Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحلول الاقتصادية في لبنان ما زالت تخضع للتجاذب السياسي

"حزب الله" مربك لمسؤوليته عن "القرارات الموجعة"... فيطلب التوافق عليها

رئيس الحكومة حسان دياب يترأس اجتماعاً مع وفد صندوق النقد الدولي (الوكالة الوطنية)

بدأ صندوق النقد الدولي سلسلة اجتماعات مع كبار المسؤولين والوزراء المختصين من أجل البحث في الإجراءات التي يمكن للبنان اتخاذها في إطار الخطة الاقتصادية المالية التي وعدت حكومة الرئيس حسان دياب بوضعها، والتي أُعلن تشكيل لجنة وزارية إدارية لتسريع إنجازها.

ووفق قول رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الأربعاء الماضي، "مشكلتنا أننا في كل مرة ذهبنا إلى مؤتمرات اقتصادية، كنا نعد بالإصلاحات وحين نعود إلى البلد نزايد على بعضنا البعض"، فإن هناك خشية من أن تخضع المعالجات الملحة إلى التجاذبات السياسية مجدداً، كما حصل في الحكومة السابقة، فتتأخر الحلول مثلما أخرتها الخلافات سابقاً. فعنصر الوقت بات جوهرياً في ظل الأزمة التي يرزح تحتها اللبنانيون.

مشورة صندوق النقد بعد موافقة "حزب الله"

وأولى الخطوات الداهمة على الحكومة، اتخاذ قرارها النهائي في شأن هيكلة دين لبنان الذي تستحق أولى دفعاته في التاسع من مارس (آذار) المقبل، لعام 2020، بتأجيل دفعها، (مليار وحوالى 300 مليون دولار أميركي)، أو بدفع قسط منها وتأجيل الباقي بعد تفاوض مع حاملي سندات يوروبوندز. ويلحّ الخبراء الاقتصاديون والماليون اللبنانيون والدوليون، على أن أي قرار سواء بالتسديد أو بتأجيله، يجب أن يشمل خطة تطمئن المستثمرين في السندات، إلى خطوات مستقبلية متكاملة تعالج العجز في الموازنة وفي ميزان المدفوعات وتزيد الواردات وتؤمن السيولة النقدية وتنشّط الاقتصاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدا الاتجاه السائد وفق ما أعلنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، إعادة هيكلة الدين، إذ طلب لبنان مشورة شركات ومؤسسات دولية عدّة، سيتلقّى جواباً منها قريباً.

ومع إقرار الفرقاء، لا سيما المعارضين، بالحاجة إلى تسهيل عمل الحكومة وانتظار أفعالها، فإن استمرار الطبقة السياسية في تطويع الخطوات الاقتصادية والمالية للأهداف السياسية لا يبشر بالخير. إذ إن قرار لبنان الطلب رسمياً من صندوق النقد الدولي المساعدة التقنية، الذي كان يُفترض أن يتم فور نيل الحكومة ثقة البرلمان، تأخر في انتظار موافقة "حزب الله" عليه. فالحزب رفض الاستعانة بالصندوق كي يشترك في وضع الحلول وأن يعتمد لبنان وصفته التقليدية التي تشمل مقابل تمويل الدولة، فرض ضرائب وخفض تقديمات القطاع العام فيها.

ثمن سياسي أو سيادة وطنية

ويتخوف الحزب من الثمن السياسي الذي قد تسعى واشنطن عبر الصندوق، إلى فرضه على الحكومة مقابل الدعم المالي الذي يمكن أن يوفره لها. ويخشى تحديداً من طرح تقييد حركة الحزب في إطار المواجهة المتصاعدة بين أميركا وإيران عن طريق العقوبات. وهذا ما عبرت عنه كتلة نواب الحزب في بيانها الخميس، داعية إلى "اختيار أنسب الحلول المالية والاقتصادية تحت سقف القرار السيادي الوطني".

المعارضة تتجنب الموقف من تسديد الدين

ويقول مستشار الحريري المالي والاقتصادي نديم المنلا، الذي سبق أن عمل مع البنك الدولي وصندوق النقد، إن تقييد استعانة الحكومة بصندوق النقد، يحول دون أن يصدر الأخير أي توصية في شأن تسديد أو عدم تسديد الدين المستحق في مارس المقبل حتى لا يتحمّل تبعات ذلك، إذا جاء القرار غير محصن بخطة مرافقة له، وفق برنامجه الإنقاذي. وهذا يخلق لغطاً حول حدود المشورة التقنية التي ستُطلب من وفد الصندوق، الذي قد يكتفي بتوصيف تداعيات الاحتمالَيْن، ويقترح أن يترافق أي منهما مع خطة اقتصادية مالية تضمن حصول تدفقات مالية لاحقة تنهض بالاقتصاد. أما في حال طلب المساعدة المالية من الصندوق، فقد يدلي بدلوه عندها في شأن إعادة هيكلة الدين، من جهة، ويطلب خطوات إصلاحية ومالية وضريبية محددة، من جهة ثانية.

وبات معروفاً أن الخطوات هي رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 15 أو 16 في المئة ورسم خمسة آلاف ليرة على صفيحة البنزين وزيادة التعرفة على فاتورة الكهرباء، إضافةً إلى رفع مداخيل الخزينة بوقف التهرّب الجمركي والضريبي وتعديل سياسة تثبيت سعر صرف العملة الأجنبية، على أن يراقب تنفيذ هذه الإصلاحات. ويكون تمويل الصندوق في هذه الحالة محدوداً. فإذا تسببت خطته بالانكماش الاقتصادي ورفع البطالة الناجم عن الإجراءات القاسية، قد يزيد تمويله بتخصيص مبالغ تعالج تداعيات الفقر وانعكاساته الاجتماعية.

ويلفت قيادي في تيار "المستقبل" إلى أنّ مسؤوليه يتجنبون إبداء الرأي في مسألة تسديد الدين أو عدمه واللجوء إلى إعادة هيكلته (كذلك حزب "القوات اللبنانية" و"الحزب التقدمي الاشتراكي")، تفادياً لتحميله مسؤولية أي من الخيارين تقررهما الحكومة، إذا قاد إلى نتائج سلبية بسبب عدم تطبيق خطة إصلاح إنقاذية. ولم يصدر موقف واضح في هذا الصدد إلاّ عن رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، ناصحاً بعدم تسديد الاستحقاق وبوضع خطة شاملة.

التجاذب حول صلاحيات التفاوض

أما المؤشر الثاني لإخضاع الحلول إلى التجاذبات السياسية، فهو استمرار الصراع على مواقع النفوذ في السلطة بين قوى الفريق الواحد الداعم للحكومة. فمعاونو رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أصرّوا عند اتخاذ قرار طلب المشورة التقنية لصندوق النقد في اجتماع اللجنة الوزارية التي بحثت الأمر، على أن يتم ذلك بموافقته في الدرجة الأولى، وليس موافقة رئيس الحكومة ووزير المال لأن المادة 52 من الدستور تعطيه صلاحية "المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة". بالتالي، فإنّ أي قرار بالاتفاق مع صندوق النقد يجب أن يتم معه هو بداية. هذا مع أن أي قرار بنتيجة التفاوض، سيُتَّخذ في مجلس الوزراء.

تلزيم الكهرباء وممانعة "التيار الحر" ومشكلة التمويل

المؤشر الثالث هو بند تأهيل الكهرباء الذي يشكّل مفتاح المعالجات بالنسبة إلى المجتمع الدولي والدول المانحة التي ترى أنه المؤشر الأول لحسن إدارته بعد سنوات من الفشل ومراكمة الديون، وشبهات الفساد والصفقات. فالدول الأعضاء في مؤتمر "سيدر"، لا سيما فرنسا وألمانيا لا تفوّت مناسبة لتلحّ على إصلاح هذا القطاع واعتماد الشفافية فيه، باعتباره نموذجاً لهدر المال العام، إلى درجة وصف أوضاعه من قبل المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان السفير يان كوبيش بأنها "معيبة".

ويجري تناقل الروايات بين البعثات الدبلوماسية الأجنبية في لبنان بشكل علني، كيف رفض وزراء "التيار الوطني الحر" الذين تولّوا حقيبة الطاقة منذ عام 2010 وتحديداً رئيس "التيار" الوزير جبران باسيل تمويل إقامة المعامل من قبل الصندوق الكويتي للتنمية بفائدة متدنية مع فترة سماح للتسديد على 30 سنة، والعرض الألماني عبر شركة "سيمنز" وقبله الفرنسي عبر شركة فرنسية بالتعاون مع "جنرال إلكتريك" الأميركية بأسعار أقل من التي فاوضت عليها الوزارة لتمويل المشروع من الخزينة اللبنانية.

والتجاذب ما زال قائماً حالياً بين اتجاه لدى بري ودياب، حول اعتماد العرض الفرنسي، لبناء معمل الزهراني، خلال مدة سنة، على طريقة (B.O.T) من دون تكبّد لبنان التمويل، ما يعني تولي الجانبين الأميركي والفرنسي الرقابة من دون سمسرات وعمولات.

فوزارة الطاقة ما زالت بعهدة "التيار الحر"، لأن الوزير ريمون غجر كان مستشاراً للوزير باسيل حين تولى هذه الحقيبة، ثم لمن تولوا المهمة بعده من وزراء "التيار". ومثل العديد من القادة السياسيين الذين يحمّلون "التيار الحر" مسؤولية التأخير في إنجاز هذا الملف، يعتبر رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع أن اشتراط الوزارة تعديل قانون الكهرباء قبل تلبية مطلب المجتمع الدولي والفرقاء اللبنانيين وبينهم "القوات" تعيين الهيئة الناظمة للقطاع، نوعاً من التشاطر بهدف احتفاظ الوزير بصلاحيات إدارة القطاع. ويسأل جعجع: هل المطلوب أن يكون القانون على قياس الوزير؟

لكن تمويل "جنرال إلكتريك" أو غيرها أي مشروع يصطدم بالأزمة التي تعانيها المصارف اللبنانية والعملة الوطنية، لجهة وقف التحويلات إلى الخارج، وارتفاع سعر صرف الليرة، لأن استثمارها جزءاً من القطاع سيتم بالليرة اللبنانية (الجباية) وتسديدها الأموال المستثمرة بالاقتراض من الخارج متعذر، إذا استمر الوضع على حاله، ما يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، وهذا يعني أن حتى تأهيل الكهرباء يحتاج إلى التوافق السياسي على الخطة المتكاملة لطمأنة المستثمرين.

القرارات الموجعة للحزب

كل هذا يعيد الأمور إلى الحاجة إلى القرارات الموجعة التي تتطلّب حداً أدنى من التوافق، ما دفع الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصر الله الأحد الماضي إلى "فصل معالجة الملف الاقتصادي والمالي عن الصراع السياسي". فنصر الله، على الرغم من اعتباره أن الترويج بأن الحكومة هي حكومة الحزب "يؤذي علاقات لبنان العربية والدولية"، أكد بطريقة مباشرة أنه أكثر الفرقاء تبنّياً لها حين شدّد على دعمها "ولن نتخلّى عنها لأن البعض حاول أن يروّج هذا الموقف".

وهو يستهول المشكلة التي على الحزب التصدي لها من موقع المسؤولية عن تركيب هذه الحكومة. كما أنه يتأرجح بين اضطراره إلى تبنّيها الكامل باعتباره صاحب الكلمة العليا في قرارات السلطة اللبنانية، وبين افتقاده إلى الغطاء الذي شكّله رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في الحكومتين السابقتين من عهد الرئيس عون، لأن حكومة دياب لا تتمتع بالغطاء السني. وهذه مفارقة مربكة، خصوصاً أنه قال "مستعدون أن نتحمل كامل المسؤولية وأن نتشارك في المسؤولية لمعالجة الأوضاع القائمة"، ما يعني أنه مثلما جاء طلب مشورة صندوق النقد بإجازة منه، فإنّ عليه أن يقدّم البدائل لوصفة الصندوق الموجعة التي سيتحمل مسؤوليتها أمام جمهوره وسائر اللبنانيين الرافضين لزيادة الضرائب. فعليه تقع مسؤولية الضغط على حليفه "التيار الحر" لتسهيل الحل المقبول في الكهرباء.

وهو يدرك، مثل رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني أن عرض طهران المتكرر بالمساعدة في قطاع الكهرباء ترويج إعلامي غير قابل للتطبيق في ظل العقوبات، ولذلك أرفقه لاريجاني بالقول "لا نلزم أحداً بهذا الأمر"، مثلما كان تكرار دعوة الرئيس عون إلى زيارة إيران، رفعاً للعتب، لأن الأخير يتجنب إغضاب الدول العربية والغربية أكثر ممّا هي غاضبة على تحالفه مع الحزب.

وعلى الحزب أيضاً، قبول قرار موجع يؤثر في تمويله، هو ضبط التهريب من المعابر والتهرّب الجمركي، الذي يقع في جزء كبير منه تحت نفوذه، إذا كان تحسين إيرادات الخزينة من هذا الباب هو بديل لرفع الرسوم. هذا على الرغم من أن بعض الاقتصاديين يشككون في أن يكون مردوده (حوالى مليار دولار) كافياً لخفض العجز والقصور الماليَّيْن.

المزيد من تحلیل