Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رفع السرية عن أرشيف الفاتيكان... فك الشفرات الملتبسة

أسرار بيوس الثاني عشر وعلاقته مع النازية للمرة الأولى أمام العالم

جانب من الأرشيف السري في الفاتيكان (غيتي)

في الرابع من مارس (آذار) من العام الفائت 2019، أعلن الحبر الأعظم البابا فرنسيس عن فتح أرشيف الفاتيكان السري، ذاك المتعلق بحبرية البابا بيوس الثاني عشر (1939- 1958)، وذلك في الثاني من مارس (آذار) 2020، الأمر الذي حدث بالفعل خلال الأيام القليلة الماضية.

في إعلانه قال فرنسيس: "إن شخصية بيوس الثاني عشر الذي قاد سفينة بطرس خلال لحظة من بين أكثر اللحظات حزنا في القرن العشرين، كانت قد تمت دراستها في الكثير من جوانبها، وفي بعض الأحيان كانت موضع نقاش وحتى انتقاد، واليوم وضعت هذه الشخصية في الضوء الصحيح لصفاتها المتعددة، الراعوية قبل كل شيء، وأيضا اللاهوتية".

هناك أسئلة كثيرة تتداعى من جراء هذا الاعلان، وهناك حاجة ملحة لفك شفرات الحديث عن تلك الفترة الحزينة، التي أشار إليها فرنسيس، ثم وهذا هو السؤال الأهم: هل سيأتي فتح هذا الأرشيف لينهي الاتهامات الموجهة لهذا البابا الذي عاصر الحرب العالمية الثانية، والمتعلقة بتماهيه مع النازية وعدم إعلان صوته عاليا  بالرفض للمحرقة أو السكوت على امتهان كرامة البعض في أوروبا؟.

عن الأرشيف السري بداية

يعد هذا الأرشيف جزءا من مكتبة الفاتيكان الرسولية، والتي وإن كانت بشكل أو بآخر أقل عددا من مكتبة الكونجرس، إلا أن موجوداتها ومخطوطاتها أثمن كثيرا، فقد جاءت نتاج حضور الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في قارات الأرض الست  وطوال ألفي عام.

تم تأسيس هذه المكتبة الهائلة عام 1451، في عهد البابا  "نيكولاس الخامس" ويومها كانت تحتوي على 1160 كتابا فقط، منها 400 كتاب باللغة اليونانية لغة العلم في ذلك الوقت.

على إن الاهتمام الكبير الذي أبداه الأحبار الرومانيون بالمكتبة هذه جعل منها اليوم أسطورة تحتوي على اكثر من مليوني كتاب وسلسلة مطبوعات، و75 ألف مخطوطة سريانية وأثيوبية، عبرية وفارسية، عربية ويونانية ولاتينية، يصل بعضها في القدم إلى القرن الثاني الميلادي، ناهيك عن 65 ألف مجلد و8 آلاف معجم، و23 وحدة أرشيف، و100 ألف خريطة ورسم وحفرية، و330 ألف عملة معدنية ووسام يوناني وروماني وبابوي، ويدخلها كل عام نحو ستة آلاف مجلد ، ويخدمها نحو 80 ألف موظف موزعين على خمسة أقسام.

تضم مكتبة الفاتيكان الرسولية مخطوطات لعلماء من العالم العربي كالرازي، وابن سينا، وابن ر شد، والغزالي، وابن الهيثم، والفارابي، ويدين العالم العربي لمكتبة الفاتيكان بالحفاظ على تلك المخطوطات إذ  لولا حفظها هناك، لربما كانت قد ضاعت أو تلفت، وفي عصر النهضة الأوروبية ترجمت مخطوطات عربية طبية عديدة إلى اللاتينية.

هنا يأتي "الأرشيف السري" كجزء من هذه المكتبة، غير أنه حتى سنوات قليلة لم يكن مسموحا للباحثين أو الكتّاب والصحفيين الاقتراب منه، وقد بدأ تجميع مواده بصورة رسمية في زمن البابا "بولس الخامس" (1552-1621) والذي قام في القرن السابع عشر بجمع الوثائق التي تستحق الأرشفة من المكتبة الكبرى وكان عددها يقارب ثلاثة آلاف وثيقة ومن أهمها القرارات الرسمية البابوية واللوائح الهامة، وقد أمر بتخزينها في الأرشيف.

حتى العام 1798 كانت الوثائق الأكثر أهمية في تاريخ السلطة البابوية يتم الاحتفاظ بها في "برج الملائكة" ذلك الضريح الذي أنشاه القيصر الروماني "هادريان" على الجانب الأيمن من نهر "التيبر" خوفا من أن تقع في أيدي أعداء البابوات.

أرشيف سري أم أرشيف رسولي؟

كان عام 1810 عاما فاصلا في تاريخ أرشيف الفاتيكان السري، فقد أمر نابليون بنقله إلى باريس إلا أنه عاد لاحقا إلى روما مع نقص شديد وربما نسخ لحماية الأصل، وفي كل الأحوال ظلت وثائق الأرشيف السري شاهدة على القررات المصيرية التي أصدرها الأحبار الكبار على مدى أكثر من أربعمائة عام وتقع في 52 ميل من اللفافات وحوالي 35 ألف وثيقة ومخطوط، ويقع مركز الأرشيف بالقرب من مكتبة الفاتيكان، وقد كان قسما منها حتى القرن السابع عشر قبل أن يتم فصله.

غير أنه في اكتوبر (تشرين الأول) 2019 أصدر البابا فرنسيس إرادة رسولية قرر بموجبها أن يغيّر اسم الأرشيف السري الفاتيكاني إلى الأرشيف الرسولي الفاتيكاني.

قرار فرنسيس جاء انطلاقا من أن هذا الارشيف والذي وضع في خدمة الكرسي الرسولي منذ أربعمائة عام، والذي يحتوي على كنز من الوثائق البالغة الأهمية بالنسبة للكنيسة وللثقافة الكونية، يتعرض لسوء في الفهم من جراء استخدام لفظ سري، وقد كان القصد لدى إنشاء هذا الأرشيف عام 1612 أن يكون خاصا بالبابا وحسب.

تاريخ الأرشيف يبين لنا أن البابوات وكل العلماء والباحثين قد اعتمدوا التسمية نفسها على مدى الأربعة قرون الماضية مستخدمين لفظة Secretum اللاتينية.

حمل تعبير سري صبغة سلبية في بعض الأحيان، وولد سوء فهم والتباسات، وغموضا لدى الكثيرين، وفتح الأبواب واسعة أمام أنصار نظرية المؤامرة، ومع مرور الزمن ضاع تدريجيا المعنى الحقيقي لهذه العبارة التي لم تعد تعني خصوصي أو "خاص بالبابا".

هنا يمكن القطع بان التسمية الجديدة أي الأرشيف الرسولي الفاتيكاني تسلط الضوء على الرباط الوثيق القائم بين الكرسي الرسولي وهذا الارشيف الذي يشكل أداة لاغنى عنها بالنسبة للخدمة البابوية، وفي الوقت نفسه يدل على كون هذا الأرشيف متصل مباشرة بالبابا تماما كما هي الحال بالنسبة للمكتبة الرسولية.

هل هذه أول مرة يفتح فيها الأرشيف السري أو الرسولي للفاتيكان؟ الشاهد أنه جرت عملية فتح باب هذا الأرشيف أمام العلماء والباحثين في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر مرة واحدة، وذلك في عام 1881 في عهد البابا لاون الثالث عشر، ومنذ ذلك التاريخ أصبح الأرشيف بمثابة "مركز للبحوث التاريخية"، وقد كتب عنه الفيلسوف وعالم الرياضيات الألماني الشهير 

GOTTFRIED WILHELM ROM LEIBNIZ فلماذا إذن هناك اهتمام عالمي غير مسبوق بفتح هذا الأرشيف مرة جديدة هذه الأيام؟

طقوس البحث والمخطوطات النادرة

قبل الجواب عن السؤال المتقدم، ربما ينبغي علينا الإشارة إلى أنه في العام 1998 تم فتح غالبية أوراق الأرشيف أمام الباحثين فيما عدا تلك المتعلقة بالبابا بيوس الثاني عشر. وهناك قول شهير ومعروف في روما وهو إن: "الدخول إلى الأرشيف السري للفاتيكان يحتاج إلى أن يكون لك قديس في السماء كواسطة على الأرض كي يسهل لك مهمتك".

لكي تدلف إلى مبنى "الأرشيف الرسولي" عليك أن تمر عبر بوابة "سانت آن"، المحمية من قبل الحرس البابوي وتسير عبر الممر الهندسي الرائع المعروف باسم 

CORTILE DEL BELVEDERE

والذي يعد رائعة من روائع عصر النهضة الأوروربية في القرن السادس عشر الميلادي. والدخول إلى الأرشيف يحتاج الحصول على تصريح يتطلب تجديده كل ستة أشهر، علما بأن الصحفيين والطلاب والباحثين الهواة غير مرحب بهم.

بعد دخول الشخص يمنع عليه التصفح، بل يطلب وثائق محددة مستخدما كتالوجات ضخمة بعضها مكتوب بخط اليد باللغة اللاتينية أو الإيطالية، ويسمح له بطلب ثلاثة مجلدات في اليوم ليس أكثر، وإذا أدرك أن ما يبحث عنه غير متواجد في الملفات التي طلبها ولو بعد دقائق، فلا يستطيع فعل أي شيء ويضطر للعودة في اليوم التالي، ما يشكل تحديا للباحثين الذين يلتزمون بمواعيد محددة أو الذين يسيرون لمدة طويلة كما يمنع إدخال الهواتف المحمولة، ويسمح فقط بإدخال أجهزة الكمبيوتر الشخصية المحمولة.

السؤال هنا: لماذا هذا التشدد من قبل الكرسي الرسولي في التعامل مع محتويات هذا الأرشيف؟

المؤكد أن ندرة ما فيه من وثائق ومخطوطات وكتب ومجلدات تجعل منه كنزا ثمينا بالفعل، ومثال ذلك وثائق معينة حددت توجهات أوروبا عبر التاريخ، ومن عينة ذلك وثائق طلاق الملك الإنجليزي هنري الثامن من زوجته كاترينه الأرجوانية، وردود الرفض البابوي التي أدت إلى انفصال إنجلترا عن الكنيسة الرومانية الكاثولكية.

هذه الوثيقة التي غيرت من طبيعة إنجلترا الدينية ودفعت بهنري الثامن للانشقاق عن البابوية كي يتمكن من الانفصال عن كاترين ويتزوج من ماري بولين لتنجب له ابنا ذكرا يرثه والمعروفه باسم الأمر الملكي

COUSA ANGELICA محفوظة منذ 500 سنة، وقد نجح أحد الناشرين الإيطاليين في البندقية بعمل نسخة طبق الأصل منها.

 

أوجنيو باتشيلي أو بيوس 12... كلمة السر

عودة للجواب عن السؤال المتقدم، لماذا تحظى عملية فتح الأرشيف السري الخاص بحبرية البابا بيوس الثاني عشر كل هذا الاهتمام وربما الضجيج حول العالم؟

بداية ينبغي الإشارة إلى هوية بيوس الثاني عشر أو أوجينيو باتشيلي المولود في مدينة روما في 2 مارس (آذار) عام 1876، ما يعني أن اختيار موعد فتح الأرشيف الخاص به أمر مقصود وليس مصادفة قدرية.

سيم باتشيللي كاهنا في عمر الثالثة والعشرين، وأصبح أستاذا للحق القانوني، ولاحقا أستاذا للدبلوماسية ومعاونا لأمين سر الدولة البابوية.

كانت الأقدار غالبا تعد باتشيللي لقصة طويلة مع ألمانيا، فقد أرسله البابا بندكتوس الخامس عشر (1914 -1922) إلى مدينة موينخ الألمانية كقاصد رسولي، ثم تاليا القيام بنفس المهمة أي مندوب عن البابا هناك في برلين، وقد استمر هناك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

في العام 1929 عينه البابا بيوس الحادي عشر كاردينالا وأمين سر لدولة الفاتيكان أي رئيسا لوزراء الكوريا الرومانية أي حكومة الحبر الأعظم.

انتخب باتشيللي في 2 مارس (آذار) من العام 1939 (لاحظ الموعد) في يوم عيد ميلاده الثالث والستين حبرا أعظم وبابا للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وقد كان مطلعا تماما على الأوضاع الدولية عطفا على المشاكل التي تعني الأمم ومستقبل البشرية إزاء التبدلات التي شهدها السيناريو الدولي في تلك الحقبة.

خلال حبرية باتشيللي التي دامت قرابة العقدين تميز بيوس الثاني عشر بالصلاة، كما كان رجلا صارما مع نفسه ومع الآخرين، وركز اهتمامه على المسؤوليات والمواظبة على العمل.

خلال حبرية باتشيللي لاسيما السنوات الأخيرة بدات مرحلة نهاية الاستعمار في العديد من البلدان الآسيوية والإفريقية، ومن هذا المنطلق شدد هذا البابا على أهمية حقوق الشعوب في الاستقلال، وقد شكل هذا الأمر محور العديد من الرسائل الإذاعية لمناسبة عيد الميلاد، وقد أصدر رسالتين عامتين تناول فيهما تنظيم الهرمية الكنسية مع التأكيد على النشاط الإرسالي للكنيسة بشكل يساعد الجماعات المسيحية الفتية على مواجهة التحديات والصعوبات التي تعترضها.

خلال الحرب العالمية الثانية توجه بيوس "باتشيللي" الثاني عشر عبر خطاباته ورسائله الإذاعية إلى جميع الأشخاص، وعرض العقيدة الاجتماعية للكنيسة الكاثوليكية في ضوء العديد من القضايا والمشاكل التي كانت قائمة في تلك الحقبة.

عاش بيوس الثاني عشر في مرحلة تمكنت فيها الإذاعة والسينما من بلوغ شريحة كبيرة من الناس، وبفضل هاتين الوسيلتين تمكن العالم عامة والكاثوليك خاصة من التعرف عن كثب على البابا، وهو أمر لم يكن ممكنا في السابق، وأثناء الحرب العالمية الثانية استطاع بيوس الثاني عشر مخاطبة الناس بشكل مباشر، خلافا للبابا بندكتوس السادس عشر، والذي كان يوجه رسائل خطية خلال الحرب العالمية الأولى، وقد عرف عن بيوس التزامه في تعزيز الحوار بين الإيمان والعلم.

 

بيوس واتهامات بشأن يهود أوربا

 لا تحمل السطور السابقة  حتى الآن أي ملامح لنقاط خلافية جوهرية من حول الرجل، ما يجعل أرشيفه مثار حديث وصخب بالغين.

 لكن وراء الأكمة ما وراءها، وهو ما يبدو أن الفاتيكان يود إغلاق أبواب الحديث عنه مرة وإلى الأبد، لا سيما الكلام المتعلق بموقف الفاتيكان والبابا بيوس من المحرقة ومن التعاطي النازي مع يهود أوروبا بنوع خاص.

لم يجئ قرار فتح أرشيف هذا البابا من عند فرنسيس بل بدا المشهد برغبة من البابا بندكتوس السادس عشر الألماني الجنسية والذي وجه مسؤولي وموظفي الأرشيف السري، وأيضا الارشيف التاريخي للكرسي الرسولي ودولة حاضرة الفاتيكان منذ العام 2006 وحتى 2 مارس 2019 للقيام بمشروع جرد وتحضير الوثائق الكثيرة الصادرة خلال حبرية بيوس الثاني عشر، والتي تم تمكين كل من البابا بولس السادس والبابا يوحنا بولس الثاني من الاطلاع على جزء منها.

في  الثامن من مايو (أيار) 2007 كان مجمع الكرادلة في حاضرة الفاتيكان يبحث في تاريخ وحياة البابا بيوس الثاني عشر من أجل إسباغ القداسة عليه، وكان هذا الأمر يتطلب دراسة ستة مجلدات تضم أكثر من ثلاثة آلاف صفحة عن حياة الحبر الأعظم السابق والتحديات التي عاشها وعبر فوق آلامها.

عرف بيوس الثاني عشر بأنه صاحب مواقف مضادة للنازية حتى قبل أن يرتقي السدة البطرسية، فحين شغل منصب وزير خارجية الفاتيكان استقبل بفتور شديد وزير خارجية هتلر كما شجب ضم المانيا للنمسا عام 1939 الأمر الذي أدى إلى عدم ارتياح ألمانيا لاختياره بابا في نفس السنة.

ولعل القارئ المحقق والمدقق لخطب بيوس الثاني عشر وأحاديثه يلحظ أنه كان بابا ضد النزعات القومية العنصرية تلك التي كانت السبب الرئيسي والمباشر للحرب.

في الذكرى الخمسين لوفاته 2013 كتب البابا يندكتوس السادس عشر يقول "لابد أن نفكر جيدا في الأوقات الصعبة التي عاشها بيوس الثاني عشر، خلال فترة حبريته كانت كلمة الله نور لدربه والمسيرة التي قام بها باتشيللي عبر تعزية الحزانى والمضطهدين، ومسح دموع الألم والبكاء على ضحايا الحرب، كانت مسيرة على درب السيد المسيح رسول السلام والمحبة على أرض السلام".

غير أن توجه الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لإضفاء صفة القداسة على بيوس الثاني عشر دفع اصواتا يهودية حول العالم للاعتراض، فعل سبيل المثال حث أبراهام فوكسمان رئيس الرابطة الوطنية الأميركية لمكافحة التشهير، البابا بندكتوس السادس عشر إلى تعليق ذلك الإجراء انطلاقا من قناعه مفادها أن الرجل لم يقم بما يجب القيام به في مواجهة النازية، وصمت أمام المحرقة وقصر في بسط حمايته على يهود أوروبا بصفة عامة وإيطاليا بنوع خاص.

في الوقت نفسه كان صوت حاخام حيفا الأكبر "شانر يتشوف كوهين" يتصاعد منددا بأن بيوس الثاني عشر لم يرفع صوته للزود عن اليهود وتخليصهم من المحرقة.

هنا يعن لنا التساؤل مخلصين البحث عن الجواب: هل كان بيوس الثاني عشر حليفا لهتلر بصورة أو بأخرى؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

هتلر وخطف البابا وقتله

في مؤلفه الشيق "الكيان... خمسة قرون من جاسوسية الفاتيكان السرية" لمؤلفه الإسباني "إريك فراتيني" نقرأ كيف أن شهوة قلب هتلر كانت تتضمن خطط الاستيلاء على الفاتيكان وإلقاء القبض على الحبر الأعظم.

 كان هتلر في واقع الأمر واقعا بين المطرقة والسندان، فمن جهة مارس عليه وزير الدعاية في الرايخ الثالث جوزيف غوبلز ضغوطا كي يصرف النظر عن هذه الفكرة، مؤكدا له أن اجتياح الفاتيكان سوف يكون له أثر مدمر في الرأي العام العالمي.

ومن ناحية أخرى بدا وزير خارجية هتلر المدعو "يواكيم فون رينتروبط ناصحا لهتلر للاستفادة من فرصة التخلص من البابا لأنه يشكل مصدر إزعاج.

ويبدو أن هتلر استمع إلى نصائح غوبلز فيما حاول إسكات صوت إذاعة الفاتيكان، ففي الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 1943 حلقت طائرة على علو منخفض فوق الفاتيكان وألقت خمس قنابل انفجرت اربع منها، فيما لم تنفجر الخامسة وسبب القصف أضرارا مادية، ولاحقا تبين أن قائد الطائرة طيار فاشي معجب بهتلر وعلى علاقة باستخباراته، أقدم على فعلته هذه في محاولة منه لإلغاء الرسائل التي كانت تبثها إذاعة الفاتيكان والموجهة إلى أسرى الحرب العالمية الثانية.

نهار الأحد التالي للغارة أطل بيوس الثاني عشر على ساحة القديس بطرس وتحدث عما حصل مشيرا إلى فتح تحقيق في الحادث بالتعاون مع السلطات الإيطالية، وتاليا فضل باتشيللي أن يتم التكتم عن الحدث لأن إيطاليا كانت وما تزال طرفا في الحرب ولهذا السبب طلب من الصحف الإيطالية ألا تغطي الحدث.

لم يكن بيوس الثاني عشر صديقا لنظام النازي، لاسيما وأن هناك وثائق مؤكدة تثبت أن البابا الإيطالي الأصل عمل جاهدا على إنقاذ يهود أوروبا.

 

مسرحية النائب وسمعة البابا

المثير في قصة البابا بيوس الثاني عشر أنه كان يحظى بقدر عظيم من الاحترام في جميع الأوساط الاوروبية وبما فيها من يهود اوروبا.

كان الجميع يعرف كيف يسرت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في حبريته استخراج شهادات معمودية غير حقيقية ليهود أوروبيين لينقذ أرواحهم، فقد كان الكاثوليك في مأمن من بطش هتلر، كما وزع التأشيرات على اليهود من أجل مساعدتهم على الدخول إلى بلدان أخرى، ولم ينس أن يعطي تعليمات للأديرة الكاثوليكية في أوروبا كي تفتح أبوابها امام يهود أوروبا لتخبئتهم، غير أن مسرحية حملت اسم "النائب" لمؤلفها "رالف هوكوث"، شكلت نقطة انطلاق محمومة للنيل من سمعة بيوس الثاني عشر.

على إن هناك شهادات لمورخين يهود أميركيين تساند وجهة نظر الفاتيكان حول حقيقة موقف بيوس الثاني عشر، ففي السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 أعلن المؤرخ الأميركي الجنسية اليهودي الديانة "غاري كروب"، أنه عثر على رسالة امرأة يهودية أكدت أن عائلتها أنقذت من الموت المحتم خلال الحرب العالمية الثانية بفضل بيوس الثاني عشر.

تقول السيدة اليهودية والتي كانت تقيم في شمال إيطاليا إنها التقت البابا بيوس الثاني عشر في العام 1947 مع أمها وأقرباء لها وتم اللقاء بحضور المطران جيوفاني مونتيني الذي أصبح لاحقا البابا بولس السادس (1963 -1978)، وتقول أنها سمعت عمها يقول للبابا "أنقذتنا من الموت ورأيتك بزي راهب فرنسيسكاني" (الرداء البني والحبل الأبيض ذي الثلاثة عقد)، ثم نظر إلى مونتيني الواقف إلى جانب البابا وقال له: "وأنت كنت ترتدي زي كاهن، وتمكنت من إخراجي من الغيتو اليهودي في روما، واصطحبتي إلى الفاتيكان، ما دعا مونتيني لأن ينبه عليه ألا يكرر ما قاله.

 

ما الذي يتبقى قبل الانصراف ؟

 مؤكد التساؤل الجوهري :"هل سيجئ فتح ارشيف بيوس الثاني عشر  لينهي هذه  الاتهامات او يؤكدها   ؟

 المؤرخ الامريكي " غاري كروب "، يقر بالقول :" انا يهودي ، تربينا  على كراهية اسم بيوس الثاني عشر ، كنا مقتنعين  بانه معاد للسامية  ، وبانه عميل للنازية ،  كما كنا نصدق  كل ما قيل عنه" .

 ويتابع  :" عندما بدات اطلع  على الوثائق العائدة لتلك الحقبة  اصبت بصدمة ، ثم تحولت  الصدمة  إلى غضب شديد ، اذ عرفت  انني كنت  ضحية للكثير من الاكاذيب ".

وفي كل الاحوال نحن امام خطوة جرئية من الفاتيكان لكشف الحقائق ، فالحق احق ان يتبع  في الماضي والحاضر والمستقبل .