سد النهضة... مصر: إثيوبيا تغيبت عمداً لإعاقة مسار مفاوضات واشنطن

قالت القاهرة إن ملكية أديس أبابا للمشروع لا تجيز لها مخالفة القانون الدولي والافتئات على مصالح الدول

دعت الولايات المتحدة إثيوبيا إلى التوقيع على الاتفاق في أقرب وقت ممكن (أ.ف.ب)

بعدما تغيبت إثيوبيا عن اجتماع الاتفاق النهائي بواشنطن الخاص بمفاوضات سد النهضة، الذي ترعاه الإدارة الأميركية، أصدرت أديس أبابا بياناً مشتركاً لوزارتي الخارجية والمياه الإثيوبيتين، رداً على بيان وزارة الخزانة الأميركية، وقالت إثيوبيا إنها "تابعت بخيبة أمل البيان الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية"، ومؤكدة أنها بصفتها مالك السد "ستبدأ الملء الأول بالتوازي مع بناء السد وفقاً لمبادئ الاستخدام المنصف والمعقول وعدم التسبب في ضرر كبير كما هو منصوص عليه في اتفاقية إعلان المبادئ".

وأضاف البيان، "إثيوبيا لا تقبل وصف المفاوضات حول المبادئ الإرشادية والقواعد الخاصة بالملء الأول والتشغيل السنوي بأنّها اكتملت"، مؤكدةً أيضاً أنه لا تزال هناك "قضايا عالقة"، ومختتمة "نحن ملتزمون بمواصلة انخراطنا مع مصر والسودان لمعالجة المسائل العالقة ووضع اللمسات الأخيرة على المبادئ التوجيهية والقواعد الخاصة بالملء الأول والتشغيل السنوي"، مشيرة إلى أنها "عالجت الأمور المتعلقة بسلامة السد من خلال فريق الخبراء الدولي بعلم وموافقة مصر والسودان".

من جانبها ورداً على البيان الإثيوبي، رفضت مصر ما ذكرته أديس أبابا بشأن جولة المفاوضات الأخيرة حول السد.

وقالت وزارتا الخارجية والموارد المائية والري المصريتان، "إثيوبيا تغيبت عمداً لإعاقة مسار المفاوضات، إذ إنه من المستغرب أن يتحدّث البيان الإثيوبي عن الحاجة إلى مزيد من الوقت، لتناول هذا الأمر الحيوي بعد ما يزيد على خمس سنوات من الانخراط الكامل في مفاوضات مكثفة تناولت كل أبعاد وتفاصيل هذه القضية".

وأضافت، "البيان الإثيوبي اشتمل على كثير من المغالطات، وتشويه الحقائق، بل والتنصّل الواضح من التزامات أديس أبابا بموجب قواعد القانون الدولي، وبالأخص أحكام اتفاق إعلان المبادئ لعام 2015".

وأكدت القاهرة رفضها التام لما ورد في البيان الإثيوبي من إشارة إلى اعتزام إثيوبيا المُضي في ملء خزان سد النهضة على التوازي مع الأعمال الإنشائية للسد، وليس ارتباطاً بالتوصّل إلى اتفاق يراعي مصالح دول المصب، ويضع القواعد الحاكمة لعمليتي ملء السد وتشغيله، بما لا يحدث أضراراً جسيمة لها.

وتابعت، "الاتفاق العادل والمتوازن الذى بلورته الولايات المتحدة والبنك الدولي جاء بمشاركة كاملة من قبل إثيوبيا وتضمن مواد وأحكاماً أبدت اتفاقها معها، وأن ما جرى بلورته في اجتماع واشنطن الأخير جاء نظراً لغياب إثيوبيا المتعمد، أخذاً في الاعتبار أن ملكية إثيوبيا لسد النهضة لا تجيز لها مخالفة قواعد القانون الدولي والالتزامات الإثيوبية باتفاق إعلان المبادئ أو الافتئات على حقوق ومصالح الدول التي تشاطرها نهر النيل".

ووقّعت مصر بالأحرف الأولى على الاتفاق المطروح من جانب الولايات المتحدة والبنك الدولي حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، وقالت القاهرة، إنها "تتطلع أن يحذو كل من السودان وإثيوبيا حذوها في الإعلان عن قبولهما بهذا الاتفاق، والإقدام على التوقيع عليه في أقرب وقت باعتباره اتفاقاً عادلاً ومتوازناً، ويحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث".

ورُغم مشاركة مصر والسودان في الاجتماع المُخصص لتوقيع الاتفاق، هدد انسحاب إثيوبيا من المفاوضات بانهيار "مسار واشنطن"، بل ووضع المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم مجدداً أمام طريق مسدود، رغم نجاحها في الوصول إلى مسودة للاتفاق النهائي حول هذا النزاع المستمر منذ سنوات.

ودعت الولايات المتحدة إثيوبيا إلى التوقيع على الاتفاق في "أقرب وقت ممكن" بعد الانتهاء من "المشاورات المحلية" التي تجريها، مؤكدة أنه لا يمكن البدء في "الاختبار النهائي وملء السد" من دون اتفاق، التزاماً بالنصوص الواردة باتفاق إعلان المبادئ، فضلاً عن الحاجة إلى تطبيق جميع تدابير السلامة والتشغيل الآمن للسد وفقاً للمعايير الدولية قبل بدء الملء.

واشنطن تؤكد استمرار دورها لحين الاتفاق
وقال بيان لوزارة الخزانة الأميركية، إن العمل المُنجز خلال الأشهر الأربعة الماضية "أسفر عن اتفاق يعالج جميع القضايا بطريقة متوازنة ومنصفة، مع مراعاة مصالح البلدان الثلاثة"، موضحة أن الولايات المتحدة "يسّرت إعداد اتفاق بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي بناءً على الأحكام التي اقترحتها الفرق القانونية والتقنية في مصر وإثيوبيا والسودان، وبمساهمة فنية من البنك الدولي".

وشارك وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشن، في اجتماعات ثنائية منفصلة مع وزيري الخارجية والموارد المائية لكل من مصر والسودان، وقالت الوزارة في بيانها "الولايات المتحدة تقدر استعداد الحكومة المصرية للتوقيع على الاتفاق وتوقيعها بالأحرف الأولى لإثبات التزامها. ونحن ندرك أيضاً أن إثيوبيا تواصل مشاوراتها الوطنية، ونتطلع إلى اختتام ذلك في أقرب وقت ممكن لتوقيع الاتفاق في القريب"، من دون الإشارة إلى الموقف السوداني.

وفي حين سبق أن أعلنت إثيوبيا استعدادها لملء السد خلال موسم الفيضان بداية من يوليو (تموز) المقبل، أكد البيان الأميركي أنه "تمشياً مع المبادئ المنصوص عليها في إعلان المبادئ، لا سيما عدم التسبب في ضرر جسيم لدولتي المصب، لا يجب إجراء الاختبار النهائي والملء من دون اتفاق".

وأشار البيان إلى قلق شعبي دولتي المصب في السودان ومصر بسبب العمل غير المكتمل للتشغيل الآمن للسد، والحاجة إلى تنفيذ جميع تدابير السلامة اللازمة للسدود وفقاً للمعايير الدولية قبل بدء الملء.

وأكدت الولايات المتحدة مجدداً التزامها بالبقاء على اتصال مع الدول الثلاث حتى توقيع الاتفاق النهائي، معتبرة أن توقيع الاتفاق بشأن سد النهضة سيكون نقطة تحوّل للمنطقة، ما يؤدي إلى تعاون مهم عابر الحدود، وتنمية إقليمية وتكامل اقتصادي، وتحسين في حياة أكثر من 250 مليون شخص في مصر وإثيوبيا والسودان.

مصر تدافع عن موقفها
وأكدت مصر أن مشاركتها في الاجتماع الذي دعت إليه الولايات المتحدة يومي الخميس والجمعة الماضيين، جاءت من أجل التوصل إلى "اتفاق نهائي حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة"، وتنفيذاً للالتزامات الواردة في اتفاق إعلان المبادئ المُبرم بين مصر والسودان وإثيوبيا في 23 مارس (آذار) 2015.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، "موقف القاهرة اتّسم خلال كل مراحل التفاوض المُضني على مدار الخمس سنوات الماضية، التي لم تؤت ثمارها، بحسن النية وتوفر الإرادة السياسية الصادقة في التوصل إلى اتفاق يُلبي مصالح الدول الثلاث"، معتبرة أنّ "الدور البناء الذي اضطلعت به الولايات المتحدة والبنك الدولي ورعايتهما جولات المفاوضات المكثفة التي أجريت على مدار الأشهر الأربعة الماضية، أسهم في بلورة الصيغة النهائية للاتفاق، التي تشمل قواعد محددة لملء وتشغيل سد النهضة، وإجراءات لمجابهة حالات الجفاف والجفاف الممتد والسنوات الشحيحة، وآلية للتنسيق، وآلية ملزمة لفض النزاعات، وتناول أمان سد النهضة والانتهاء من الدراسات البيئية".

وأعربت مصر مجدداً عن تقديرها للدور الذي تقوم به الإدارة الأميركية وحرصها على التوصل إلى اتفاق نهائي بين الدول الثلاث، موضحة أن كل أجهزة الدولة المصرية سوف تستمر في إيلاء هذا الموضوع الاهتمام البالغ الذي يستحقه في إطار اضطلاعها بمسؤولياتها الوطنية في الدفاع عن مصالح الشعب المصري ومقدراته ومستقبله بكل الوسائل المتاحة.

غاب الوفد الإثيوبي... وحضر المتظاهرون
وبالتزامن مع انطلاق الاجتماع في واشنطن يوم الخميس، تظاهر مئات الإثيوبيين المقيمين بالولايات المتحدة بالعاصمة الأميركية، متهمين واشنطن بـ"الانحياز إلى مصر في مفاوضات السد"، من خلال "ضغطها" على أديس أبابا لتوقيع الاتفاق.

وطالب المتظاهرون، خلال وقفتهم أمام وزارة الخارجية الأميركية، الحكومة الإثيوبية بـ"عدم التوقيع على الاتفاق، وإعلان مضمونه بشكل واضح"، كما اتهموا واشنطن والبنك الدولي بالتخلي عن دورهما كمراقبين محايدين، "ما جعل الوفد الإثيوبي في موقف تفاوضي ضعيف"، حسب بيان تلاه المشاركون.

ورفع المتظاهرون شعارات من بينها "احتكار مصر للنيل يجب أن ينتهي"، و"ترمب توقف عن الضغط على إثيوبيا لتوقع اتفاق استعماري"، و"إنه نيلنا"، و"100 مليون إثيوبي يستحقون نصيباً عادلاً من النيل"، و"الولايات المتحدة يجب أن تتوقف عن دعم اتفاق مصر الاستعماري"، و"يجب على الولايات المتحدة التوسط لا الإكراه"، حسب مقاطع مصوّرة للتظاهرة نشرها موقع "فويس أوف أميركا".

وقال هاني رسلان، رئيس وحدة بحوث السودان ودول حوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، "إنّ غياب إثيوبيا عن المفاوضات لا يستند إلى مبررات مقنعة، ويفتقد إلى المصداقية"، مؤكداً أنّ التصرف الإثيوبي وضع الأزمة برمتها في "مستوى مختلف" تماماً من التصعيد عما كان من قبل، مضيفاً "تحوّلنا من عملية تفاوضية متعثرة إلى رفض فكرة الاتفاق من الأساس، رغم الوصول إليه بعد جولات شاقة".

وتابع، "التعذر بالانتخابات كما أعلن الجانب الإثيوبي خلال الجولات التي قام بها مبعوث رئيس الوزراء الإثيوبي إلى كل من مصر والسودان أمر غير مبرر، لأن تعليق مفاوضات دولية بهذه المستوى على تطورات داخلية أمر غير مقبول، ويعكس رغبة شديدة في فرض الأمر الواقع، وموقفها الحالي بإيقاف المفاوضات ينتهك إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في 2015، ويتجاهل الدور الأميركي الذي وضع ثقله لإنجاح تلك المفاوضات، وصولاً إلى صياغة الاتفاق".

ومن جانبه، قال الناشط السوداني محمد عثمان عضو مجموعة "مخاطر السد الإثيوبي"، "إثيوبيا تريد فرض الأمر الواقع بتهربها من توقيع الاتفاق تحت رعاية البنك الدولي وأميركا، الذي يمكن أن يكون مدخلاً لمراجعة سعة السد، واستكمال ضمانات الأمان واشتراط الدراسات الفنية، والتأمين على المخاطر، وتعويض مزارعي الجروف (زراعة تعتمد على الفيضان وانحساره)، الذين اعترف وزير الري السوداني بأنهم سوف يفقدون 50 في المئة من الري بالفيضان، وتقديرات أخرى تقول 100 في المئة".

موقف السودان... ما زال محل تساؤل
السودان الذي أظهر استقلالية موقفه عن الموقف الإثيوبي خلال المفاوضات التي جرت برعاية أميركية، شارك في الاجتماعات التي عُقدت على مدار يومين، إذ حضر الوفد السوداني برئاسة أسماء محمد عبد الله وزيرة الخارجية، وعضوية ياسر عباس وزير الري مع الوفد الفني المرافق، إلى واشنطن، تلبية للدعوة المُقدمة من الجانب الأميركي، حسبما أعلنت وزارة الري السودانية في بيان.

والتقى الوفد السوداني، يوم الخميس، ستيفن منوشن وزير الخزانة الأميركي، إذ نقل إليه موقف السودان من محادثات هذه الجولة، مؤكداً ضرورة حضور الأطراف الثلاثة والتفاوض لأجل الوصول إلى اتفاقية شاملة بخصوص الملء الأول والتشغيل لسد النهضة الإثيوبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح البيان، أنه "من المُنتظر أن يتواصل التفاوض، خلال الأسابيع المقبلة، بعد التوافق على موعد جديد بين الدول الثلاث والمراقبين".

ويرى رسلان، أن مشاركة السودان مع اشتراطه حضور الدول الثلاث، لاتخاذ موقف من مسودة الاتفاق، "يعني ارتهانه للموقف الإثيوبي مجدداً من خلال إعلانه عدم إمكانية استمرار المفاوضات في غياب إثيوبيا بدلاً من مطالبتها بالمشاركة والالتزام بشكل واضح"، مشيراً إلى أن الخرطوم "لم توقع من قبل خلال العملية التفاوضية في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي على وثيقة الاتفاق التي أعدّها الجانب الأميركي، وتضمنت البنود المتفق عليها، رغم توقيع القاهرة من طرف واحد، إذ شملت تلك البنود جدول الملء، وخطة التعامل مع الجفاف في أثناء التشغيل والملء، كما أنها لم توقع على ما جرى الاتفاق عليه في منتصف فبراير (شباط)".

وقال الخبير القانوني السوداني المقيم في واشنطن حاتم أبو سن، في تصريح خاص، إنّ وفد التفاوض السوداني يتعامل مع قضية السد، كما لو أن السودان "طرف محايد في المفاوضات"، لكن في واقع الأمر فإنّ الخرطوم "هو المتضرر الأكبر من هذا الوضع".

وتابع أبو سن، "كان يجب منذ البداية أن يكون التنسيق كاملاً بين حكومتي السودان ومصر لحماية حقوقهما التاريخية في مياه النيل. والتعاون مع إثيوبيا بشرط اعترافها بالحقوق التاريخية للدولتين التي يحميها القانون الدولي، أو تصعيد الأمر قانونياً لأعلى المستويات من دون إضاعة أي زمن، وهذا الموقف الإثيوبي الجديد بانسحاب إثيوبيا الأحادي وإخطار السودان لاحقاً يمثل صفعة للمفاوض السوداني، ويجب أن يتحوّل إلى خطوة تصحيحية لاستعادة زمام المبادرة، وهو بالتأكيد فرصة للانسحاب ومراجعة الاتفاق كاملاً".

واتهم "عثمان" من وصفهم بـ"اللوبي الإثيوبي" الذي سيطر على إدارة ملف السد بالسودان، بدعم الموقف الإثيوبي، مضيفاً "المطلوب من المجلس السيادي سحب الملف من هذه المجموعة المشكوك في مواقفها، وتكليف لجنة وطنية تمثل فيها التخصصات السياسية والأمنية والعسكرية والفنية، من الوطنيين المشهود لهم بمواقف نضالية من سياسة النظام السابق، ولم يتورطوا في الفساد والاستبداد، لكن إلى ذلك الحين سيتحدث المفاوض بلسان القوميات الإثيوبية التي تصر على تشييد السد، لكي يكون سلاحاً استراتيجياً للسيطرة".

المزيد من متابعات