كيف برر النظام الإيراني عزوف المواطنين عن الانتخابات؟

قال المرشد إنّ الأعداء استخدموا فزاعة فيروس كورونا لإثناء الشعب عن التصويت

أرجع كثيرون عزوف الإيرانيين عن المشاركة في الانتخابات إلى الأزمة الاقتصادية وانتشار الفساد بالبلاد (أ.ف.ب)

رغم تمديد مدة الاقتراع خمس مرات متتالية، وتأكيد قادة إيران الدينيين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، اعتبار التصويت "واجباً دينياً"، وذلك بعد أيام من الدعاية الحكومية المكثفة لحشد المصوتين، فإن الآراء تباينت بالداخل الإيراني بين المولاة والمعارضة، بشأن ضعف نسب التصويت والمشاركة في انتخابات مجلس الشورى، أول من أمس الجمعة، وذلك في أدنى صورة لها منذ 40 عاماً، إذ لم يقل معدل إقبال الناخبين تاريخياً عن 50 في المئة، ما يعد اختباراً مهماً يعكس مستوى شعبية المؤسسة الحاكمة.

وعلى مدار يومين، وإثر هيمنة المحافظين والأصوليين القريبين من الحرس الثوري الإيراني على مقاعد المجلس الجديد، المؤلّف من 290 في انتخاباته الـ11 منذ 1979، تتعالى الأصوات بإيران في تفسير الأسباب التي قادت إلى تلك النسبة المتدنية من التصويت.

ففي الوقت الذي أعلنت فيه السلطات الرسمية أن نسبة المشاركة بالانتخابات التشريعية "بلغت 42.57 في المئة"، ذكرت تقارير إيرانية أن النسبة "لم تتجاوز 25 في المئة على مستوى البلاد"، مُرجعين الأمر إلى رفض مجلس صيانة الدستور آلاف الطلبات لمرشحين غالبيتهم من المعتدلين أو الإصلاحيين.

كورونا وتآمر الإعلام الغربي
بينما يُرجع كثيرون عزوف الناخب الإيراني عن المشاركة في الانتخابات إلى "الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تشهدها حياتهم، والركود العميق"، فضلاً عن "انتشار الفساد"، الذي انعكس في صورة تظاهرات حاشدة عمّت مدن إيران خلال الأشهر الأخيرة، برر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي ضعف المشاركة الشعبية في الانتخابات البرلمانية بما قال عنه "تأثير الإعلام الأجنبي السلبي، والتهويل من انتشار كورونا"، معتبراً أن ذلك كان وراء "عدم ثقة الشعب الإيراني بنظامه الديمقراطي"، مؤكداً في الوقت ذاته، أنّ المشاركة "كانت جيدة".

وقال خامنئي، وفق ما نقل عنه موقعه الرسمي اليوم الأحد، موضحاً أن تصريحاته جاءت في أثناء إعطائه درساً أسبوعياً لطلاب فقه بطهران، إنّ "أعداء إيران سعوا لإثناء الناس عن التصويت في الانتخابات البرلمانية بتضخيم خطر فيروس كورونا الجديد".

وتابع، "الدعاية السلبية عن الفيروس بدأت قبل شهرين، وزادت بدرجة كبيرة قبل الانتخابات، ووسائل إعلامهم لم تفوّت أدنى فرصة لإثناء الناخبين الإيرانيين والتحجج بالمرض والفيروس".

وأعلنت إيران، التي كشفت عن أول حالة إصابة بـ(كورونا) قبل يومين من التصويت، 43 حالة إصابة، و8 وفيات في أربع مدن منها العاصمة طهران، وتسجّل طهران بذلك العدد أعلى معدل وفيات بالفيروس خارج الصين، موطن المرض.

وشكر خامنئي الشعب الإيراني "لمشاركته الواسعة في امتحان الانتخابات العظيم رغم الضخّ الإعلامي الخبيث وإحباطه لاستغلال الأعداء الفرص"، مضيفاً "لقد شاء الله النّصر لهذا الشعب"، على حد وصفه.

وعلى عكس نسبة المشاركة الحالية، التي بلغت وفق السلطات الرسمية 42.57 في المئة، إلا أنّه في آخر استحقاقين برلمانيين في العامين 2016 و2012، كانت على التوالي 62 في المئة، و66 في المئة.

ويقول مراقبون، إنه وفي ظل الضغط المكثف من الولايات المتحدة، يحتاج رجال الدين الذين يحكمون إيران إلى نسبة إقبال "مرتفعة"، لتعزيز شرعيتهم التي تضررت بعد احتجاجات انتشرت بأنحاء البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني)، إذ قابلت السلطات التظاهرات بحملة أمنية صارمة زادت الاستياء من المصاعب الاقتصادية والفساد، وكان خامنئي حثّ الإيرانيين على التصويت يوم الجمعة، قائلاً إنّ المشاركة "واجبٌ دينيّ".

وقبل الانتخابات، توقّع كثيرٌ من المراقبين في إيران وخارجها، أن تكون نسبة المشاركة متدنية، بعد أن رفضت هيئة الإشراف على الانتخابات التي يسيطر عليها المحافظون آلاف طلبات الترشيح، معظمها للإصلاحيين والمعتدلين.

للمعارضة أسباب أخرى
في المقابل، ورغم تمديد السلطات الإيرانية عمليات الاقتراع الجمعة 5 مرات متتالية لاستقطاب أكبر عدد من الناخبين، بعث مهدي كروبي المرشح الرافض نتائج الانتخابات الرئاسية، عام 2009، برسالة إلى الأمين العام لمجلس صيانة الدستور الإيراني، أحمد جنتي، انتقد فيها مواقف الأخير باستبعاد آلاف المرشحين المعتدلين والإصلاحيين من الانتخابات البرلمانية.

وقال كروبي، وفق ما نقلت وكالة أنباء "سحام نيوز" المُقرّبة منه، إن الأوضاع في البلاد وصلت إلى حدّ أصبحت فيه الانتخابات الحرة بمثابة "نقطة ضعف" النظام الإيراني.

وذكرت صحيفة "بيلد" الألمانية، أنّ العزوف الكبير للناخبين الإيرانيين عن صناديق الاقتراع كان سيد المشهد خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وأنّ الأمر عكس "حجم الكابوس الذي يخشاه النظام الإيراني، وإظهار مدى ضعف وتآكل قاعدته".

وحسب الصحيفة، "كان الاقتراع مهماً للنظام لتأكيد شعبيته، في ظل واقع صعب، إذ تمرّ البلاد بأزمة اقتصادية خانقة، وتتدهور قيمة العملة بشكل دائم، وارتفاع مستوى البطالة إلى مستويات قياسية بين الشباب، فضلاً عن فشل المصالحة مع العالم الخارجي والعزلة الدولية المتزايدة".

وذكرت محطة "إيران إنترناشونال" أن نسب المشاركة في التصويت بالانتخابات البرلمانية الإيرانية بدورتها الحادية عشرة بلغت 16 في المئة بالعاصمة طهران، ونحو 25 في المئة على مستوى 31 محافظة إيرانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكر، غيدو شتاينبرج، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، أنّ "السلطات الإيرانية كانت أكثر ما تخشاه هو عزوف الناخبين عن الانتخابات بشكل ملحوظ، وأنّ هذا ما حدث".

 

وتابع، "الإيرانيون غاضبون بشكل واضح، وهو ما بدا جلياً في الاحتجاجات التي شهدها كثير من مناطق البلاد في الأشهر الأخيرة".

ومع تزايد الاستياء من الصعوبات الاقتصادية، الذي أدّى إلى إحجام كثير من الإيرانيين عن المشاركة في التصويت وفق مراقبين، تبدو الخيارات أمام السلطات الحاكمة خصوصاً بعد أن أضعفتها حملة "الضغوط القصوى" التي تنتهجها الولايات المتحدة، وأدّت إلى خنق صادرات النفط الحيوية، كما أضعفها أيضاً الفساد وسوء الإدارة، محدودة.

وقال مايكل تانشوم، الباحث البارز في المعهد النمساوي للسياسات الأوروبية والأمنية، لـ(رويترز)، "إيران على بُعد أزمة واحدة في النظام لتصل إلى نقطة الانهيار".

وأضاف، "لتجنّب نقطة الانهيار تلك ربما يقدّم غلاة المحافظين في إيران تنازلات للولايات المتحدة من أجل استمرار النظام القائم".

وستحدد نتائج الانتخابات وطبيعة مجلس الشورى المقبل الذي هيمن عليه المحافظون والأصوليون، هامش المناورة الذي سيتمتع به الرئيس حسن روحاني حتى نهاية ولايته في 2021.

ويمكن لهذه النتائج أن تؤثر في سياسة الانفتاح التي يتّبعها خارجياً، إذ يرفض المحافظون المتشددون أي مفاوضات مع الغرب، ويتطلعون إلى التخلي عن الاتفاق النووي، الذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في العام 2018.

وكان روحاني يرى في هذا الاتفاق الموقّع عام 2015، نافذة أمل من شأنها إدخال إيران في مرحلة ازدهار.

المزيد من متابعات