Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الانتخابات الأميركية"... تقدم ساندرز ومحنة الديمقراطيين

الحزب يتجه بشكل تدريجي نحو مزيد من الليبرالية بفعل الأجيال الجديدة من الأقليات المختلفة

يأتي تقدم المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز ليعمّق من أزمة الحزب وإضعاف فرص تمكن مرشحه من تهديد فرص دونالد ترمب في إعادة الترشح، وليعبر هذا بوضوح عن عمق أزمة الاستقطاب الداخلي الأميركي.

صحيح أن ما حدث حتى الآن انتخابات تمهيدية في ولايتين أميركيتين صغيرتين نسبيا، وما زال هناك وقت، ومن الوارد حدوث تطورات في المشهد السياسي للحزب الديمقراطي أو في البلاد عموما، بما قد يؤثر في فرص الرئيس ترمب، ولكن كل ذلك في الواقع لا ينفي وجود أزمة هيكلية في بنية المجتمع الأميركي تتفاقم عبر العقود الأخيرة.

كانت المعادلة السياسية منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في ثلاثينيات القرن الماضي مستقرة حول ترتيبات معينة، ويتبنى الحزب الديمقراطي أفكاراً ليبرالية أقرب إلى الوسط، تتيح قدراً من تدخل الدولة لتقليل تطرف الرأسمالية الأميركية، ولإحداث قدرٍ من التوازن في الحياة السياسية، ويتم تبادل الكراسي بين الحزبين في أغلب الوقت بين الجناحين الأكثر اعتدالاً في الجمهوري المحافظ والديمقراطي الليبرالي. ومن هنا باستثناء حالات تطرف معينة كالسيناتور الجمهوري المتشدد مكارثي في خمسينيات القرن الماضي، كانت اللعبة مُتحكّماً بها، بقدرٍ ما، بين الطرفين، وهو ما استمر حتى وصول الرئيس الأسبق رونالد ريغان للحكم في أوائل الثمانينيات لتبدأ معادلة جديدة بقدر من الاعتدال في البداية؛ فخلف ريغان كان يقف اليمين الديني المتطرف والتيارات الإيفإنجيلية، التي تبرر مواقفها السياسية المتعصبة والمتشددة بغطاء ديني كاذب، ولكن حتى ذلك الوقت كان لا يزال للمؤسسات الأميركية خصوصا في مجال الأمن القومي دورها في ضبط الإيقاع واحتواء الاندفاعات لهذه التيارات المتطرفة، وساعد على ذلك شيوع تيار الوسط في الحزب الديمقراطي، من هنا سمح هذا لانتقال الحكم بعد ريغان لجمهوري آخر، ولكنه ابن مؤسسات الدولة الأميركية، وهو جورج بوش الأب.

وعلى الجانب الآخر، أي الحزب الديمقراطي، كانت التيارات الليبرالية يشتد عودها وتأثيرها في الحزب، وهو تطور بدأ تدريجيا منذ الستينيات التي شهدت بزوع ما سمي باليسار الأميركي الجديد، الذي مارس دور المعارضة خارج النظام في البداية، ولم يسع إلى الاندماج في الحزب الديمقراطي، الذي كان أقرب لتيار وسطي بالمعايير الأميركية التي يغلب عليها الفكر المحافظ تاريخيا، وجاء كلينتون من هذه الخلفية التقليدية للحزب مع بعض التعديلات الأقرب، لأن تكون شكلية من رئيس تفاعل في شبابه مع هذه التيارات اليسارية، ولكنه حافظ على الطابع الوسطي للحزب وعلى استمرارية دور مؤسسات الدولة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستمرت المعادلة التقليدية التي كانت تقول إن مصدر التأييد التقليدي للجمهوريين من المكون الأنغلو ساكسوني البروتستاني الأساس مع هوامش عديدة من كافة مكونات المجتمع، بينما مؤيدو الحزب الديمقراطي من المكون الكاثوليكي وكافة الأقليات من سود ويهود وهيسبانك، (أي من ذوي الأصول اللاتينية)، وكل الآخرين مع وجود بروتستاني أنغلو ساكسون بطبيعة الحال، ولأن الخريطة السكانية للمجتمع الأميركي قد تغيرت، كان يقال دوماً إن الأغلبية الحقيقية مع الديمقراطيين، ولكن مشكلتهم كانت ضعف التصويت في صفوفهم، أو عجزهم عن طرح القيادة التي توحدهم وتقربهم من موقع الرئاسة.

الشاهد أن التركيبة الوسطية للحزب الديمقراطي بدأت في التغير التدريجي بفعل الأجيال الجديدة من الأقليات المختلفة في اتجاه التحول نحو مزيد من الليبرالية، وهنا من المفيد تذكر أن المجتمع الأميركي تاريخيا يعبر عن جدلية هذا الصراع الخلاق بين الفكر المحافظ والفكر الليبرالي، وأن تجربته وإسهاماته الفكرية في بلورة وتطور مفاهيم الليبرالية وحقوق الإنسان تمثل إسهاماً لا يمكن إنكاره في هذا الصدد، وأن هذا الإسهام لم يقتصر على السياسات الداخلية، بل امتد للعلاقات الدولية في بلورة مفاهيم الليبرالية الدولية وحقوق الإنسان منذ الرئيس وودرو ويلسون؛ أي منذ الحرب العالمية الأولى وقبلها، دون تقييم أداء هذه الدولة، التي من المؤكد أنها الأكثر انتهاكاً للقيم الدولية الإنسانية والأخلاقية في النظام الدولي المعاصر. وهنا فإن تقييم الممارسة الفعلية لأداء هذه الدولة في النظام الدولي سيقودنا إلى مكان آخر هو في ذاته تعبير عن الغلبة الحقيقية لهذه الجدلية بالسياسة الأميركية بين الليبرالية والمحافظة، التي تميل في النهاية لصالح التيار المحافظ.

هذا التغير في تركيبة الديمقراطيين جاء نتيجة لكثير من العوامل، بينها اتساع قاعدة الأقليات في المجتمع الأميركي، وكنتيجة طبيعية لتطور مكوّن في هذه الثقافة يستند إلى قيم وروح الفردية والحرية ولرؤى لا يمكن إنكارها تتسع في العالم حول بعض القضايا كالتسامح الديني والعرقي وحق الإجهاض، وعدد آخر من القضايا التي تشمل جوانب كحقوق المثليين وقضايا البيئة وغيرها، فلم يكن من الممكن تجاهل تأثير هذه الأفكار في عالم تلعب فيه وسائل التواصل الاجتماعي والسينما الأميركية دوراً لا يمكن تجاهله، والأخيرة تحديداً، لها دور خطير في الترويج للعديد من القضايا الليبرالية بالعالم كله فما بالنا بالمجتمع الأميركي ذاته.

 وبالنهاية دفع هذا بجانب مهم من الحزب في اتجاه اليسار والدفاع عن هذه القيم، وكانت قمة التعبير عن هذا بوصول رئيس من أصول أفريقية إلى البيت الأبيض هو باراك أوباما، ولكن بمذاق وسطي ذكي مشابه لكلينتون، ومن نفس الجيل الذي اختبر الليبرالية اليسارية في شبابه أو اقترب منها بأشكال مختلفة مع الحفاظ على المذاق الوسطي.

وكان من الطبيعي أن يأتي رد الفعل في تغليب المكوّن المحافظ الأميركي بكل عنصريته وغلوائه ليصل دونالد ترمب للحكم بوصفه ممثلاً ونتاجاً طبيعياً لثقافة المحافظة والأنانية الأميركية ولي الحقائق والمبالغات، فترمب ليس إلا تعبيراً عن مكوّنات رئيسة وعميقة في الثقافة الأميركية، ليس بالضرورة أيضاً أن تكون كل قراراته انعكاساً لكل عناصر الفكر المحافظ الإنجيلي، ولكنه امتداد لنفس التيار والفكر الذي استباح إبادة السكان الأصليين، بل ومجد هذا كعمل بطولي، يتضمن العديد من التناقضات في الممارسة الآن. وليس هنا موضع مناقشة الأبعاد المختلفة لذلك، ولكن علينا تذكر وجود إنجازات اقتصادية لا يمكن إنكارها، وأداء غريب للسياسة الخارجية لم يثبت نجاحه بعد في كثير من الملفات، حقق بعضها منافع اقتصادية لأميركيا.

في مواجهة هذا تبرز محنة الديمقراطيين، مع تراجع تيار الوسط الرئيس الذي كان يمكن الحزب من خلق التعبئة والوصول إلى الحكم، فكلما زاد الاستقطاب وبروز التيارات اليسارية والليبرالية التي عكسها تقدم ساندرز الذي ما زال في بداياته، كلما زاد التحفز بالمجتمع الأميركي اليميني والمحافظ للتشبث بمواقعه، في وقت يؤدي هذا الاستقطاب إلى ضعف الحزب الديمقراطي وصعوبة تعبئته أو صعوبة تسهيل دفع مكوناته الرخوة والعديدة إلى الاحتشاد اللازم لهزيمة الجمهوريين وترمب. ربما تكون هذه حسابات مبكرة، ولكن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة للحزب الديمقراطي الأميركي.

المزيد من تحلیل