Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تعريف "الناشر الفائق" لفيروس "كورونا" وكيف يؤثر على مسار العدوى

هل جرت شيطنة إعلامية لمن نقلوا المرض إلى كثيرين أم أنه مصطلح مناسب؟

يعمل العلماء بدأب على التعامل مع الأبعاد المختلفة لفيروس "كورونا"، خصوصاً استخدام تركيبته الجينية في صنع دواء شافٍ (أ.ف.ب.)

نقل رجل في مدينة برايتون البريطانية الجنوبية فيروس "كورونا" إلى ما لا يقلّ عن أحد عشر شخصاً آخر في ثلاث دول مختلفة، ما أدّى إلى تسميته "الناشر الفائق" ("سوبر سبريدر" Super Spreader).

وقد أصيب ذلك الرجل الخمسيني بفيروس "كورونا" خلال حضوره مؤتمر أعمال في سنغافورة، ثم سافر إلى فرنسا لقضاء عطلة تزلّج، فمرّر العدوى إلى خمسة أشخاص تقاسم معهم إحدى الشاليهات، بمن فيهم أحد الأطفال، قبل أن يعود إلى المملكة المتّحدة على متن طائرة تابعة لشركة "إيزي جيت" من جنيف.

واستطراداً، يعتبر ذلك النمط في انتقال العدوى من فرد إلى مجموعة كبيرة من الأفراد، ظاهرة غير عادية. فحتى الآن لم يُسجّل لفيروس "كورونا" انتقال لشخصين أو ثلاثة من  نفس الشخص المُصاب. وقد تجاوز عدد ضحايا فيروس "كورونا" حتى الثلاثاء الماضي الألف شخص. وثمة سؤال مطروح عن سبب نشر بعض المُصابين الفيروس بين عددٍ كبير من الناس يفوق ما ينقله مُصابون اخرون. واستطراداً، ما  الذي يجعل مُصاباً ما يصل إلى وضعية "الناشر الفائق" للعدوى، وهل يمثّل ذلك مصطلحاً طبّياً مناسباص أو مجرّد وسيلة لشيطنة أفرادٍ بسبب أمر يمكن القول إنه خارج عن إرادتهم؟

 

ماذا يعني "الناشر الفائق" للفيروس؟

على الرغم من أن "منظّمة الصحّة العالمية" لم تعتمد هذا التعريف بشكل حاسم، إلا أن صفة "الناشر الفائق" تطلق للإشارة إلى المريض الذي يصيب أشخاصاً آخرين بالداء أكثر من المعدل العام لانتقال الفيروس من المُصاب إلى الأصحاء. وقد لاحظنا حتى الآن مع فيروس "كورونا" أنه كمعدّل وسطي يُصاب شخصان أو ثلاثة بالعدوى من كلّ مريض. وفي المقابل، لأن هذه الأرقام مجرّد معدّل إحصائي متوسّط بطبيعة الحال، فقد ينقل بعض المُصابين الفيروس إلى عدد أكبر من المعدل، فيما ينقله آخرون إلى عدد أقل.

وأوضح مارك وولهاوس أستاذ علم الأوبئة والأمراض المعدية في "جامعة إدنبره"، في حديث إلى موقع "اندبندنت"، أنه "مع وجود "ناشرين فائقين" للفيروس، فإنكم لا ترون سوى نهاية نمط نشر العدوى ضمن المعدل الوسطي".

ويعني ذلك أنه مع أمراض أخرى غير فيروس "كورونا"، يمكن أن يختلف تعريف "الناشر الفائق" لأن متوسّط عدد الأشخاص المصابين من كلّ مريض، يتفاوت بين مُصاب وآخر. ومثلاً، خلال تفشّي مرض "سارس" في 2002، سُجّل أن الشخص الذي يصيب ثمانية أشخاص على الأقل، يصحّ أن تُطلق عليه تسمية "ناشر فائق" للفيروس.

 

ما الذي يجعل من المصاب "ناشراً فائقاً" للمرض؟

ترتكز المقاربة العلمية التي اعتُمدت منذ نحو عقدين في الأقل، على قاعدة 20/80، التي تشير إلى إمكانية أن يكون فرد واحد من بين كلّ خمسة أشخاص مسؤولاً عن نشر الفيروس بين الثمانين في المئة الآخرين. وبالتالي يمكن تسمية ذلك المُصاب بأنه "ناشر فائق" للمرض. في المقابل، يشدّد البروفيسور وولهاوس على إن هؤلاء [الناشرين الفائقين] ليسوا المعيار [في قياس إمكانية نقل العدوى من المُصابين الى الأصحاء].

ويضيف أستاذ علم الأوبئة والأمراض المعدية في "جامعة إدنبره"، "لا نعلم السبب في كون بعض الناس "ناشرين فائقين" للفيروس. ويتجسّد السؤال طبيّاً في إمكانية أن يتعلق الأمر بمجرّد المصادفة، وبسلسلة من مصادفات سيئة الحظ، أو وجود شيء ما غير اعتيادي لدى هؤلاء الأشخاص".

ويشير وولهاوس إلى وجود نظريّتين محتملتين في شأن طريقة وصول أفرادٍ إلى وضعية "الناشر الفائق". ووفق كلماته، "قد يكون أحد الأسباب أن بعض هؤلاء الأشخاص أخرجوا كميات كبيرة من الفيروس ما يجعلهم أكثر تأهيلاً لتوزيع الإصابة بهذا الفيروس. ومن المحتمل أيضاً أن يعاني هذا النوع من المُصابين المرض [الذي يسببه الفيروس] أكثر من سواهم ما يجعلهم أكثر عرضةً لتلقي العلاج في المستشفى، وبالتالي يصيرون خطراً لجهة نشر المرض في المستشفيات".

وفي المقابل، يرى البروفيسور بريندان رين أستاذ الإمراض الجرثومية في "كلية لندن للصحّة والطب الاستوائي"، أنه لا يوجد دليل واضح على أن هذا ما يحدث حتى الآن مع فيروس "كورونا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير البروفيسور وولهاوس إلى أن "النظرية الأخرى، قوامها أن أجساد هؤلاء "الناشرين الفائقين" تتعامل بشكل أفضل مع الفيروس ولا تظهر أعراضه عليهم، وتالياً فقد تسير أمورهم في شكل طبيعي ولا يعرفون أنهم مصابون بالداء".

ويلفت أيضاً إلى أنه من غير الممكن لـ"الناشرين الفائقين" أن يعرفوا ذلك عن أنفسهم، ومن المحتمل وجود عوامل عدّة تلعب دورها في هذا الإطار.

بقول آخر، إن التواصل مع عدد أكبر من الناس، إما من خلال وظيفتك أو عن طريق التنقل بانتظام مثلاً في الأماكن المزدحمة أو الرحلات الجوية الطويلة، يمكن أن يجعلك أكثر عرضة لنقل الفيروس من أولئك الذين يعيشون حياة أشد عزلة.

وفي ذلك الصدد، يلفت الدكتور ستيفن غريفين الأستاذ المساعد في "جامعة ليدز" إلى "أن المشكلة مع مصطلح "الناشر الفائق، تتمثّل فيي أنها تعني أن الشخص المعني هو في حدّ ذاته أكثر قدرة على نقل المرض بالمقارنة مع آخرين. وفي الواقع، يجب أن نتذكّر أن انتشار فيروس مثل "كورونا" يرتكز إلى عددٍ من العوامل التي تتضمّن في النهاية انتقال العدوى وتفشّيها. وهذا يعتمد على المريض وعلى مرحلةٍ المرض التي يعانيها، إضافةً إلى سلوكه وبيئته وعامل الوقت بالطبع".

 

هل يجب استخدام مصطلح "الناشر الفائق" للفيروس؟

لم تعتمد "منظّمة الصحّة العالمية" رسمياً مصطلح "الناشر الفائق" في وصف المرضى. وكذلك أكّدت "هيئة الصحّة العامّة في إنجلترا" في سياق حديثها مع موقع "اندبندنت" أنها لا تستخدمه أيضاً. وفي المقابل، يعتبر البروفيسور وولهاوس من "جامعة إدنبره" أنه ربما يكون استخدام المصطلح مناسباً في بعض السياقات، مع وجوب توخّي الحذر في شأن كيفية استعماله. ويضيف، "على الرغم من أنني أدرك وجود مصطلح "الناشر الفائق" في علم الأوبئة، إلا أنني لم أصف شخصاً به، وأفضّل أن أقول بدلاً من ذلك "لقد حدث نشر فائق للفيروس"".

ووفق كلماته، "أودّ أن أصف حالة ذلك المصاب في "برايتون" مثلاً، بكلمات من نوع أنه حدث نشر فائق للفيروس، لأن مسبّبات وقوعه ترتبط بعدد من العوامل، بما في ذلك الفرد المُصاب والفيروس وسِجِل اتصاله بالآخرين،  بمعنى وجود مزيج من عوامل عدّة مجتمعة. ولا يوجد سياق للقول إن هذا الشخص قد ارتكب خطأ ما. فنحن لا نعرف البيولوجيا الكامنة وراء الفيروس حتى الآن".

وتوافق على ذلك الدكتورة سيلفي بريان، مديرة قسم الأمراض الوبائية والمعدية في "منظّمة الصحّة العالمية". وكذلك تشعر بقلق من أن الأفراد الذين يوصفون بأنهم "ناقلون فائقون" للفيروس، قد يتعرّضون لوصمة تشوّه سمعتهم. ووفق كلماتها، "نحن في حاجة إلى التكلّم عن أحداث نشر فائقة وليس عن الأشخاص [المُصابين]. إذ تتحمل الظروف والأوضاع المسؤول]ة عن تفشّي الفيروس، وتتسبّب في انتقال العدوى، وليس الشخص نفسه".

 

أين ومتى سُجّلت "أحداث نشر فائقة" للأمراض؟

تعد "أحداث النشر الفائقة" سمةً كلّ تفشي فيروسي في جميع أنحاء العالم تقريباً، وتشكل جزءاً مهمّاً من انتشار الأمراض، ولا سيما في المراحل المبكّرة عندما تسيطر العدوى على البشر. وقد وُثّقت على مدى مرحلةٍ زمنية تعود إلى 1900، عندما أصابت امرأة واحدة تُدعى ماري مالون نحو واحدٍ وخمسين شخصاً بعدوى التيفوئيد، على الرغم من عدم ظهور أعراض مرضية عليها.

ومع اندلاع داء "إيبولا" في 1995 في جمهورية الكونغو الديموقراطية، ساد اعتقاد أن شخصين قد أصابا بالفيروس حوالى 50 شخصاً. وعند تفشّي الفيروس نفسه في 2014، جرى توثيق مؤكّد بأن جنازة [متوفي بالمرض] شكّلت نقطة انطلاق نحو مئة سلسلة انتقال جديدة للمرض. ومع وباء "سارس" بين عامي 2002 و2003، ظهر ناشرون فائقون في سنغافورة، وأصاب كلّ فرد منهم حوالى 10 أشخاص.

وفي فنلندا، أصاب طالب في مدرسة ثانوية إثنين وعشرين آخرين بداء الحصبة في 1998 على الرغم من أن ثمانية منهم قد تلقّوا تلقيحاً ضدّ المرض.

 

هل يغيّر ذلك من طريقة تعاملنا مع فيروس "كورونا"؟

تشير "هيئة الصحّة العامّة في إنجلترا" إلى أن ظهور "ناشرين فائقين" للمرض في المملكة المتّحدة لم يغيّر الاستراتيجية المستخدمة، ما يؤكد على أهمية الاكتشاف المبكّر والإبلاغ الذاتي والعزلة الذاتية.

ويرى البروفيسور وولهاوس إنه "سيكون من الجيّد لو أننا فهمنا أكثر في الوقت المناسب، عن "الناشرين الفائقين" كي نتمكن من التعامل معهم مباشرة أثناء تفشّي المرض. في الوقت الراهن، لن يغيّر ذلك من طريقة تعاملنا مع الفيروس، بل يعزّز أهمية الاستراتيجية المعتمدة حاضراً".

وفي أحدث بيان صادر عن "الكلية الملكية للأطباء" في بريطانيا، يعتقد البروفيسور مارتن مارشال إن "التهديد الراهن في المملكة المتّحدة لا يزال معتدلاً. وينبغي ألا يشعر المرضى بقلق لأنه لا يزال من المرجّح أن تظهر أعراض الأنفلونزا على شخص ليتبيّن لاحقاً أنه مصاب فعلياً بـ... الإنفلونزا".

وأضاف مارشال، "مع ذلك، وفي ضوء المعطيات التي ظهرت في "برايتون" بشأن أفراد من فريق العمل الطبي الذين أظهرت التحاليل أنهم يحملون فيروس "كورونا"، لا بدّ من تذكير الناس بأنه من الضروري ألا يحضر بنفسه إلى عيادة طبيب عام أو أحد أقسام الطوارئ في المستشفيات، كل شخص يعتقد أنه يعاني أعراضاً يشتبه في أنها ناجمة عن الإصابة بفيروس "كورونا"".

واستطراداً، يسدي مارشال نصيحة لهؤلاء "بأن عليهم البقاء في منازلهم والاتصال برقم الطوارىء التابع لـ"هيئة الخدمات الصحّية الوطنية"، ويبلغوا من يتحدث معهم هاتفياً عمّا إذا كانوا قد عادوا أخيراً من أمكنة كالصين وتايلاند واليابان وجمهورية كوريا وهونغ كونغ وتايوان وسنغافورة وماليزيا وماكاو".

© The Independent