Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تريد إثيوبيا فرض سياسة الأمر الواقع بشأن سد النهضة؟

"تجدد مصر تقديرها للدور الأميركي للتوصل إلى اتفاق نهائي بين الدول الثلاث"

سد النهضة الإثيوبي الكبير يخضع لأعمال بناء (رويترز)

تزايدت التعقيدات بشأن سد النهضة إثر موقف إثيوبيا الأخير بغيابها عن حضور الجولة الأخيرة من مفاوضات سد النهضة التي كان مقرر لها يومي 27 و28 فبراير (شباط) 2020 في العاصمة الأميركية واشنطن، بمشاركة مصر والسودان، ما دفع القاهرة إلى التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق المبادئ التوجيهية وقواعد التشغيل السنوي للسد، وهو ما رفضته أديس أبابا، التي أعربت عن خيبة أملها من موقف أميركا وجهودها لحل النزاع المستمر منذ مدة طويلة بشأن هذا المشروع.

وأشار بيان مشترك لوزارتي الخارجية والري الإثيوبيتين السبت 29 فبراير إلى أن التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المعنية (مصر والسودان) قد يكون مسألة بعيدة المنال، مؤكداً أن إثيوبيا لا تقبل اعتبار المفاوضات مستكملة، كما نوه البيان إلى وجود مسائل عالقة من دون أن يفصح عن مزيد من التفاصيل.

وشدد البيان على أن أديس أبابا ستواصل عمليات بناء السد إلى جانب بدء عملية ملء البحيرة، موضحاً أن استكمالها أعمال بناء السد يتوافق مع التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ مع القاهرة والخرطوم. ولفت البيان أيضاً إلى التزام إثيوبيا بمواصلة التفاوض مع مصر والسودان لمعالجة المسائل العالقة ووضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق النهائي بشأن السد. وترى إثيوبيا أن السد ضروري من أجل تزويدها بالكهرباء وتنميتها، وتسعى إلى أن يبدأ السد بإنتاج الطاقة بحلول نهاية عام 2020. وهو ما تخشاه القاهرة بأن يؤثر السد في إمداداتها من النيل الذي يوفر 90 في المئة من المياه التي تحتاج إليها للشرب والري.

تساؤلات

لكن غياب إثيوبيا عن المفاوضات فجّر تساؤلات عدة فسرها البعض بأن إثيوبيا لا ترغب في التوقيع على الاتفاق النهائي الذي ترعاه الولايات المتحدة والبنك الدولي، وتريد فرض سياسة الأمر الواقع بعد اكتمال تشييد السد وملئه وفقاً لاستراتيجيتها المائية من دون النظر إلى شركائها الآخرين، وهو ما اعتبره مختصون في مجالي المياه والقانون انتهاكاً لإعلان المبادئ المتفق عليه، فضلاً عن أنه يكشف عن سوء نواياها في التعاطي مع هذا الملف، مؤكدين أن من حق مصر والسودان اللجوء إلى مجلس الأمن لحسم هذه القضية لما تمثله من تهديد للأمن والسلم العالميين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في حين أشار الناشط الإثيوبي زيميدنه نيجاتو في تغريده له إلى أنه على الرغم من الضغوط الأميركية على رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إلا أن الأخير رفض التوقيع على اتفاقية سد النهضة كونها لا تخدم مصالح إثيوبيا، مذكراً الأميركيين بأن هناك 112 مليون إثيوبي يتطلعون إلى حياة أفضل، ودفعوا جميعاً لبناء السد على النهر الذي ينبع من بلادهم.

احتقان جماهيري

وفي هذا الشأن، أشار الباحث السوداني في شؤون المياه أحمد المفتي إلى أن غياب إثيوبيا عن الجولة الأخيرة في مفاوضات سد النهضة يعطي مصر والسودان الحق في سحب توقيعها على إعلان مبادئ السد، لافتاً إلى أن تغيبها واستمرارها في تشييد السد يعتبر انتهاكاً، للمبدأ رقم خمسة من إعلان المبادئ الذي يلزم إثيوبيا بأن يكون استمرار تشييد السد بالتوازي مع استمرار المفاوضات. إضافة إلى المطالبة بأن يكون التفاوض على أساس المبادئ الـ 15 الواردة في المادة الثالثة من اتفاقية "عنتيبي"، والتي وافقت عليها جميع دول حوض النيل بما فيها إثيوبيا بشهادة 13 جهة دولية بما فيها أميركا والبنك الدولي والأمم المتحدة.

أضاف المفتي "من حق مصر والسودان اتخاذ خطوتين، هما الطلب فوراً من إثيوبيا ثم بوساطة أميركا والبنك الدولي إيقاف تشييد السد وإيقاف ملئه إلى حين عودتها إلى طاولة المفاوضات والتوقيع على الاتفاق النهائي، وفي حالة فشل تلك الخطوة، رفع الأمر رسمياً إلى مجلس الأمن على اعتبار أنه يهدد الأمن والسلم العالميين، فضلاً عن أنه يخلق حالة احتقان جماهيري داخل السودان ومصر، ما قد يدفعهما إلى اتخاذ خطوات تفاقم الوضع إلى ما لا تحمد عقباه"، موضحاً أن مصر والسودان ما عادا في ظل هذه المستجدات طرفين متفاوضين بل طرفان يستجديان المياه من إثيوبيا التي قد تعطيهما أو تمنعهما، ما يعني أن إثيوبيا سوف تعود إلى المفاوضات بعد اكتمال تشييد السد والشروع في ملئه.

إخطار مسبق

وتساءل المفتي لماذا لم يطالب السودان ومصر بوقف تشييد السد أثناء غياب إثيوبيا عن المفاوضات؟ يجيب "يفترض القانون الدولي ألا يبدأ تشييد أي سد إلا بعد إعطاء الدول المشاطئة إخطاراً مسبقاً، ولكن تخلت السودان ومصر عام 2011 عن ذلك الحق، وسمحا لإثيوبيا بالتشييد من دون إعطائهما إخطاراً مسبقاً، بل وباستمرار التشييد أثناء المفاوضات إذ ينص المبدأ رقم خمسة من إعلان مبادئ سد النهضة لسنة 2015 على أن تجرى المفاوضات بالتوازي مع عملية بناء السد"، متوقعاً ألا تعود إثيوبيا إلى المفاوضات إلا بعد اكتمال تشييد السد وهي في موقف يمكنها من فرض شروطها على مصر والسودان.

ولم يستبعد أن تكون حجة رئيس وزراء إثيوبيا الأسبق خلال زيارته إلى مصر والسودان أخيراً بأن سبب اعتذار إثيوبيا عن اجتماعات واشنطن النهائية بأنها لا ترغب في توقيع اتفاق لا تضمن إجازته من البرلمان، قد انطلت على السودان ومصر لأن سبب اعتذارها الحقيقي، بحسب اعتقاده، هو أن إثيوبيا لا ترغب في توقيع أي اتفاق، وأن كل الذي يهمها هو تكملة تشييد السد ثم التصرف في ملئه وتشغيله بإرادتها المنفردة، لأن ذلك هو الذي يحقق قناعتها بأن السد أمر سيادي. كما أن تخوفها من عدم إجازة برلمانها للاتفاق، لا قيمة له، لأن الإجازة ليست هي المطلب الوحيد من البرلمان الذي يمكنه الموافقة على الاتفاق بتحفظات، ما يعني أن حجة إثيوبيا في الاعتذار عن حضور الاجتماعات واهية، وأن السبب الحقيقي هو أنها لا ترغب في الدخول في أي التزامات مع مصر والسودان، وأن الاجتماعات منذ 2011 كانت لكسب الوقت فقط، إلى حين تشييد السد.

سوء النية

ويرى المحامي السوداني مهدي بخيت لـ "اندبندنت عربية"، أن تغيّب إثيوبيا عن الجولة الأخيرة يوضح أنها لا تريد المضي قدماً في سير المفاوضات والتوقيع على أي اتفاق حتى لا تكون مساءلة أو ملزمة أمام القانون الدولي، كما يفسر موقفها بأن لديها حسابات محددة أو تحفظات اكتشفتها أخيراً أثناء سير المفاوضات وتريد بلورة رأي داخلي حولها قبل التوقيع على أي افاق نهائي، مؤكداً أيضاً أن ما حدث من الجانب الإثيوبي يكشف أن هناك سوء نية في التعاطي مع هذا الملف، وهذا ما يرفضه القانون الدولي الذي يؤكد أهمية التعامل بمبدأ حسن النية في القضايا كافة خصوصاً المصيرية.

تعهد أميركي

وفي السياق ذاته، تعهدت الولايات المتحدة بالاستمرار في الانخراط بمفاوضات سد النهضة مع مصر وإثيوبيا والسودان، بينما أبدت القاهرة استياءها من أديس أبابا لتغيبها غير المبرر عن الاجتماع الأخير بشأن الأمر.

وقال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين إن الولايات المتحدة ستظل منخرطة مع الدول الثلاث، إلى أن توقع على اتفاق ينهي سنوات من الخلافات بشأن سد النهضة الإثيوبي، لكن الوزير الأميركي لم يقدم تفاصيل إضافية، وأضاف منوتشين إنه أجرى محادثات ثنائية منفصلة مع وزراء من مصر والسودان خلال اليومين الماضيين، بعدما طلبت إثيوبيا تأجيل ما كان من المفترض أن تكون الجولة الأخيرة من المحادثات، وأضاف "نتطلع إلى اختتام إثيوبيا مشاوراتها الداخلية، لإفساح المجال للتوقيع على الاتفاق في أقرب وقت ممكن".

وكان من المتوقع أن تبرم البلدان الثلاثة اتفاقاً بشأن ملء وتشغيل السد الذي تبلغ تكلفته أربعة مليارات دولار، في واشنطن هذا الأسبوع، لكن مصر فقط وقعت بالأحرف الأولى على الاتفاق.

استياء مصر

وكانت مصر أبدت استياءها من تغيب إثيوبيا عن المفاوضات في هذا الوقت الحساس، وأشار بيان أصدرته وزارة الخارجية المصرية في وقت سابق إلى أن مصر "تؤكد أن مشاركتها في الاجتماع الذي دعت إليه الولايات المتحدة يومي 27 و28 فبراير جاءت من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، وتنفيذاً للالتزامات الواردة في اتفاق إعلان المبادئ المبرم بين مصر والسودان وإثيوبيا في 23 مارس (آذار) 2015".

وتابع "اتسم موقف مصر خلال مراحل التفاوض المضني خلال السنوات الخمس الماضية، التي لم تؤت ثمارها، بحسن النية وتوفر الإرادة السياسية الصادقة في التوصل إلى اتفاق يلبي مصالح الدول الثلاث، وقد أسهم الدور البناء الذي اضطلعت به الولايات المتحدة والبنك الدولي ورعايتهما لجولات المفاوضات المكثفة التي أجريت على مدار الأشهر الأربعة الماضية في بلورة الصيغة النهائية للاتفاق، التي تشمل قواعد محددة لملء وتشغيل سد النهضة، وإجراءات لمجابهة حالات الجفاف والجفاف الممتد والسنوات الشحيحة وآلية للتنسيق، وآلية ملزمة لفض النزاعات، وتناول أمان سد النهضة والانتهاء من الدراسات البيئية".

أضاف بيان الخارجية المصرية "على ضوء ما يحققه هذا الاتفاق من الحفاظ على مصالح مصر المائية وضمان عدم الإضرار الجسيم بها، فقد قامت مصر بالتوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق المطروح تأكيداً لجديتها في تحقيق أهدافه ومقاصده، ومن ثم، فإن مصر تتطلع إلى أن تحذو كل من السودان وإثيوبيا حذوها في الإعلان عن قبولهما بهذا الاتفاق والإقدام على التوقيع عليه في أقرب وقت، باعتباره اتفاقاً عادلاً ومتوازناً ويحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث".

وختم البيان "تجدد مصر تقديرها للدور الذي تقوم به الإدارة الأميركية وحرصها على التوصل إلى اتفاق نهائي بين الدول الثلاث"، لكنها "تأسف لتغيّب إثيوبيا غير المبرر عن هذا الاجتماع في هذه المرحلة الحاسمة من المفاوضات"، مؤكداً استمرار أجهزة الدولة المصرية كافة في إيلاء هذا الموضوع الاهتمام البالغ الذي يستحقه، في إطار اضطلاعها بمسؤولياتها الوطنية في الدفاع عن مصالح الشعب المصري ومقدراته ومستقبله بكل الوسائل المتاحة.