Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طار الدولار في سوق بيروت... فطارت الليرة اللبنانية

أدت محاولات ضبط الصرافين إلى نشوء "سوق سوداء" حيث لا رقابة

مضى على بدء أزمة الدولار في لبنان أكثر من ثمانية أشهر، فقدت خلالها العملة الوطنية نحو 60 في المئة من قيمتها (مواقع التواصل)

في الوقت الذي تخصص الحكومة اللبنانية كل جهودها من أجل حسم قرارها بشأن دفع إصدار الـ"يوروبوندز" المستحق في 9 مارس (آذار) المقبل، من عدمه، وتستعد لاستقبال بعثة من صندوق النقد الدولي لتقدم لها الاستشارة والمساعدة التقنية حول كيفية مواجهة الوضع المتأزم، كان الانهيار يضرب مجدداً في سوق القطع، حيث سجّلت العملة الأميركية مستويات جديدة غير مسبوقة مقابل الليرة منذ اندلاع أزمة الدولار قبل نحو خمسة أشهر.

 هل هي أزمة سيولة؟ أم أزمة ثقة؟ أم هي بكل بساطة، وعلى الرغم من تعقيداتها، مزيجاً من الاثنتين معاً، كانت نتيجته تشكّل حالة من الهلع لدى اللبنانيين، دفعتهم الى التهافت على حيازة الورقة الخضراء لأكثر من سبب وسبب؟

فإلى جانب التجار الذين يعمدون إلى شراء الدولار من السوق، وبكميات كبيرة لتمويل مشترياتهم من الخارج، بعدما وضع المصرف المركزي سقوفاً على فتح الاعتمادات التجارية، هناك في أوساط المواطنين مَن يحاول الإفادة من الفارق بين السعر الرسمي للتداول، المحدد من المصرف المركزي بـ 1517 ليرة لبنانية للدولار الواحد وبين السعر في السوق الموازي لدى الصرافين لتحقيق أرباح دورية. 


الانتظار أمام المصرف


ويروي المواطن سلام م. يومياته، بعدما فقد وظيفته بسبب التدهور الاقتصادي في البلاد، فيقول إنه ينتظر في ساعات الصباح الأولى أمام باب المصرف، ليحصل على حصته من حسابه المصرفي بالدولار، ثم يتوجه عند الصراف ويصرفه بسعر السوق، فيحقق ربحاً يتيح له الإنفاق في السوق لابتياع حاجات منزله الاستهلاكية، بحيث يقلّل من تأثير ارتفاع الأسعار بسبب فارق العملة. وحال هذا المواطن، هي حال غالبية اللبنانيين الذين يستعطون منّة المصارف للحصول على جزء يسير من ودائعهم ومدّخراتهم لتأمين حاجاتهم اليومية. 

في المقابل، دفعت حالة الهلع السائدة نتيجة انعدام الثقة بالسلطة السياسية من جهة وبالمصارف من جهة أخرى، جزءًا كبيراً من اللبنانيين إلى الاحتفاظ بالدولارات في خزناتهم الخاصة، استعداداً لأيام صعبة يتوقّعونها، في حال فُقدت العملة الورقية من السوق، وبات الاعتماد حصراً على التعامل الإلكتروني أو عبر الشيكات وبطاقات الدفع الإلكترونية، علماً أن هذه أيضاً بدأت تشهد أزمة، لا سيما بعد خفض سقف السحوبات في الخارج لدى بعض المصارف الكبرى إلى 500 دولار أميركي في الأسبوع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


المسار التراجعي مستمر
 

مضى على بدء أزمة الدولار في لبنان أكثر من ثمانية أشهر، فقدت خلالها العملة الوطنية نحو 60 في المئة من قيمتها، إذ ارتفع الدولار من 1500 ليرة، وهو السعر المثبت منذ نحو 3 عقود إلى 2600 ليرة، في سوق متفلّتة من أي رقابة، يتحكم بها الصرافون، متذرّعين بقاعدة العرض والطلب، فيما المصرف المركزي يقف عاجزاً عن ضبط السوق، بذريعة أن مهمته حماية النقد الوطني والاستقرار النقدي، وليس مسؤولاً عن الدولار، وهذا كلام حاكم "المركزي" رياض سلامة نفسه، علماً أنه حمى على مدى أعوام طويلة، وفي حالات الاضطرابات والأزمات، الاستقرار، وبكلفة باهظة جداً. فما بين مطلع عام 2019 ونهايته، فقد المصرف المركزي نحو 3 مليارات دولار، فيما خسر نحو نصف مليار دولار منذ مطلع العام الحالي وحتى اليوم. كما فقد نحو 3 مليارات من احتياطاته في الفترة التي تلت استقالة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عام 2017.

ومع تراجع احتياطات المركزي من العملات، بدأت حسابات الحاكم تختلف، وكان عليه الاختيار بين دعم الليرة وبين تأمين الاعتمادات المطلوبة لاستيراد النفط والقمح والدواء لتلبية حاجات لبنان، علماً أن هذه الحاجات تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً.

وعندما قرّر سلامة تثبيت الدولار لدى المصارف، كان يعي تماماً أنه لن يتمكن من منع نشوء سوق موازية أو ضبط الصرافين. وهذا ما حصل إلى أن بلغت الأزمة أشدها عندما دعا الصرافين إلى اجتماع في مكتبه وألزمهم بتحديد سقف السعر بـ 2000 ليرة. وأدى هذا الطلب إلى نشوء سوق ثالثة هي السوق السوداء التي تفلَّت فيها الدولار من أي رقابة.

في اليومين الماضيين، تدخل المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم، داعياً رئيس جمعية المصارف سليم صفير ونقابة الصرافين من أجل استيضاحهم حول حقيقة ما يحصل في السوق والسبل القانونية المتاحة للجم المضاربات.

لا يعير صفير أهمية لهذه السوق التي لا تشكّل أكثر من 7 في المئة من حجم التداول كما أوضح لموقعنا، ولكن هذا لا يعني أن هذه السوق لا تحتاج إلى ضبط وتنظيم، خصوصاً أنها تؤثر في القدرة الشرائية للمواطنين.

حتى الآن، لا يبدو أن المعالجات الجارية كفيلة بضبط السوق في ظل توقعات متشائمة جداً للخبراء الاقتصاديين والعاملين في المجال حيال قفزات متسارعة سيشهدها الدولار، متفلّتة من أي سقوف، خصوصاً أن لبنان أمام استحقاقات مالية تدفعه نحو خيارات مؤلمة وصعبة تتّجه نحو تخلفه عن سداد ديونه ودعوة الدائنين من حمَلة السندات إلى التفاوض على إعادة جدولة تلك الديون، بمساعدة تقنية من صندوق النقد الدولي الذي تصل بعثته إلى بيروت الأربعاء.

وعليه، يبقى السؤال الذي يحيّر الأوساط المالية في العاصمة اللبنانية، إذا طار الدولار كما هو مقدَّر له، فهل تطير الليرة معه، وبأي كلفة، وأي تداعيات على اللبنانيين ومعيشتهم؟ وهل من إجراءات يمكن أن تلجأ إليها الحكومة لتخفيف وطأة الانهيار النقدي على ذوي الدخل المحدود والمتوسط، علماً أن نسبة الفقر في لبنان تجاوزت الـ50 في المئة، مطيحة بذوي الدخل المحدود وبالطبقة المتوسطة في البلاد؟