مدينة مرزق الليبية بيد الجيش ...وحسابات حكومة الوفاق تتغيّر

طوال الحصار، حاولت حكومة الوفاق الوطني أن تُرْبِكَ المشهد الجنوبي، وتُعرقل حركة الجيش تمهيداً لإيقافها نهائياً

أهالي مدينة مرزق يقفون أمام القلعة التاريخية دعماً لجيش حفتر (تصوير وائل احمد)

نجحت قوات الجيش الليبي في بسط سيطرتها على مدينة مرزق جنوب البلاد، بعد أسابيع من الحصار والتفاوض والاشتباك، مع المجموعات المسلحة المناوئة للجيش، والتي كانت تتحصن داخل المدينة، ويعتبر دخول القوات المسلحة إليها مرحلة جديدة في طريق نهاية سلطان حكومة الوفاق في الجنوب الليبي.

الوفاق حاولت إدارة الحرب لصالحها من دون جدوى

 طوال الحصار، حاولت حكومة الوفاق الوطني أن تُرْبِكَ المشهد الجنوبي، وتُعرقل حركة الجيش تمهيداً لإيقافها نهائياً، فبدأت في تبني الجماعات المناوئة للجيش في مرزق، وأصدرت أمراً بتكليف علي كنه آمراً للمنطقة العسكرية الجنوبية، وشرعت في إغداق الأموال بغية حشد الأنصار وتقوية جبهتهم، لكنَّ كل تلك التدابير لم تكن في حجم التوازنات القبلية والمصلحية على الأرض، فالخلاف الذي تعيشه بعض قبائل الجنوب كان أكبر من ذلك، ورغبة الأطراف في تسجيل نقاطٍ ضد خصومها، مهما كان الثمن، كانت الأقوى. كما أن الحليف الذي اعتمدته الوفاق لم يكن يحمل إليها نسبة كبيرة من الانتماء، فقبائل "التبو" كانت واضحة في تحالف بعضها مع حكومة الوفاق، فهي تريد الجيش، إلا أن اعتراضها كان على بعض الكتائب الآتية إلى مدينتها معه، فتراها كتائب تنتمي إلى قبائل ليست على تصالح مع "التبو"، وتأتي للانتقام لا غير، وفي حال سُحِبتْ هذه الكتائب من المشهد فإن "التبو" سترحب بالجيش، ولكنَّ تعنت الأخير ورفضه أن تُحْسبَ كتائبه بمنظور اجتماعي، تسبّبا في انغماس "التبو" أكثر مع حكومة الوفاق.

الجيش في حاجة إلى فرق تستميت في القتال

كانت قوات الجيش في حاجة إلى الاستماتة في القتال حتى تتمكن من تحقيق هذا النصر وإسقاط المدينة، يقول عضو هيئة التدريس في جامعة سبها خالد الشيباني، إن قبيلتَي أولاد سليمان والزوية كانتا في خلاف دائم مع "التبو"، ودخلت كل منهما في حروبا متواصلة لم تفضِ إلى انتصار واضح لأحد الأطراف، ما دفع قيادة الجيش للاعتماد عليهما في عملية تحرير مدينة مرزق ضمن الكتائب الأخرى، والتي لا تقل تنظيماً، ولكن الزوية وأولاد سليمان ستكونان أكثر استماتة في القتال، كما إنهما تعوّدتا على فنون الحرب في الصحراء، وتمرستا على أساليب "التبو" في القتال، وهو ما يشجع على تقديمهما وزيادة دعمهما بكتائب الجيش الأخرى الآتية من شرق البلاد.هذه السياسة كانت ناجحة، فعمليات مرزق كانت مستمرة ولم تهدأ حتى تمكنت القوات من دخول المدينة، التي خرج أهلها مُرحبين بالجيش الذي حرّرهم من سيطرة المليشيات المسلحة التي ظلت تتحكم بالمدينة منذ العام 2011 منذ انتهاء حكم العقيد القذافي.

الوفاق في وضع حرج

بعد سقوط مدينة مرزق، أصبحت حكومة الوفاق في وضعٍ حرج، فقد فقدت السيطرة على معظم الأراضي الليبية في شرق البلاد وجنوبها، وفقدت الحقول النفطية التي كانت تعتبر أحد أهم أوراقها التفاوضية، وفقدت زمام المبادرة لِتُصْبِح في موقف المفعول به، وتنتظر ما الذي قد يُقْدِم عليه خصمها في شأنها، فلم تستطع الأموال التي أغدقتها حمايتها، ولم يُغنها الاعتراف الدولي بها شيئاً.

قوات الجيش التي لا تزال تحت نشوة الانتصار، بدأت في تطهير المدينة، ولاحقت أرباب العصابات المسلحة، وعملت على تفعيل المؤسسات الإدارية فيها، ومحاولة مساعدة الأهالي على إعادة الحياة والحركة في مدينتهم، وبطبيعة الحال، فقد وقع بعض الأعمال الانتقامية على منازل عدة في مرزق، وهذه الأعمال تقع على عاتق الجيش مراجعتها ومعالجتها، فهي قد تتسبّب في وقوع شرخٍ اجتماعيٍ في المدينة قد يصعب حله مستقبلاً.

الجيش...إلى القطرون

الآن، تنطلق وحدات الجيش إلى مدينة القطرون التي تبعد 1150 كلم جنوب طرابلس، هناك علت فيها الأصوات المطالبة بالتعاون مع الجيش، وعدم إدخال المدينة في أتون حرب غير متكافئة كما وقع في مرزق، فالوفاق لن تستطيع تقديم شيء إلى القطرون، ومعظم المليشيات المسلحة كُسِر ظهرها وصارت مكشوفة أكثر مما يجب، والاعتماد عليها في مقاومة الجيش ضرب من الجنون، هذه النظرة أسهمت في تهدئة الأوضاع، ومهدت لاستقبال الجيش.

الوفاق وتدابير الإنقاذ

الواقع الجديد دفع حكومة الوفاق الوطني إلى الاستعداد للمرحلة المقبلة، وبدأت في اتخاذ خطوات عدة، أهمها تعزيز سلطانها في مدن المنطقة الغربية، والعمل على المزيد من الإصلاحات الاقتصادية، والتأكيد على وضعها الشرعي كحكومة معترف بها دولياً، وأخيراً السماح بتنشيط قنوات التفاوض والحوار مع قيادة الجيش، تنشيطاً أفضى إلى الحديث حول لقاء مرتقب يجمع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السرّاج مع القائد العام للجيش خليفة حفتر.

الجيش ومهمات صعبة، فهل ينجح؟

 أما بالنسبة إلى الجيش، فأمامه مهمة صعبة بعد السيطرة على مرزق، إذ عليه أن يُؤمِن مناطق الجنوب، ويضْبط الحدود الممتدة على آلاف الكيلومترات في الصحراء، والمليئة بمختلف الجماعات والعصابات الممتهنة التهريب بمختلف أنواعه من سنوات طويلة، كما يقع على عاتقه البدء في التعاطي مع ملف الهجرة ومحاولة ضبط هذا الملف، والعمل على معالجته، ولكن الأهم من كل ما سبق، هو العمل من أجل تحقيق مصالحة حقيقية بين المكونات الاجتماعية التي تعيش خلافات تراكمت منذ سنين، وإن نجح في تحقيق هذه المصالحة وحماية الحدود وضبط الهجرة والمهربين، فإن عملية تحرير الجنوب ستكون قريبة، وتتحوّل من عملية عسكرية لبسط السيطرة إلى مشروع إنقاذ الجنوب الليبي.

المزيد من العالم العربي