ترحيل مدير "أوريدو الجزائر"... "خطأ مهني" أم "قرار أمني"؟

رئاسة الجمهورية تعاملت مع ملف نيكولاي بيكرز بشكل غير مسبوق

اتخذ تبّون قرار ترحيل مدير "أوريدو الجزائر" بعد إصرار الشركة على فصل أكثر من 900 عامل من الموظفين الجزائريين (رويترز)

رحّلت السلطات الجزائرية الرئيس المدير العام لشركة "أوريدو الجزائر"، الألماني نيكولاي بيكرز، عبر رحلة جوية انطلقت من مطار الجزائر الدولي، وقد جاءت إشارة الترحيل من أعلى مستوى بعد أخذ موافقة شخصية من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون. وبرّرت السلطات الجزائرية خطوتها بـ "اتخاذ مدير الشركة لقرارات طرد تعسفية ضد حوالى 900 عامل من الشركة".

وذكر مصدر أمني جزائري لـ "اندبندنت عربية" أن "قوة أمنية" اقتادت الرئيس المدير العام لـ"أوريدو الجزائر" إلى مطار الجزائر الدولي بعد تلقيها "الضوء الأخضر من أعلى مستوى"، في إشارة إلى رئاسة الجمهورية التي تعاملت مع ملف نيكولاي بيكرز بشكل غير مسبوق في تاريخ شراكة الجزائر الرسمية برأسمال أجنبي.

استهداف موظفين جزائريين فقط

واتخذ تبون قرار الترحيل على خلفية إصرار شركة "أوريدو الجزائر" على فصل أكثر من 900 عامل جزائري لديها، ومعلوم أن الشركة التي تنشط في مجال الهاتف النقال منذ بداية الألفية تحقّق أرباحاً خيالية ولا تعاني من أية صعوبات مالية قد تبرر قرار طرد العمال.  واستهدفت سياسة الشركة في خفض عدد اليد العاملة، الموظفين الجزائريين فقط، في حين تحافظ على مناصب الموظفين والإطارات الأجانب على الرغم من أن أجورهم تستنزف أموالاً ضخمة وبالعملة الصعبة.

وتلقت الرئاسة الجزائرية مراسلة "سرية" من نقابة الشركة قبل بضعة أيام، واستجابت المؤسسة الأولى في البلاد، ففتحت تحقيقاً على مستوى أجهزة أمنية، قبل أن يُعاد الملف إلى مكتب تبون الذي أشّر إلى قرار الطرد الفوري.

وبينما كان الألماني بيكرز، الرئيس المدير العام لـ "أوريدو الجزائر" المختلطة بين رأسمال جزائري قطري (80 في المئة من رأس المال مملوك لـ "كيوتل" القطرية) يغادر الجزائر بعدما رافقه ضباط من مصالح أمن الجيش، كان موظفون من "نقابة المؤسسة" يحتفون في مقر الشركة الرئيس بمنطقة "أولاد فايت" جنوب العاصمة، كما لاحظت "اندبندنت عربية".

وعُيّن بيكرز في منصبه في شهر أغسطس (آب) الماضي فقط خلفاً للسوداني عبد اللطيف حمد دفع الله، وهو ألماني الجنسية في رصيده 20 سنة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، قاد سابقاً عدداً من الشركات، متعددة الجنسيات في أوروبا وآسيا، من بينها شركة "دوتشيه تيليكوم الألمانية" و"تي أونلاين" الفرنسية، كما يحمل شهادة في إدارة الأعمال من جامعة كولونيا بألمانيا.

"أوريدو... تتحفّظ"

من جهتها، قالت شركة "أوريدو الجزائر"، في أول تعليق لها، بعد حادثة طرد وترحيل مديرها العام نيكولاي بيكرز من الجزائر، إنه "تبعاً للأخبار المتداولة في مختلف المواقع الإخبارية وعبر شبكات التواصل الاجتماعي في ما يخص المدير العام نيكولاي بيكرز، فإنها تتحفظ عن الإدلاء بأي تصريح حول هذه القضية"، وأوضحت الشركة في بيان مقتضب أرسلته لوسائل إعلام عبر "الفاكس"، أنها "إلى غاية الساعة بصدد انتقاء المعلومات المتعلقة بالموضوع".

نقابة الشركة تشكر تبون

ووجهت نقابة الشركة لاحقاً بيان شكر للرئيس الجزائري تحدثت فيه عن "تجاوزات خطيرة للمدير العام نيكولاي بيكرز"، مضيفةً أنها كنقابة مهنية "استنفذت جميع الوسائل الودية القانونية المتاحة، كما طالبنا الإدارة بإيقاف الاستخدام غير العقلاني لأموال الشركة، لكننا لم نجد آذاناً صاغية لدى الإدارة، ممثلةً بالمدير العام. أما لاحقاً، فنتمنى أن يكون قرار الرئيس تبون انطلاقة جديدة لمشوار الشركة التي تملك كفاءات عالية بإمكانها رفع التحدي".

ويعتقد الخبير في الشؤون الأمنية، العقيد المتقاعد من صفوف الجيش الجزائري، أحمد كروش لـ "اندبندنت عربية" أن "قرار الطرد ورد من أعلى مستوى بسبب بعض التقارير التي كشفت عن تجاوزات مهنية". واللافت، يقول كروش، إن "قرار طرد مئات العمال اتُّخذ خارج الجزائر من طرف دولة أجنبية. لذلك، كان الرد حاسماً. تلك القرارات صُنفت في الجزائر (طرد العمال) بالكيدية ضد العمال الجزائريين من دون غيرهم وصاحب القرار استهدف خلق بلبلة اجتماعية وربما مشاكل مهنية تضاف إلى الجبهة الاجتماعية".

ومعلوم أن "أوريدو الجزائر" مختلطة بين رأسمال عمومي وقطر، وذلك بعد انسحاب الشركة الوطنية للاتصالات الكويتية منذ بضع سنوات، فاسحة المجال لـ "كيوتل" القطرية للاستحواذ على حوالى 80 في المئة من أسهم المتعامل الكويتي. ومنذ 2013، تحوّلت الوطنية التي كانت تحمل اسم "نجمة" تجارياً إلى "أوريدو"، وحصلت الوطنية للاتصالات على رخصة استغلال الهاتف النقال في ديسمبر (كانون الأول) 2003 في الجزائر بفضل عرض قُدّر آنذاك بـ 421 مليون دولار، وذلك بعد أقل من ثلاث سنوات فقط من فتح مجال الهاتف النقال للقطاع الخاص.

تداعيات القرار

ولم يُتح للإعلام الجزائري الحصول على تفاصيل وافية عن قرار طرد المدير العام لشركة الاتصالات في مجال خدمات الهاتف النقال، فقد بدا قرار ترحيله "جافاً" من دون شروحات تؤكد أو تنفي وجود إجراءات قانونية تسبقه. وتفيد مصادر من محيط الشركة بأن قرار طرد المدير العام صدر ساعات قليلة فقط قبل تنفيذه، فقد ظل نيكولاي بيكرز يؤدي مهامه حتى مساء الثلاثاء الماضي، وكان آخر ظهور له في مأدبة عشاء على شرف الإعلام الجزائري في فندق "شيراتون" نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويقول الخبير الاقتصادي محفوظ كاوبي لـ "اندبندنت عربية" "المعطيات المتوفرة عن مبررات الطرد شحيحة جداً ولا يوجد بيان رسمي يشرح القرار"، مضيفاً "قد يؤثر ذلك سلباً في صورة الاستثمار الأجنبي في حال غياب تبرير واف، لكنه من الناحية السياسية، رسالة إلى جهة ما أو إلى المستثمرين الأجانب عموماً". وليست هذه المرة الأولى التي تثير فيها "أوريدو الجزائر" غضب السلطات الجزائرية، ففي عام 2014، أثارت زوبعة كبيرة داخل الفيدرالية الجزائرية لكرة القدم بعد دعوة المنتخب الوطني إلى تكريم أُقيم في الدوحة عقب عودته من مشاركته "المشرفة" في مونديال البرازيل، يومها كانت "أوريدو" الراعي الرسمي للفريق الجزائري لكرة القدم.

وتسبب التكريم في سحب "الرعاية" من هذه الشركة لصالح منافستها الجزائرية الحكومية "موبيليس"، وكانت حجة السلطات الجزائرية حينها "عدم إبلاغها بمراسم التكريم ونقل الفريق الجزائري إلى الدوحة من دون استشارة السلطات العليا في البلاد". ولم تتمكن "اندبندنت عربية" من التأكد من مصدر موثوق حول تقارير ربطت قرار طرد المدير العام من الجزائر بسبب "شكوك تخص نشاطات استخبارية معادية"، واكتفى معظم المصادر بربط القرار بخيارات مهنية "خاطئة" ارتكبتها الإدارة.

المزيد من متابعات