Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجامعة العربية والتجمعات الإقليمية: تنافس أم تكامل؟

ليست استثناء بدليل الاتحاد الأوروبي، والميثاق "البائد" والانقسام الواسع بين دول المنطقة معضلتان خطيرتان

بعد نحو 75 عاما على ذكرى تأسيسها في الثاني والعشرين من مارس (آذار) 1945، لا تزال الآراء تتباين حول فاعلية جامعة الدول العربية، وقدرتها على استصدار قرارات "حاسمة"، بشأن "تحديات غير مسبوقة" تواجه دولها الأعضاء، متراجعةً في ذلك عن دورها المنوط بها أمام أطراف ومنظمات إقليمية ودولية، باتت "أكثر فاعلية وقدرة" في التعاطي مع أزمات بعض دول المنطقة، وفق مراقبين.

وبين مَنْ يحمّل المسؤولية لكيان الجامعة ذاته وميثاقها الذي لم يطرأ عليه أي تعديل منذ تأسيسها، ومَنْ يُرجع الأمر إلى الدول الأعضاء أو ظهور تجمعات إقليمية أخرى منافسة لدورها، يتمسك آخرون بـ"أمل قدرتها على مواكبة التحديات وتجاوز ضعفها الراهن"، على اعتبار أن هذا الكيان، الذي يعد أحد أقدم وأعرق الكيانات الإقليمية والدولية من الناحية التاريخية، هو "بيت العرب الأخير الذي يمكن من خلاله مواجهة التدخلات الخارجية في دول المنطقة تلبيةً لطموحات وآمال لا تزال معقودة عليها"، بحسب ما تحدث مراقبون ومتخصصون لـ"اندبندنت عربية".

ويؤخذ على جامعة الدول العربية - التي تضم 22 دولة عضوة مترابطة جغرافيا ضمن "أمة واحدة"- "ضعفها وعجزها" أمام قضايا المنطقة، لا سيما في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها الأزمات في كل من سوريا وليبيا والسودان واليمن والصومال، فضلا عن تطورات الأحداث التي تشهدها الساحة الدولية.

لماذا تبدو الجامعة "واهنة"؟

من بين أسباب كثيرة، يقول السفير سيد قاسم المصري، مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومندوب القاهرة السابق في الجامعة "رغم قِدَم جامعة الدول من الناحية التاريخية كأحد أقدم التجمعات الدولية، فإن عمرها أمام إنجازها في ملفات وقضايا المنطقة يبقى محور الحديث، وذلك مقارنة بتجمعات أخرى تلتها في النشأة، لكنها كانت أكثر قدرة وفاعلية وإنجازاً".

وبحسب المصري، فإنه "في العلاقات الدولية تكون التجمعات أو المنظمات الدولية مرآةً لقوة أعضائها، وليست كياناً مستقلاً، بمعنى أنها تستمد قوتها من أعضائها ورغبتهم في تقوية المظلة الجامعة لهم على جميع مستويات التعاون، الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية والثقافية"، مستبعداً أن يكون ظهور تجمعات أخرى في المنطقة كـ"مجلس التعاون الخليجي" (تأسس عام 1981 ويضمّ في عضويته 6 دول مطلة على الخليج العربي) أو "الاتحاد المغاربي" (تأسس عام 1989 ويضمّ في عضويته 5 دول غرب المنطقة العربية)، سبباً في "ضعف ووهن الجامعة العربية".

ويتابع المصري "تكمن الإشكالية في فاعلية الجامعة العربية في سببين، أولهما رغبة الدول الأعضاء في تقوية دورها، والآخر في ميثاقها المنشئ لها وطريقة تصويت أعضائها، والذي لم يشهد تعديلا منذ وضعه رغم التطورات والأحداث التي شهدتها دول المنطقة على مرّ العقود السابقة".

 ووفقا لميثاق الجامعة العربية، تنصّ المادة السابعة منه والمعنية بطريقة التصويت، على أن ما يقرره مجلس الجامعة بالإجماع يكون ملزماً لجميع الدول المشتركة في الجامعة، أما ما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزماً لمن يقبله، وذلك بخلاف مفهوم الأغلبية البسيطة أو المطلقة الذي تتبناه أغلب المنظمات الدولية في طريقة التصويت وإلزام أعضائها به.

كما أنه وفقا للميثاق فإنه لا يُشترط الإجماع في كل الحالات المعروضة، لأن الإجماع غير مطلوب إلا عند اتخاذ التدابير اللازمة لدفع العدوان على إحدى دول الجامعة، أو عند اتخاذ قرار حول فصل أحد الأعضاء من الجامعة.

في الاتجاه ذاته، ومع نفي تأثير ظهور منظمات إقليمية على دور الجامعة العربية، يرى السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، أن "معضلة الجامعة العربية تبقى في الميثاق الذي تأسست بموجبه عام 1945 ولا يزال يحكم حركتها، وليس ظهور منظمات إقليمية أخرى كالتعاون الخليجي أو الاتحاد المغاربي".

 

 

تأثير وجود تجمعات أخرى

وفق السفير حليمة "يعد ظهور تجمعات أو منظمات إقليمية مفيداً وهاماً وفقاً لميثاق منظمة الأمم المتحدة في حل المشاكل الاقتصادية والسياسية والأمنية بين الدول الأعضاء، والسعي نحو تحقيق السلم والأمن الإقليمي من دون اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية"، معتبراً أن "الانقسامات الواسعة بين دول المنطقة هي من قوّضت دور الجامعة العربية، وهو الأمر ذاته الذي تشهده منظمتا التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي". وذلك في إشارة إلى مقاطعة قطر من قبل ثلاث دول خليجية (السعودية والإمارات والبحرين)، فضلا عن مصر منذ يونيو (حزيران) 2017 بالنسبة إلى مجلس التعاون الخليجي، فيما تثير "أزمة" الصحراء الغربية خلافا في الاتحاد المغاربي لا سيما بين المغرب والجزائر.

وتابع حليمة "في السنوات الأخيرة، تراجع أيضا دور الأمين العام للجامعة العربية في سعيه لتنقية الأجواء العربية- العربية وحل الخلافات فيما بينها"، وقال "الكثير من القضايا التي تمثل تحدياً للعمل العربي يخفت فيها دور الجامعة مقابل أدوار أخرى منافسة، كما هو الحال في أزمات الصومال وليبيا والسودان، فضلا عن الأزمة السورية واليمنية وغيرها".

وعلى مدار تاريخ الجامعة العربية، تعاقب على رئاسة أمانتها العامة 8 شخصيات، هم: عبد الرحمن عزام باشا (1945-1952)، وعبد الخالق حسونة (1952-1972)، ومحمود رياض (1972-1979)، والشاذلي القليبي (1979-1989)، وعصمت عبد المجيد (1990-2000)، وعمرو موسى (2001 – 2011)، ونبيل العربي (2011- 2016)، وأحمد أبو الغيط (منذ يوليو (تموز) 2016 حتى الآن).

بدوره، يقول الباحث المتخصص في الشؤون العربية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد جمعة "لا شك أن الاستقطاب الذي تشهده المنطقة العربية، وغياب الإجماع بين دولها، وانحياز بعض التجمعات لقضايا معينة، كلها أسباب تشكل تأثيراً على فاعلية ودور الجامعة"، داعياً إلى التفرقة بين "لغة الواقع والآمال والطموحات لدى البعض والتي تبقى مشروعة".

كما يعتبر السفير حليمة أن "الأصل في التجمعات الإقليمية أو الفرعية، ليس تقييد بعضها البعض، وإنما تهدف بالأساس إلى زيادة نشاط ودور المنظمة الجامعة ومظلتها وتوحيد رؤاها السياسية، وأن ذلك لا بد أن ينطبق على حالة مجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي بالنسبة إلى جامعة الدول العربية".

جدوى بقاء الجامعة العربية

وعلى الرغم من خفوت الدور المنوط أو المأمول لها، يتوافق مراقبون بشأن ضرورة بقاء الجامعة العربية، على اعتبار أنها "بيت العرب الأخير والمظلة الجامعة لقضاياهم".

وبحسب الباحث محمد جمعة، فإن "جامعة الدول العربية هي المظلة الوحيدة الباقية لحماية القضايا العربية الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية".

ويدلل جمعة على وجهة نظره، قائلاً "أغلب التجمعات الإقليمية والدولية تواجه تحديات غير مسبوقة، وإذا نظرنا للتكتل الأهم في العالم، بعد الأمم المتحدة، والمتمثل في الاتحاد الأوروبي، فنجد أنه يمر بأزمة ثقة بين دول أعضائه، فضلاً عن أن قدرته على مواجهة سياسات الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب، وموسكو برئاسة فلاديمير بوتين، تبقى محل تساؤل، فضلا عن خروج بريطانيا الأخير من الاتحاد وتداعياته السلبية على مستقبل التكتل الاقتصادي الأكبر في العالم".

ويضيف جمعة "في حالة الجامعة العربية، ورغم الوهن الذي باتت عليه، فإن أهمية بقائها تبقى قائمة، وهذا ما بدا في موقف الدول الأعضاء الأخير الرافض لخطة السلام الأميركية التي أعلنها ترمب"، مضيفا "في التعاطي مع خطة السلام الأميركية بدت مواقف أغلب الدول العربية خالية من الرفض الصريح لها، وبدا أن الدول الأعضاء بعدما فضّلت عدم الرفض العلني للخطة، لجأت إلى مظلة الجامعة لإصدار بيان جامع يؤكد على المواقف الثابتة لها برفض الخطة المطروحة"، معتبراً أنه "ليس من الصحيح قياس فاعلية الجامعة بالمقارنة بعقود سابقة".

وفي الأول من فبراير (شباط) الحالي، قرر المشاركون في الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية الخاص ببحث خطة السلام الأميركية رفض الخطة باعتبار أنها لا تلبي الحد الأدنى من حقوق وطموحات الشعب الفلسطيني، وتخالف مرجعيات عملية السلام المستندة إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

في الاتجاه ذاته، يقول السفير سيد المصري، إنه ورغم تراجع فاعلية الجامعة، فإن الدول الأعضاء كافة تحرص على بقائها لاعتبارين، الأول يتمثل في أنها تبقى الإطار الذي يمكن أن يمثل الأمل في حل المشكلات العربية في إطارها العربي مستقبلاً، فضلاً عن إدراك الدول الأعضاء أنه في حال زوال الجامعة لا يمكن استبدالها بكيان آخر في الوقت الراهن"، مستشهدا في ذلك بالانتقادات المستمرة التي تواجه المنظمات الدولية والإقليمية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، وحجم الخلافات بين دولها الأعضاء والتشكيك في "إلزامية قراراتها"، إلا أنها تبقى إطاراً جامعاً لدول العالم كافة لحل مشاكلهم.

المزيد من العالم العربي