Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سد النهضة... إثيوبيا تعقد الأزمة مجددا بمقاطعة مفاوضات واشنطن

أديس أبابا أكدت استمرار المشاورات المحلية حول نتائج الاجتماع الأخير ومسودة الاتفاق

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وفدا إثيوبيا للتباحث حول أزمة سد النهضة (الرئاسة المصرية)

قبل ساعات من الاجتماع المرتقب بواشنطن، الذي ترعاه الإدارة الأميركية، لوضع اللمسات النهائية على مسودة الاتفاق الخاص بسد النهضة الإثيوبي، وحسماً للجدل الذي أثير على مدار سنوات عدة حول المشروع الإثيوبي، أعلنت مساء الأربعاء، أديس أبابا عدم مشاركتها في مفاوضات سد النهضة، التي كان مقرراً عقدها الخميس والجمعة بواشنطن، نظراً إلى "استمرار المشاورات المحلية التي تجريها حول نتائج الاجتماع الأخير ومسودة الاتفاق".

وعلى الوجه المقابل، قال المستشار أحمد حافظ، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، إنّ القاهرة "ملتزمة بالمسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة والبنك الدولي، خصوصاً أن الهدف من الاجتماع الراهن بواشنطن وفق ما سبق واتفقت عليه الدول الثلاث هو وضع اللمسات الأخيرة لاتفاق ملء وتشغيل سد النهضة".

وأكد حافظ، أن وزيري الخارجية والموارد المائية والري المصريين سوف يشاركان في الاجتماع الوزاري الذي دعت إليه الإدارة الأميركية، وذلك تقديراً للدور البناء الذي اضطلعت به الإدارة الأميركية على مدار الأشهر الماضية في مساعدة الدول الثلاث للتوصل إلى الاتفاق المنشود.

بينما ذكر بيان لمجلس السيادة الانتقالي السوداني، يوم الأربعاء، عقب لقاء بين عبد الفتاح البرهان وديسالين الذي قام بزيارة خاطفة للخرطوم، إن "أديس أبابا طلبت توقيع الاتفاق عقب الانتخابات".

وفي وقت سابق زار هيلي ماريام ديسالين، رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، كمبعوث لخلفه آبي أحمد، مصر، تلك الزيارة التي حملت رسائل مباشرة إلى القاهرة في سياق المفاوضات الجارية للوصول إلى اتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان برعاية أميركية.

لكن زيارة ديسالين بشأن المفاوضات التي شهدت سنوات من المماطلة والتعثر نتيجة تشدد موقف بلاده في عهده، ربما تحمل أيضاً الكثير من الرسائل الكامنة إلى الداخل الإثيوبي، الذي يترقب إجراء انتخابات عامة في أجواء مشحونة، يتعرض فيها رئيس الوزراء الإثيوبي "الإصلاحي" آبي أحمد لضغوط متصاعدة، يرى مراقبون أنها هي التي دفعته إلى تأجيل حسم ملف اتفاق السد إلى ما بعد انتخابات أغسطس (آب) المقبل، أو على الأقل تفويت فرصة المزايدة على موقفه عبر إظهار أحد أبرز صقور الدولة العميقة والحزب الحاكم في البلاد كداعم للاتفاق المتوقع.

مفاوضات واشنطن بين الحسم والتأجيل

وقبل أيام من الموعد الذي سبق وأعلنته الإدارة الأميركية للوصول إلى صياغة للاتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة وتوقيعه قبل نهاية فبراير (شباط) الحالي، بعد شهور من المفاوضات الشاقة بين أطرافها الثلاثة برعاية واشنطن والبنك الدولي، جاءت زيارة هيلي ديسالين إلى القاهرة، لتؤكد الحديث حول تأجيل موعد إعلان الاتفاق النهائي حول السد، بعدما صرح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال زيارته إلى أديس أبابا الأسبوع الماضي بأنه "لا يزال هناك قدر كبير من العمل، لكنني متفائل بأنه يمكننا خلال الأشهر المقبلة حل هذا".

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه ديسالين، التزام مصر بالسعي نحو "إنجاح" المفاوضات الجارية بمسار واشنطن، مشيراً إلى "قرب التوقيع على الاتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السد"، كما أشار بيان للرئاسة المصرية إلى أن المبعوث الخاص لرئيس الوزراء الإثيوبي استعرض قضية سد النهضة في ضوء ما جرى التوصل إليه حتى الآن في إطار المفاوضات بين أطراف الاتفاقية الثلاثة.

 

من جانبه، أكد السفير علي الحفني، نائب وزير الخارجية المصري سابقا للشؤون الأفريقية لـ"اندبندنت عربية"، أن الزيارة التي قام بها ديسالين للقاهرة هدفها التأكيد على التزام بلاده بالمضي قدما في مفاوضات سد النهضة، خصوصاً بعدما أعلن الجانب الأميركي حاجة الاتفاق النهائي بشأن السد إلى مزيد من الجهد قد يستغرق شهوراً، مشيراً إلى أنه حتى الآن لم يتم الإعلان عن الوصول لصيغة الاتفاق، ولا تزال اللجان الفنية والقانونية للدول الثلاث موجودة في واشنطن لهذا الغرض، لكن الجانب الإثيوبي يريد التأكيد أيضاً على تعدد مسارات علاقاته بمصر والسعي لتعزيزها، وأن تلك العلاقات لا تتوقف فقط على المفاوضات الراهنة بشأن السد، إذ أكد الجانب الإثيوبي من خلال رسالته إلى القاهرة الرغبة في استمرار وتعزيز التنسيق لتحقيق الاستقرار في المنطقة والقارة، واهتمامه بتطوير مختلف أوجه العلاقات الثنائية مع مصر.

وتابع الحفني، "الموقف لا يزال يشهد حالة ترقب لما يمكن أن يصدر نهاية الشهر الحالي، وهل سيتم الانتهاء من الاتفاق وتوقيعه أم سيكون الأمر بحاجة إلى مزيد من المفاوضات، فلا تزال هناك عدة نقاط عالقة ومحل خلاف وصياغة اتفاق دولي ليس أمراً سهلاً، حيث سيتكون لكل دولة موقفٌ من العديد من البنود وصياغاتها المختلفة، وهو ما أكده أيضاً الجانب الأميركي".

رسائل إلى الداخل الإثيوبي

ظهور ديسالين المتكرر في ملف سد النهضة مجدداً خلال هذا الشهر الحاسم في المفاوضات حمل أيضاً عدة رسائل للداخل الإثيوبي الذي يشهد استقطاباً متصاعداً حول العديد من الملفات الداخلية والخارجية، وعلى رأسها الرؤى الإصلاحية لرئيس الوزراء الإثيوبي الحاصل على جائزة نوبل للسلام، الذي تولى السلطة عقب استقالة سلفه ديسالين نتيجة احتجاجات واسعة قبل عامين، حيث طالب حزب الجبهة الثورية الديمقراطية الحاكم فى إثيوبيا الأخير بالاستقالة في فبراير 2018، ليتولى آبي أحمد الحكم، ويطلق عدة إصلاحات سياسية ومبادرات للسلام مع دول الجوار بالقرن الأفريقي، فضلاً عن الوساطة في الحالة السودانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من الوصول إلى اتفاق إعلان المبادئ الثلاثي بشأن سد النهضة في ظل حكومة ديسالين عام 2015، تقول هبة البشبيشي، الباحثة في الشؤون الأفريقية، إن ظهور ديسالين مجدداً يعد رسالة "للاستهلاك المحلي في إثيوبيا قبيل الانتخابات" ولتأكيد وحدة الموقف حول المضي قدما في الطريق إلى الاتفاق بشأن السد، وهو ما يمكن أن يفسر ظهور الرجل الذي تميز عهده بالتشدد في هذا الملف كموقف عام للنظام الحاكم، ولم تسفر المفاوضات خلال تلك الفترة سوى عن توقيع إعلان المبادئ في مقابل استمرار إنشاءات السد على نحو متسارع، معتبرة أن تحرك آبي أحمد بإجراء مشاورات مع أطراف إثيوبية عديدة حول المفاوضات الجارية وإظهاره للموقف الموحد مع سلفه يمثل طريقة لتجنب المزايدة الداخلية على مواقفه من الاتفاق.

ودخلت مفاوضات أزمة سد النهضة مرحلة حاسمة بعد انخراط الولايات المتحدة إلى جانب البنك الدولي كمراقبين في المفاوضات، قبل شهور قليلة من أول انتخابات عامة في ظل آبي أحمد، الذي لم يخل حكمه من منغصات أبرزها احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فضلا عن ثلاث محاولات انقلابية فاشلة كانت الأخيرة في يونيو (حزيران) الماضي، بعد عام من تعرضه لمحاولة اغتيال عقب شهور قليلة من توليه السلطة.

وأعلنت إثيوبيا بعد الجولة الأخيرة من مفاوضات واشنطن إجراء مشاورات وطنية حول نتائج تلك المفاوضات التي أوشكت على الوصول إلى صياغة الاتفاق، حيث عقد رئيس الوزراء الإثيوبي قبل يوم من زيارة بومبيو إلى أديس أبابا جلسة المشاورات بمشاركة الوزراء وأعضاء الفريق التفاوضي والخبراء المعنيين وعدد من الشخصيات العامة الإثيوبية. وكان اللافت مشاركة ديسالين وجلوسه إلى جوار آبي أحمد، في الاجتماع الذي ذكر مكتب رئيس الوزراء أنه حدد اتجاه المفاوضات المقبلة بشأن السد.

وأكدت مصادر دبلوماسية مطلعة على المفاوضات الجارية، إن السياق الانتخابي في إثيوبيا الذي يختبر وعود آبي أحمد باحترام التعددية، ربما يكون عنصراً أساسياً في تأجيل الوصول للاتفاق إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية الإثيوبية، وسط حرص الأخير على إظهار توحد أجنحة النظام الحاكم حول المسار الذي اتخذته البلاد في عهده للوصول إلى اتفاق يضع نهاية للنزاع المستمر منذ سنوات حول مشروع قومي يعلق عليه الإثيوبيون آمالا لتحقيق التنمية.

وأكدت المصادر أن البرلمان الإثيوبي المرتقب سيكون مسؤولاً عن تصديق الاتفاقية على أي حال. لكن المفاوضات تضمنت نصوصاً "فيما يتعلق بدخول الاتفاق حيز التنفيذ والفترة الانتقالية التي يتم فيها تطبيق النص لحين اتخاذ الإجراءات الدستورية حتى لا يكون هناك أي تأخير في إقدام الجانب الإثيوبي على ملء الخزان"، حسبما أعلن وزير الخارجية المصري في ختام الجولة الأخيرة للمفاوضات منتصف الشهر الحالي.

حوافز لإثيوبيا... وتفاؤل حذر

في السياق ذاته، أكد الرئيس المصري، خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، أن التوقيع على الاتفاق "من شأنه أن يحفظ التوازن بين مصالح جميع الأطراف، كما أن ذلك الاتفاق سيفتح آفاقاً رحبة للتعاون والتنسيق والتنمية بين مصر وإثيوبيا والسودان، وسيأذن ببدء مرحلة جديدة نحو الانطلاق لتطوير العلاقات المتبادلة بينها، وما لذلك من مردود إيجابي وتنموي على منطقة حوض النيل بأسرها في ضوء الثقل الإقليمي للدول الثلاث"، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

وقال نائب وزير الخارجية المصري سابقاً للشؤون الأفريقية، إن مصر ترى اتفاق سد النهضة منطلقاً أساسياً نحو التكامل الاقتصادي بينها وإثيوبيا والسودان، وكنواة لتكامل إقليمي في شرق أفريقيا، وأكد أن القاهرة طرحت العديد من المبادرات للتعاون بين البلدان الثلاثة في العديد من المشروعات المشتركة للارتقاء بعلاقاتها، لكن عدم الوصول إلى اتفاق حول السد الإثيوبي يعرقل جهود التكامل، رغم حرص مصر على الاحتفاظ بمسارات اقتصادية وسياسية لتطوير العلاقات الثنائية مع إثيوبيا بعيداً عن خلاف سد النهضة.

وخلال زيارته إثيوبيا التي استغرقت 3 أيام وسط المفاوضات الجارية برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي، أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو دعم واشنطن لخطط الإصلاح الاقتصادي لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي ذكر أنه جرى الاتفاق على تعزيز رؤية الإصلاح الشامل في إثيوبيا، المخطط له من قبل الولايات المتحدة لتوفير دعم مالي له.

من جانبه، قال السفير الإثيوبي في القاهرة دينا مفتي، في تصريح خاص، إن زيارة "بومبيو" لأديس أبابا استهدفت تعزيز العلاقات الاقتصادية بينها وبين واشنطن وزيادة الاستثمارات الأميركية. وفيما يتعلق بمباحثات بومبيو حول سد النهضة خلال الزيارة، قال السفير إن جميع الأطراف متفائلة بشأن الوصول إلى نتيجة قريباً، كما أعلن وزير الخارجية الأميركي في أديس أبابا، مؤكداً أن الإطار الزمني لذلك سيعتمد على مواقف الدول الثلاث من نتائج المفاوضات الجارية، مضيفا "الجميع متفائل حول الوصول إلى اتفاق إيجابي سيفيد الدول الثلاث ويحقق مصالح الجميع"، وحول المشاورات الوطنية التي أجراها رئيس الوزراء الإثيوبي حول السد ذكر أن "جميع الأطراف المعنية في إثيوبيا تسعى إلى أن حسم المفاوضات بين الدول الثلاث على نحو بنّاء".

وقال أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، إن إثيوبيا تسعى لتحويل قوتها المائية إلى قوة سياسية، والحصول على أكبر قدر من المكاسب من هذا السد على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها، ولم تمارس الولايات المتحدة عليها حتى الآن أي ضغوط في المفاوضات، لكنها عرضت عليها حزمة من الحوافز من خلال زيارة بومبيو إلى أديس أبابا، التي استهدفت أيضاً رفع مستوى التفاوض إلى أعلى سلطة تنفيذية في البلاد من خلال إجراء مباحثات مع آبي أحمد حول المفاوضات الجارية، مؤكداً حرص الجانب الأميركي على إنجاز الاتفاق وتأكيد فعالية دوره في حل الأزمة المستمرة منذ سنوات بعد أن أصبح وسيطاً مسؤولاً عن صياغة الاتفاق.

المزيد من الشرق الأوسط