Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل فقدت الوثيقة الدستورية جدواها كمرجع للحكم الانتقالي في السودان؟

تردي الأوضاع الاقتصادية وصل إلى أسوأ مراحله في تاريخ البلاد

يرأس عبد الفتاح البرهان حالياً مجلس السيادة الذي يتألف من 11 عضواً (أ.ب)

شهدت مكونات أجهزة الحكم الانتقالي في السودان، ممثلة في مجلسي السيادة والوزراء خلال الفترة الأخيرة، العديد من الخلافات في ما بينهما من جهة، والحاضنة السياسية للسلطة الانتقالية، قوى الحرية والتغيير من جهة أخرى، كادت أن تحدث شرخاً في العلاقة بين تلك الأطراف الثلاثة، بسبب الخروقات التي توالت على الوثيقة الدستورية التي وضعت لتكون مرجعاً ومرشداً للحكم الانتقالي في البلاد منذ التوقيع عليها في 17 أغسطس (آب) 2019، وهو ما أدى إلى حالة البطء والعجز اللذين أحاطا بأداء الحكومة الانتقالية، وظهر ذلك جلياً في تردي الأوضاع الاقتصادية التي وصلت إلى أسوأ مراحلها في تاريخ السودان، فضلاً عن تراجع التناغم بين المكونات المؤسسية لأعمدة هياكل الفترة الانتقالية التي تقوم على معادلة أساسها الالتزام بالوثيقة الدستورية واستدامة الشراكة النزيهة بين المكونين العسكري والمدني وتماسك أطرافها لإنجاز مهام هذه الفترة الانتقالية بكامل استحقاقاتها.

وفي ظل هذه الخلافات التي بدأت تظهر من حين إلى آخر برزت تساؤلات عديدة حول مدى جدوى الوثيقة الدستورية لحكم البلاد خلال الفترة المتبقية من عمر السلطة الانتقالية، لكن المراقبين والمحللين السياسيين دعوا إلى وضع آلية محددة لتسيير ما تبقى من عمر الفترة الانتقالية لتفادي حدوث مشكلات تعرقل عمل الحكومة خلال الفترة المقبلة.

ثغرات واضحة

وفي هذا السياق، أشار عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوداني صديق يوسف لـ "اندبندنت عربية" إلى أن الحزب اعترض قبل التوقيع على هذه الوثيقة على بعض بنودها التي تمكّن المكوّن العسكري في مفاصل السلطة الانتقالية، فضلاً عن وجود ثغرات واضحة في أجزاء مهمة منها، وهو ما ظهر جلياً عند ممارسة السلطة الفعلية وتنفيذ بنودها، لافتاً إلى أن الوثيقة تسببت في وجود خلافات بين قوى الحرية والتغيير ومجلس السيادة الانتقالي، خصوصاً عند تكوين مجلس السلام، لأنه لم يكن متضمناً في بنود الوثيقة، وكذلك في ما يخص تعيين أجهزة مفوضية السلام، ما يعد تغولاً على صلاحيات مجلس الوزراء الانتقالي، لأن مسألة السلام مرتبطة بمعالجة آثار الحرب وفق برنامج للتنمية وإعادة الإعمار، وهي قضايا من صميم عمل الحكومة التنفيذية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبيّن يوسف أن هذه الأخطاء ساهمت في ما حدث من بطء في أداء الدولة وما تعانيه من مشكلات ولا سيما في الجوانب الاقتصادية، محملاً الأطراف السياسية كافة مسؤولية ما حدث من ارتباك خصوصاً في ما يتعلق بعملية السلام التي ما زالت متعثرة بسبب الأخطاء التي حدثت، مثل إبعاد قوى الحرية والتغيير من المفاوضات التي جرت بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة في عاصمة جنوب السودان جوبا، لكن أخيراً، تم تدارك هذا الخطأ بإشراك قوى الحرية والتغير بوفد رفيع المستوى في مجريات الحوار، وتمكّن من إحداث اختراق مهم من المأمول أن يفضي إلى السلام العادل.

ودعا يوسف إلى أهمية تحسين العلاقة بين المكونات الثلاثة (مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، وقوى الحرية والتغيير)، مشدداً على ضرورة خلق صيغة تتفق عليها هذه المكونات لاتخاذ القرارات تفادياً لحدوث خلافات جديدة، بالإضافة إلى إيجاد علاقات وطيدة بين هذه الأطراف حتى يحدث انسجام تام، موضحاً أن قوى الحرية والتغيير ناقشت مسألة خرق الوثيقة مرات عدة لكن الأمر يستدعي وضع آلية تسيّر ما تبقى من عمر الفترة الانتقالية من دون مشكلات تعرقل عمل الحكومة خلال الفترة المقبلة.

خلاف

ونوّه عضو المكتب السياسي في حزب الأمة القومي السوداني عثمان ضو البيت في حديثه إلى "اندبندنت عربية" إلى أنه كانت هناك آراء حول هذه الوثيقة منذ الإعلان عنها، وظهرت عيوبها وأخطاؤها عندما جاء اختيار رئيس القضاء والنائب العام، إذ حدث خلاف حول الجهة المختصة بتعيينهما، وكذلك الحال بالنسبة إلى تعيين وزيري الدفاع والداخلية، واتضح أن رئيس الوزراء ليس لديه سلطة عليهما لأنهما يتبعان مجلس السيادة. كما من الإشكاليات وعيوب الوثيقة أنها نصت على تشكيل المجلس التشريعي خلال ثلاثة أشهر من بداية مهام الحكومة، وتحقيق السلام في فترة لا تتعدى ستة أشهر، لكن كل ذلك لم يحدث بل ما زالت مسارات السلام تراوح مكانها.

وزاد "في اعتقادي أن النص الزمني الوارد في هذه الوثيقة فيه خطأ ظاهر ما يستدعي مراجعتها من جديد، وسدّ الثغرات لتحكم الفترة الانتقالية بشكل واضح". مشيراً إلى أن ما حدث من خرق وأخطاء في هذه الوثيقة يثير أسئلة عدة منها مَن المتسبب في عرقلة أعمال هذه الوثيقة؟ وهل أصبحت بالفعل عديمة الجدوى؟ لافتاً إلى أن مجمل هذه التساؤلات ظل يرددها الشارع السوداني الذي يعيش حالياً وضعاً متأزماً من الناحية الاقتصادية.

هياكل الانتقال

وتجدر الإشارة إلى أن الفترة الانتقالية في السودان المحددة بـ 39 شهراً بموجب الوثيقة الدستورية، تم حصر مهامها في 16 مهمة تبدأ من العمل على إنهاء الحروب وتحقيق السلام خلال فترة الستة أشهر الأولى، مروراً بمعالجة الأزمة الاقتصادية، وتفكيك بنية النظام الساقط ومحاسبة منسوبيه عن الجرائم التي ارتكبت خلال 30 عاماً الماضية، سواء كانت جرائم حرب أو قتل أو تعذيب أو نهب أو فساد، والعمل على تسوية أوضاع المفصولين تعسفياً، والإصلاح القانوني، وإنشاء آليات الإعداد لوضع الدستور الدائم، وانتهاء بتعزيز دور المرأة والشباب وتوسيع فرصهم في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وتضم هياكل السلطة خلال هذه الفترة الانتقالية ثلاثة مجالس، هي مجلس الوزراء، والمجلس التشريعي، ومجلس السيادة الذي يتألف من 11 عضواً من بينهم ستة مدنيين وخمسة عسكريين. ويرأسه حالياً عبد الفتاح البرهان للأشهر الـ 21 الأولى، بينما سيحكمه في فترة الـ 18 شهراً المتبقية أحد المدنيين سيتم تعيينه لاحقاً.

وتشمل اختصاصات المجلس السيادي، بحسب الإعلان الدستوري الذي وقّع عليه الطرفان، تعيين رئيس مجلس الوزراء، واعتماد أعضاء مجلس الوزراء الذين يعينهم رئيس مجلس الوزراء، واعتماد ولاة الولايات بعد تعيينهم من رئيس مجلس الوزراء، واعتماد تعيين أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي، والموافقة على تشكيل مجلس القضاء العالي، واعتماد تعيين رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بعد ترشيحهم من قبل مجلس القضاء العالي، والموافقة على تعيين النائب العام بعد اختياره من قبل مجلس الوزراء، واعتماد سفراء السودان في الخارج بترشيح من مجلس الوزراء، وقبول واعتماد السفراء الأجانب لدى السودان.