Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قرار لبنان بشأن استحقاق السندات لا يزال غامضا

الدفع يستنزف احتياطيات المصرف المركزي والتخلف يدخله في المجهول

رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون ورئيس الحكومة حسان دياب خلال لقائهما في القصر الرئاسي في 28 فبراير (دالاتي ونهرا)

يضيق الوقت في وجه خيارات لبنان المتعثر داخلياً، مالياً واقتصادياً، والذي يواجه التعثر خارجياً مع عدم قدرته على سداد استحقاق سندات دولية في 9 مارس (آذار) المقبل.

الاستحقاق الداهم بقيمة 1.2 مليار دولار ليس الأخير لهذا العام. فإجمالي ما يجب تسديده عن عام 2020 يصل إلى 4.5 مليار دولار، فيما إجمالي ما على لبنان سداده العام المقبل يصل إلى 5 مليارات دولار. أما في الفترة الممتدة بين العامين 2022 و2023، فتبلغ قيمة الديون المستحقة 8 مليارات دولار.

وبين تسديد الديون للحفاظ على سمعة لبنان وأصوله وقدرة المصارف على الاستمرار، كونها الدائن الأكبر للدولة اللبنانية، وبين التعثر وعدم السداد للحفاظ على الاحتياطي بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان، الذي يمول حالياً استيراد المواد الأساسية الحياتية، كالطحين والمحروقات والأدوية والمستلزمات الطبية، فإن لبنان يقف بين خيارين أحلاهما مر.

خيار الدفع

يرى كبير الاقتصاديين ورئيس وحدة الأبحاث في أحد المصارف اللبنانية نسيب غبريل، أن لبنان تأخر في إنجاز خيار الدفع، الذي يستحق خلال أقل من تسعة أيام، وحتى هذه اللحظة لم يظهر أي احتمال لمفاوضة حاملي السندات. إذ إن الدول عادة تبدأ بتحضير المفاوضات قبل ستة أشهر لضمان تعثر منظم، ومع ذلك سيبقى التعثر سلبياً على لبنان وصورته، خصوصاً أنه التزم على مدى عشرات السنوات بدفع كامل استحقاقاته في وقتها، على الرغم من كل الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية التي مر بها.

سيؤدي خيار عدم الدفع، وفق غبريل، إلى تداعيات مباشرة على القطاع المصرفي والمودعين ووجود لبنان في الأسواق المالية العالمية، كما القطاع الخاص وإمكانية تمويله في المرحلة المقبلة. فمع بدء الكلام عن إعادة الهيكلة، بدأت مؤسسات متعددة الأطراف بمطالبة مؤسسات لبنانية ومصارف بدفع ديونها حتى قبل استحقاقها، ما انعكس مزيداً من الضغوط على الاقتصاد والمواطن اللبناني.

التعثر، وفق غبريل، يدفع بحاملي السندات إلى اللجوء إلى إجراءات قانونية تجبر الدولة على دفع كل مستحقاتها الآنية والآجلة، حتى في حالة التعثر المنظم. ويستند هؤلاء إلى واقع أن الدولة اللبنانية لديها موارد وأصول، وهي ليست مفلسة بل قادرة على دفع ما عليها.

وتملك الدولة اللبنانية أصولاً كالذهب الذي تقدر قيمته بحوالى 15 مليار دولار، إضافة إلى امتلاك مصرف لبنان محفظة عقارات تقدر قيمتها بحدود 3 مليارات دولار، بإمكانه تسييلها أو التصرف بها بما يؤمن مداخيل تسد الحاجات الملحة للدولة اللبنانية.

ويرى غبريل أنه على الدولة اللبنانية دفع كل مستحقاتها للعام 2020، والعمل على إيجاد حلول للعام المقبل، فآخر استحقاق لهذا العام مجدول في شهر يونيو (حزيران)، وأقرب استحقاق من بعده سيكون في أبريل (نيسان) 2021، ما يمنح الدولة وقتاً كافياً لإيجاد حلول مناسبة بدلاً من الضياع أو الضبابية والغموض الذي تعيشه اليوم.

ويشير غبريل إلى أن إعادة الهيكلة يجب أن تكون آخر الحلول، بينما يفترض أن تُمنح الإصلاحات البنيوية الأولوية.

ويحذر من مغبة الاستهتار باستحقاق مارس، فالعودة إلى الوراء غير ممكنة وتداعيات التعثر كبيرة، ولبنان لا يتحمل خطوة ناقصة حتى مع المستشارين الماليين والقانونيين الذين عينهم. ويضيف غبريل أن تدفيع المصارف والمودعين ثمن سوء إدارة الدولة والهدر والفساد، والانجرار إلى الشعبوية، يوصلان إلى ما لا تحمد عقباه.

عدم الدفع ليس كارثياً

بعكس ما يرى المصرفيون، يقول المحامي علي زبيب، المتخصص في الشؤون المصرفية، إن على لبنان عدم دفع الاستحقاقات، نافياً أن يكون التعثر سبباً لوضع الدولة اللبنانية وأصولها في مرمى الدعاوى القضائية.

ويوضح زبيب أن عقود اليوروبوندز الأساسية، التي تستحق في 9 مارس، تتألف من 149 صفحة تضمن للدولة اللبنانية الحصانة السيادية أمام المحاكم الأجنبية، انطلاقاً من مبدأ الاحترام المتبادل بين الدول.

وفي التفاصيل، لا يحق للدولة اللبنانية منع إقامة دعوى في محاكم نيويورك، لكنها أبقت على حقها في نقل الدعوى إلى المحاكم الفيدرالية في نيويورك، ما يعني أنه عند الوصول إلى التمييز تذهب الدولة إلى المحكمة العليا للولايات المتحدة، بالتالي لا يعود للمحامين القدرة على التأثير في الحكم.

كما تستعمل الدولة حصانتها لغايات رسمية، مثل حماية السفارات أو الحسابات المالية وأصول وممتلكات الأجهزة العسكرية، التي لا يمكن الحجز عليها. فهذه الممتلكات محمية بالقانون الدولي ومحصنة داخلياً، وفقاً للمادة 860 من أصول المحاكمات المدنية.

كما لا يمكن الحجز على الذهب، الذي يعتبر بموجب قانون النقد والتسليف ملكاً لمصرف لبنان غير المعني بديون الدولة، لأنها ليست شهادات إيداع أصدرها المركزي، إنما سندات أصدرتها وزارة المالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير زبيب إلى أنه لا يمكن للدائنين الحجز على طائرات طيران الشرق الأوسط، لأنها مملوكة بنسبة 98 في المئة من قبل المصرف المركزي.

وبالنسبة إلى سمعة لبنان، التي ستتأثر بالتعثر، فيقول زبيب إن الدول تعرف جيداً وضع لبنان المتعثر والصعب، بالتالي فإن السمعة سيئة أصلاً والتصنيفات متدنية ومؤشرات الفساد وغيرها لا تبشر بالخير.

ويقدم زبيب نماذج عن دول، مثل باكستان والإكوادور وروسيا، واجهت تعثرات ثم تمكنت من العودة إلى الأسواق العالمية.

ووفق زبيب، على الدولة عدم سداد الاستحقاقات، إنما الدخول في مفاوضات ينص عليها العقد. وهو يرى أن المفاوضات لا تحتاج أشهراً لإنجازها، إنما أسابيع قليلة.

وفي آليات السداد، يرى زبيب أن الدولة هي المسؤولة الأولى عن وصولها إلى التعثر، لكن المواطنين والمصارف يتحملون جزءاً من المسؤولية أيضاً. لذا، على المصارف شطب بعض الديون، بعدما حققت أرباحاً طائلة في السنوات الماضية من خلال الهندسات المالية والتوظيفات بفوائد مرتفعة، كما على المودعين التحمل، لأن إيداعاتهم كانت عالية المخاطر بالنظر إلى الفوائد الطائلة التي كانوا يجنونها.

ويقول زبيب إن الاقتطاع من الودائع لا يجب أن يطال صغار المودعين، كما على الدولة التي تمتلك أصولاً ذات تقييمات مرتفعة أن تنشئ صندوقاً سيادياً تنقل إليه 10 أو 15 في المئة من أصولها لسداد خسائر دينها.

تتناقض الطروحات في لبنان بين الداعي إلى التسديد والمصرّ على عدم التسديد، فيما حتى هذه اللحظة لا تزال الضبابية هي التي تلف الموقف اللبناني من استحقاق 9 مارس. وأكبر برهان ما أعلنه، السبت، رئيس لجنة المال والموازنة النيابية إبراهيم كنعان من أن كل الخيارات مفتوحة أمام الفريق التفاوضي حول الاستحقاقات المالية.