صاحب تلك المحادثات حتى قبل انطلاقها، فلم ينجح وزراء المياه والخارجية من الدول الثلاث في اجتماع في يناير 2021 عبر الإنترنت برئاسة وزيرة خارجية جنوب أفريقيا، في الاتفاق على الإطار الإجرائي لكيفية استئناف المفاوضات.

وبدا السودان في عهد ما بعد البشير أكثر ميلاً إلى وجهة النظر المتخوفة من السد، إذ قال وزير الري السوداني في ذلك الوقت ياسر عباس إن المفاوضات لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

ومع انتهاء فترة رئاسة جنوب أفريقيا للاتحاد الأفريقي، تسلمت الكونغو الديمقراطية ملف سد النهضة وحاولت تحقيق تقدم باستضافة وفود الدول الثلاث في كينشاسا في أبريل 2021، ليصف وزير الخارجية المصري سامح شكري هذه المحاولة بأنها "فرصة أخيرة"، لكن لم تكن نتيجتها مختلفة عن سابقاتها. وجاء ذلك بعد أسبوع من تحذير الرئيس المصري من المساس بحصة مصر من مياه النيل.

وسبقت تلك الجولة مطالبة السودان بتوسيع دائرة الوساطة لتشمل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد الأفريقي، لكن إثيوبيا رفضت وأكدت الاكتفاء بالاتحاد الأفريقي.

بيان رئاسة مجلس الأمن

وأمام فشل المسار التفاوضي، عادت مصر لطرق أبواب مجلس الأمن الذي عقد جلسة أخرى حول ملف سد النهضة جددت خلاله الأطراف عرض مواقفها في يوليو 2021، بعد أيام من بدء الملء الثاني لخزان السد.

وأفضى التحرك المصري في مجلس الأمن إلى إصدار بيان رئاسي من المجلس في سبتمبر 2021، دعا فيه الأطراف الثلاثة إلى العودة للمفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي بغرض الانتهاء سريعاً من صياغة نص اتفاق قانوني ملزم حول ملء سد النهضة وتشغيله في إطار زمني معقول.

البيان قوبل بترحيب مصري وسوداني، غير أنه أثار رفضاً من الجانب الإثيوبي الذي أعرب عن أسفه لتدخل المجلس في مسألة "تخرج عن نطاق اختصاصه"، بحسب وصف بيان صادر عن وزارة الخارجية الإثيوبية.

فطبع الجمود مسار المفاوضات لمدة نحو عامين، باستثناء تنديد مصري بالتعنت الإثيوبي ودعوة إلى استئناف التفاوض مع تحركات دبلوماسية للضغط على أديس أبابا للتوصل إلى حل، في مقابل خطاب رسمي إثيوبي يبدي استعداداً للتفاوض وفي الوقت نفسه يحمل مصر مسؤولية عدم الوصول إلى اتفاق.

الجولة الأخيرة

لكن في منتصف يوليو 2023، ومع قيام إثيوبيا بالملء الرابع لخزان السد، تحركت المياه الراكدة بصورة مفاجئة إثر زيارة آبي أحمد للقاهرة، حيث استقبله السيسي بحفاوة في القصر الرئاسي، وأصدر البلدان بياناً مشتركاً كشفا فيه عن اتفاق الرئيسين على بدء مفاوضات عاجلة للانتهاء من اتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا حول ملء سد النهضة وقواعد تشغيله مع بذل الجهود للانتهاء من هذه العملية خلال أربعة أشهر.

وعلى رغم استئناف المحادثات في أغسطس، لم تتغير مواقف البلدين في شأن الملف، فعلى مدى أربع جولات تفاوضية تقاسمت القاهرة وأديس أبابا استضافتها، تبادل البلدان التهم بعرقلة المسار التفاوضي، إذ قالت مصر إن إثيوبيا تراجعت عن توافقات سابقة، وترفض الحلول الوسط، فيما طرحت إثيوبيا مسألة الحصول على "حصة عادلة" من مياه النيل التي ترفض مصر مناقشتها.

ومع تجاوز مدة الأربعة أشهر التي توافقت عليها الدولتان، جاءت الجولة الرابعة التي عقدت الأسبوع الماضي في العاصمة الإثيوبية لتكشف عن حدة الخلاف بين البلدين، إذ أصدرت وزارة الري المصرية بياناً في ختام المحادثات التي استمرت يومين، أعلنت فيه أن المسارات التفاوضية "انتهت من دون نتيجة" بسبب "استمرار ذات المواقف الإثيوبية الرافضة عبر السنوات الماضية للأخذ بأي من الحلول الفنية والقانونية الوسط التي من شأنها تأمين مصالح الدول الثلاث".

وفي المقابل، اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية مصر بـ"إقامة حواجز" ضد الجهود المبذولة نحو التقارب، وكذلك العمل على "تحريف" مواقف إثيوبيا، مؤكدة التزام أديس أبابا التوصل إلى تسوية ودية وتفاوضية تحقق مصالح البلدان الثلاثة وتطلعها إلى استئناف المفاوضات.

ويظل السؤال حول مستقبل الأمن المائي المصري معلقاً، في ظل تهديده من السد الإثيوبي الذي أعلنت أديس أبابا دخوله مرحلته النهائية الشهر الماضي، إذ ترى القاهرة في الكم الكبير من المياه بخزان السد البالغ 74 مليار متر مكعب وفق المخطط، تهديداً لأمنها المائي الذي يعاني محدودية الموارد وسط اعتمادها على نهر النيل مصدراً وحيداً تقريباً للمياه، وثبات حصتها من النهر منذ عام 1959، وهي 55.5 مليار متر مكعب سنوياً.

المزيد من تقارير