Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مجلة الجهاد"... بساط الريح الذي حمل المجاهدين العرب إلى أفغانستان

كيف نجح عبدالله عزام في تسويق الحرب الأفغانية على العرب؟

كانت مجلة الجهاد التي لقيت رواجاً كبيراً في القرن الماضي نافذة العرب على الجهاد الأفغاني (غيتي)

يعيد الحديث عن حركة "طالبان" الأفغانية وأشواط المفاوضات الأخيرة التي تعقدها مع الأميركيين، صورة الجهاد الأفغاني إلى الواجهة من جديد، على الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على اندلاعها، كيف لا وقد شهدت كهوف تورا بورا وصولات المجاهدين المعاصرين ولادة عقيدة تنظيم يُعتبر أحد رواد العنف المعاصر المتدثر بالدين الإسلامي، إذ يتعامل المؤرخون مع حقبة الجهاد الأفغاني بعد اجتياح الاتحاد السوفايتي لأفغانستان عام 1979، على أنها مرحلة مهمة ومحورية في التأسيس للعنف الإسلامي المعاصر، ونقطة بداية لمرحلة التي أطلقت عليها الحركات والجماعات الإسلامية تسمية الجهاد العالمي، والتي ظلت طيلة قرنٍ ونيف تقدم نفسها على أنها حركة معارضة في الدول التي تنشط فيها.

 نجحت الدعاية الجهادية في حينه بالوصول إلى أصقاع العالم الإسلامي وتجمعات المسلمين في دول الشرق والغرب، وعلى الرغم من أن العامل السياسي لعب دوراً مهماً في نفوذ هذه الدعاية، كون الحركات الجهادية المتطرفة أثبتت قدرتها على تفكيك الأفكار الاشتراكية والشيوعية، فقدمت نفسها كحل لمواجهة الاختراق الماركسي، إلاّ أنّ أمراً آخر لعب دوراً مهماً في بلوغ الحركة الجهادية ما بلغته، وهو الآلة الدعائية التي اعتلى مصوروها قمم تورا بورا، وجال مدونوها في مزارع بيشاور، ووقف مراسلوها على خط النار في غورباتشي وجلال آباد وباري وبلخ ونيازي وغيرها من خطوط المواجهة في جبهات ما يسمى "الحرب المقدسة"، لينقلوا ما كان يحدث على الأرض إلى المسلمين في أنحاء العالم.

كانت على رأس آلة الحرب الإعلامية يومها مجلة "الجهاد"، التي أسسها رائد الجهاد الأفغاني وأحد مؤسسي العنف المسلح المعاصر الذي يحمل عنوان الاسلام عبدالله عزام، لتكون المنبر الذي ينقل وقائع حرب البشتون إلى الضفة الأخرى من المياه الدافئة للناطقين بالعربية.

كانت المجلة تلقى رواجاً كبيراً في العالم العربي ولدى تجمعات العرب في الدول الغربية أيضاً، وكان عبدالله عزام يرأس تحريرها شخصياً ويكتب افتتاحية كل عدد منها، فيدعو إلى الجهاد تارة، ويربّت على كتف ذوي القتلى تارة أخرى، وينادي الإعلام العربي لمشاركته في حملة الترويج لفضائل "الجهاد" هناك، إذ كتب في إحدى الافتتاحيات مخاطباً الإعلاميين المسلمين تحت عنوان "إلى الصحافي المسلم"، يحكي قصة إعلامي فرنسي مسيحي يُدعى كريستيان روبن التقاه في إحدى جولاته في جبهات القتال، قاده إيمانه بالقضية الأفغانية لتغطيتها "لقد كنتُ أقارن بين هذا الصحافي وبين الصحافيين المسلمين والعرب وحتى الباكستانيين الذين يعيشون على حدود الجهاد، وشظايا القذائف تصل قراهم أحياناً، مع ذلك فهم لا ينقلون إلاّ ما يترجمونه عن النيوزويك والتايمز واللوموند وكريستان مورو، ولا يطمع أحد إلى الوصول إلى أفغانستان، هرباً بالنفوس من الحياة (الجهاد)". كان عزام من وراء ذلك يرغب في وصول أصداء الحرب التي يخوضها إلى أكبر شريحة عربية ممكنة لرفع دائرة الاستقطاب.

 

وإن كان الصحافي العربي لم يقم بذاك الواجب كما يفعل كريستيان، على حد قول عزام، إلاّ أنّ مجلته قد نجحت في ذلك، فدائرة الانتشار التي حققتها في العالم العربي جعلت منها جسراً حمل الرجال والتبرعات من العالم العربي إلى كهوف وجبال أفغانستان الوعرة، فما هي الطريقة التي انتهجتها المجلة للترويج للجهاد الأفغاني لدى الشباب العربي؟

العربي المنتظر
لأن المستهدف من هذه المجلة هم العرب، فقد أفردت مساحات كبيرة لهم سواءً بالنداء أو التبجيل، تدغدغ مشاعر القارئ العربي، موهمةً إياه بأن كل شيء ينتظر مجيئه، "وكل مَن في ميدان القتال يترقبون العربي المنتظر، حفيد الصحابة الفاتحين وحامل بركة الحرمين الشريفين"، إذ خصص العدد السابع من عام 1985 خمس صفحات، تصف مشاعر المجاهدين الأفغان وقادتهم وهم يقفون على سلم الطائرة في بيشاور بانتظار أي عربي ليباركوا قدومه.

وقالت في إحدى فقراتها على لسان كبار أمراء الحرب الأفغان مخاطبة العرب الوافدين "نحن لا نملك شيئاً نقدمه لكم عنواناً لفرحتنا واحتفاءً بقدومكم، لو جاز لنا أن نذبح أولادنا تحيةً لكم، لذبحناهم".


إلاّ أنّ الواقع مختلف تماماً عمّا تصفه دورية عزام، فبحسب ما نشرته كتب مذكرات الجهاد الأفغاني، كانت مشاركة العرب محدودة جداً على صعيد العمليات لضعف إمكانياتهم القتالية، كما ورد في كتاب "سجل الأنصار العرب في أفغانستان" لمحمد باسل الذي وصف الدور الذي لعبه العرب هناك، قائلاً "كانوا فتياناً مدلّلين من الخليج الفارسي يأتون في رحلات قصيرة ويمكثون في حاويات شحن مكيفة جهّزها لهم بن لادن، ويحصلون على أسلحة أر بي جي وكلاشنيكوف، التي كانوا يطلقونها في الهواء ثم يعودون إلى بلادهم ويتفاخرون بمغامرتهم"، ويكذّب باسل رواية عزّام الذي وصف فيها مشاعر القادة الأفغان تجاه المجاهدين العرب، بحوارٍ دار بين القائد الأفغاني الشهير قلب الدين حكمتيار وعبدالله عزام "قال حكمتيار لعزام، لم يعد هناك داع لوجودكم هنا، لذا عودوا إلى حيثما كنتم" ويقصد بذلك المقاتلين العرب "سلّم العرب أسلحتهم لأحد القادة الأفغان واستقلوا الحافلات عائدين إلى بيشاور، وبدأوا يطلقون على أنفسهم لواء الحمقى".

المصادر المطلعة
يضفي الشكل المؤسساتي على الوسيلة الإعلامية مصداقية خاصة، إذ يعطي ذلك النوع من المجلات قبولاً وتصديقاً أكبر لدى القارئ، بخاصة عندما تقدم في مادتها أخباراً خاصة تنسبها لمصادر مطّلعة ترفع قيمة الخبر الذي تنشره، وهو ما كانت تنتهجه مجلة الجهاد في تغطيتها للحدث، إذ كانت المجلة تقدم أخباراً سياسية بعيدة من أرض الميدان في جزء من صفحاتها، كتصريحات خاصة وحصرية من أمراء الحرب لصالح المجلة، أو حوارات مع قيادات ومعتقلين سابقين في سجون حكومة كابول.


إضافةً إلى ذلك كانت "الجهاد" تقدم نفسها كمجلة ذات مصادر مطّلعة لدى أطراف الحرب كافة، كما في نقلها لخبر في كابول خارج مناطق سيطرة المجاهدين والتي تقع ضمن نفوذ الحكومة المناهضة لهم "حصلت الجهاد من مصادر عليمة على بعض أسماء حكومة كوردويز المحايدة التي اقترحها أثناء زيارته الأخيرة إلى المنطقة..."، ثم تفرد أسماء التشكيلة الوزارية المقترحة، وهو نموذج متكرر في الصفحة المخصصة للأخبار السياسية في معظم الطبعات.


وفي نموذجٍ آخر، تذكر المجلة في عددٍ من 1985، أي بعد 6 سنوات من المعارك المستمرة مع الاتحاد السوفياتي أن السنوات الست قد تسببت في نفاذ مخزون الذخائر الذي كانت موسكو تدخره منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يقدم المشهد على أنه يسير بشكل إيجابي لصالح المجاهدين، وفق مصادر المجلة التي لم تسمّها.


ومن الأشكال الأخرى لصياغة الأخبار الخاصة، التي لن تجدها إلاّ في "الجهاد" ما تنقله المجلة عن انهيار السوفيات أمام جنود الله على لسان جندي سوفياتي "أعلن أحد الجنود الروس الراجعين من الميدان، أننا عندما نسمع صرخة الله أكبر نبول على ثيابنا"، ويضيف في حديثه عن القيادة العسكرية الروسية "أرسلت الحكومة الروسية وفداً سرياً يرجو المجاهدين أن يخفّفوا ضرباتهم على الجنود المنسحبين"، مدّعياً أن المفاوض الروسي افتدى جنوده بقيادي شيوعي أفغاني.

 

تدمير قيمة الحياة
قد لا يكون جديداً أن تروّج الجماعات المتشددة للنموذج الزهدي التقشفي، إلاّ أنّ الترويج لهذا النموذج كان سائداً في نسخ المجلة التي حصلت عليها "اندبندنت عربية"، ففي افتتاحية إحدى النسخ التي يستأثر عبدالله عزام بكتابتها، شنع فيه بالترف بوصفه من خوارم الرجولة.


 ويفسر الباحث الشرعي عبدالله العلويط ذلك بأنه "بيئة الحرب طاردة للترف، لذا وجب تبرير حالة التقشف والصلف بربطها بقيم أخلاقية، إضافةً إلى نتائج تحريم المباحات والتشدد في الخلافيات في تقليل التعلق بالحياة والإقبال على الموت"، ويضيف "المتعين في فكر الجماعات الإسلامية والجهادية يجد أن التنعم خصلة ذميمة لديها، فتروّج للزهد والتقشف لغاية التخفيف من أغراض الدنيا وأغراضها الزائلة طلباً لما عند الله، وهو الخير والأبقى، وهنا يكون الجهاد وتجهيز الغزي أقرب القربات إلى الله تعالى"، مما يجعل معتنق هذا الفكر والمؤمن به يتنازل عن كل أمواله وماله من أغراض الدنيا.

في حين يملك خالد العضاض، الباحث في الجماعات المتطرفة تفسيراً آخر "الحياة الرغيدة هي أكبر المعيقات والمصدات عن الجهاد والارتباط بتلك الجماعات، كون هذه الجماعات غير قادرة على توفيرها، لذا تدعو إلى التخفيف منها وامتهان هذا النمط من الحياة لتبرير عدم توفرها في التجمعات الجهادية".

وكان هناك مستوى مختلف من الزهدية التي قدمتها دعاية المجلة، مستوى متعلق بالأطفال. ففي إحدى صفحات الأطفال، قصة قصيرة تدّعي بأن كاتبها طفل في العقد الأول يُدعى عبد الواحد الأفغاني بعنوان "نادم"، وهي قصة يبدي فيها عبد الواحد ندمه على تفضيله صفوف الدراسة على الانضمام إلى صفوف المجاهدين، بعدما أثبتت التجربة أنه لن يتمكن من الدفاع عن عائلته التي تقضي في قصف صاروخي، وذلك بسبب عدم مبادرته بالقتال لمنع وصول العدو إلى قريته، ولم تكن النموذج الوحيد الذي وظّف الأطفال في الدعاية المتطرفة، فالمجلة مليئة بها، بخاصة تلك التي تقدم أبناء المقاتلين الصرعى.

 

الكرامات
شاع في الخطاب الحربي لجماعات العنف المتدثرو بالدين الإسلامي إلى وقت قريب الترويج لكرامات المجاهدين، والكرامات هي قصص خيالية تسوّق لعلاقة خاصة بين المجاهد وربه كما يقول العلويط لـ"اندبندنت عربية"، "الغاية من الترويج لمثل هذه القصص هي ليُضفوا على أنفسهم صفة إيمانية تصل إلى أن يخرق الله العادة لأجلهم، وهو أسلوب دعائي معتاد لتقديس العملية الجهادية"، إذ تحكي المجلة على لسان ثلاثة مجاهدين وقعوا في كمين، أن الرسول مر عليهم بعد أن أخذهم النوم وطمأنهم وخاض المعركة بالنيابة عنهم حتى أجهز على 11 دبابة وتسع ناقلات وهم نيام ولم يطلقوا رصاصة واحدة.


وقصة أخرى تحكي كيف عاد "طير الأبابيل" بعد فيل أبرهه عن طريق أفغانستان، لكن ليقوموا بدور دفاعي هذه المرة عن طريق تقديم غطاء جوي للمجاهدين أثناء تقدمهم وحمايتهم من الغارات الروسية.


وأخرى عن مجاهد يواصل سيره من دون أن يشعر بألم لأيام على الرغم من كسرٍ في مشط القدم، بعد أن اخترقته رصاصة

 

الفن الجهادي
كان للجانب الأدبي نصيب من المجلة، إذ خُصصت الصفحات الأخيرة منها لنشر القصائد والتغني بالمجاهدين، إلاّ أنّ عدداً كبيراً منها كان يستهدف من "قعدوا" عن الجهاد، كما في قصيدة شعاع الدم التي وجهت كلماتها إلى المحبطين من إمكانية انتصار المجاهدين"

لن تقوى العين على المخرز.. لن يتحدى فردٌ ريحا
هذي الكلمات سئمناها... وعجائز قومي قالوها
بل صارت منهاجاً يتلى... لهروبٍ من وجه البربر... وفرارٌ لجهادٍ أكبر

وفي عددٍ آخر، حولت قصيدة "شعاع الدم" إلى ما يشبه النص المسرحي، بحوار بين السيف والغمد.


وأخرى موجهةٌ لأمهات المقاتلين، كما ورد في قصيدة "أم مجاهد"


وحضر أيضا فن الكاريكاتير الذي يصور صراعاً داخلياً بين الأحزاب الشيوعية التي كانت تحكم كابول باسم الروس "برشام وخلق".

 

ثم ماذا ؟
كانت الدعاية السابقة بكل أشكالها، تهدف إلى تحقيق غايتين: الأولى كسب أكبر عدد ممكن من المقاتلين العرب في صفوف الجماعات الجهادية، والغاية الثانية كانت الحصول على التبرعات التي كانت تنهال عليهم عن طريق مصادر عدّة من أعيان وحكومات ومجاهدين أثرياء، كما كان الحال مع أسامة بن لادن، وأيضاً المتبرعين الذين كانوا يرسلون تبرعاتهم عبر حساب بنكي لمتعهديها في دولهم، أو عن طريق حساب بنكي يتذيل الصفحة الأخيرة بعد أن يكون القارئ قد فرغ من تلقي رسائل المجلة، لحساب في مقاطعة تكسون بولاية أريزونا في الولايات المتحدة الأميركية.


دراسة هذه الإصدارات ليس أمراً عبثياً أو انتقامياً وإن بدت كذلك، بل هي ضرورة اجتماعية وتاريخية، فما تلى تلك المرحلة ليس كالذي سبقها، والأدبيات التي أسست لها لا تزال تسري إلى اليوم، من إحياء لقيمة الموت أمام قيمة الحياة والاستمتاع بها، والترويج للكرامات التي تخرق المنطق لصالح رجال استثنائيين يستحقون نتيجةً لذلك الثقة المطلقة، وتوظيف الأدب واستغلال الأطفال، وهو ما يعطي لما تبقّى من تلك المرحلة أهمية قصوى لتجاوز تركتها الثقافية والفكرية الثقيلة.