Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أميركيون يشكون من مياه صنبور مسرطنة

دراسة جديدة تكشف أنّ عناصر البولي فلورو ألكيل قد تكون منتشرة في مدن أميركية أكثر من المتوقّع

"هل مياه الشفة في منزلك آمنة؟" هو سؤال رفعته حملة توعية أميركية في أكثر من مدينة بالولايات المتحدة (ون وومن إنسباير.كوم)

بعد ثلاث سنوات على انتقالها إلى ولاية نورث كارولاينا، تكشف إيميلي دونوفان عن اعتقادها بأنّ مياه الصنبور في منزلها بدأت تصيب زوجها بالعمى ببطء.

أسفل مجرى النهر بعد مصنع فاييتفيل ووركس –وهو مجمّع واسع أدارته في السابق شركة دوبون قرب نهر كايب فير حيث تنتج المواد الكيميائية التي تدخل في صناعة المواد المضادة للاحتراق وطبقات منع الالتصاق المستخدمة في أواني الطهي- ظهر ورم سرطاني على العصب البصري لزوج دونوفان وعانى الأطباء كي يتبيّنوا سبب وجوده.

وقالت إنّ إحدى الأشياء التي صعقتها في تشخيص زوجها في العام 2013 هي أنّ لديه أخاً توأماً لم تظهر عليه أي إشارات شبيهة. ومع مرور الوقت بدأت تلاحظ ما اعتبرته كمّاً غريباً من الأمراض في حيّها ومجتمعها المحلي.

لذلك عندما قرأت بعد عدة سنوات مقالاً صحافياً يشرح أنّ مصنع المواد الكيميائية الذي يقع مباشرة فوق منبع المياه، كان يصرّف مواد البير والبولي فلورو ألكيل (بي أف آي أس) بكميّات مرتفعة، انتبهت فجأة- وعندما علمت بتزايد البراهين على أنّ هذه المواد الكيميائية قد تؤدي إلى الإصابة بالسرطان، وجدت المذنب.

وتقول دونوفان لإندبندنت إذ تعدّد الأمراض التي تصيب مجتمعها ومنها سرطانات الدم والدماغ والمرارة التي تعتقد أنها نتيجة المواد الكيميائية "أنا مديرة برنامج الشباب في الكنيسة في هذه المنطقة وكل أسبوع تقريباً، يصلّي عدد لا بأس به من طلابي لأحد المصابين بمرض خطير من أفراد عائلتهم. هؤلاء أقراني. إنهم أشخاص لم يبلغوا الخمسين من عمرهم بعد ويعانون من أمراض خطيرة للغاية. هذا الأمر بكل بساطة غير طبيعي."

وتجدّد الدعم لهذه النظرية خلال العام الجاري مع إطلاق فريق العمل المعني بالبيئة دراسة جديدة، كشفت للمرّة الأولى وجود مواد "بي أف آي أس" الكيميائية في مخزون مياه الشرب داخل عشرات المدن الأميركية ومنها بعض أكبر المدن.

ويرد على رأس هذه القائمة اسم مقاطعة نيو برونزويك في ولاية نورث كارولاينا، حيث وجد فريق تشارك دونوفان في إدارته أنّ نسبة المادة الكيميائية تفوق حدّ الـ70 جزء لكلّ تريليون الذي توصي به وكالة حماية البيئة- إذ بلغت  185.9 جزءاً من التريليون. 

بشكل عام، يمكن إيجاد مواد "بي أف آي أس" في كلّ مكان تقريباً في الولايات المتحدة ومعظم العالم المتقدّم.

صُنّعت عائلة المواد الكيميائية هذه للمرة الأولى لأغراض تجاريّة في أربعينيات القرن الماضي، واتّخذت آلاف الأشكال الفرديّة ووظّفت في إنتاج مجموعة من السلع ومنها الرغوة المستخدمة في مكافحة الحرائق وبزات الحماية من المواد الكيميائية الخطرة، كما دخلت في تسمية علامات تجاريّة لمنتجات استهلاكية مثل سكوتشغارد وتيفلون.

وعلى مدى ثمانين سنة منذ بداية تصنيعها، تتسلّل هذه المواد الكيميائية –التي يُطلق عليها اسم "المواد الكيميائية الأبدية" لأنّها لا تتحلّل بسرعة بعد تسرّبها داخل المياه فتنتج ما يسمّيه البعض "حساءً سامّاً"- داخل أجساد الأميركيين حيثما وُجدوا، إذ أفاد مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها أنّ معظم سكّان البلاد يحملون في أجسامهم مادة  أو أكثر من مواد الـ"بي أف أي أس" الكيميائية (وفي المملكة المتحدة تماماً كما في الولايات المتحدة، يمكن إيجاد هذه المواد الكيميائية في كثير من المنتجات وقوبلت كافة الجهود الرامية لإقناع الحكومة أن تضع قوانين تضبط استخدامها بردّة فعل إمّا بطيئة أو غائبة.)  

ويُظهر تقرير فريق العمل المعني بالبيئة أنّ هذا الانتشار المطلق قد يكون أعمق بعد مما تخيّلنا. أخذت الدراسة عيّنات من 44 موقعاً في 31 ولاية ومن مقاطعة كولومبيا في واشنطن لتجد أنّ واحدة منها فقط لا تحتوي على أي أثر لمواد "بي أف آي أس" على الإطلاق في مياه الشرب. كما تخطّى الاختبار المعايير المطلوبة بعض الشيء من ناحية أخرى إذ شمل، بالإضافة إلى عدد المواقع المدروسة، 30 نوعاً من أنواع مواد "بي أف آي أس" الكيميائية بدل أن يكتفي بتحليل نوعين اثنين فقط يشملهما الفحص عادة.  

وتقول سيدني إيفانز وهي محلّلة تعمل مع فريق العمل المعني بالبيئة شاركت في الدراسة، إنّهم يرجّحون وجود هذه المواد في كل المياه السطحية في أميركا موضحةّ أنّ إحدى المشاكل الأساسية التي تواجه جهود رصد المواقع المقلقة هي عدد المكونات الكيميائية التي يُحتمل وجودها في عائلة مواد "بي أف آي أس"- وتضيف أنّ الباحثين لم يطوّروا آلاف الاختبارات المختلفة.

وتشرح إيفانز "إن المشكلة الأكبر حالياً هي أننا لا نعلم...لا يمكننا أن نجري تحليلاً للبحث عن مادة نجهلها. لا يكفي إحضار مجهر للنظر من خلاله فقط."

طُوّرت هذه الاختبارات مع الوقت وهي ترصد بالتزامن مع البراهين المتزايدة في السنوات الأخيرة ما يشير إلى وجود عواقب صحيّة وخيمة. 

وقد تؤدي هذه المكوّنات الكيميائية إلى آثار هائلة على صحّة المجتمعات المحليّة في الولايات المتحدة ومنها الإصابة بالسرطان وباختلال الغدد الدرقية كما تشير الاختبارات التي أجريت على الحيوانات، وما يزيد خطر هذه الآثار هو طول مدّة وجود المكوّنات داخل جسم الإنسان.

وقال إيريك أولسون وهو أحد كبار مدراء وضع الاستراتيجيات في مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية "إنّ مواد "بي أف آي أس" من أكثر المواد الكيميائية التي يعرفها الإنسان انتشاراً وسمّاً ومن أكثرها استدامة وثباتاً. وهي من أكبر المخاطر على الصحة العامة بين الملوّثات الكيميائية التي نعرفها كذلك."

 على بعد 800 ميل تقريباً من مقاطعة نيو برونزويك في نورث كارولاينا، تقول عضو برلمان ولاية نيو هامشير نانسي مورفي إن مجتمعها المحليّ شهد أيضاً نسبة غريبة من الأمراض التي تعتقد أنّ المتسبّب بها هو مصنع محليّ تديره حالياً الشركة الفرنسية سان غوبان. وتقرّ الشركة بوجود نسب من حمض البيرفلوروكتانويك في بعض "المياه الجوفية" قرب منشآتها في منطقة مريماك لكنها تنفي مسؤوليتها عن تصنيع هذه المواد.

وتوضح مورفي أنّ أسرتها تظهر مجموعة من الآثار الصحية المقلقة التي قد تسببها هذه المواد الكيميائية إذ إنّ ثلاثة من أولادها الستة البالغين يظهرون أعراضا طبية غير معهودة في سنهم وأسلوب حياتهم. فأصغر أولادها يعاني من تضخّم الغدّة الدرقية وهي حالة تسمّى مرض غريفز فيما تعاني أخته من ضعف نشاط الغدّة الدرقية. بينما لدى ولد آخر نسبة عالية من الكولسترول تُذهل الأطبّاء لأنّه يتدرّب للمشاركة في ماراثون.    

وكما هو الحال في نورث كارولاينا، تقول مورفي إنها ترى نسب أمراض غير معهودة في مدينة ميريماك حيث تدقّ إصابة مجموعات من الأشخاص داخل الأحياء بالسرطان ناقوس الخطر.

وتقول مورفي "هناك عدد من الأمور غير المنطقية. هل يمكن أن تعود أسبابها إلى عوامل أخرى. نعم ذلك ممكن. إنّما نظراً لأنّ القاسم المشترك الوحيد بين أولادي هو عنوانهم، من الصعب عدم إقامة هذه الصّلة"، في إشارة منها إلى أنّها تبنّت ثلاثة من أولادها ويمكن بالتالي استبعاد السبب البيولوجي.

ما زالت وكالة حماية البيئة ترفض إلى الآن تصنيف المركّبات رسميّاً على أنّها مواد مسرطنة مع أنّ الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية صنّفت أحد هذه المركّبات على الأقل، المعروف باسم حمض البيرفلوروكتانويك على أنّه "قد يؤدي إلى الإصابة بالسرطان لدى البشر".

في العام 2006، طلبت الوكالة من الشركات الامتناع عن استخدام حمض البيرفلوروكتانويك ما دفع 8 شركات كبيرة إلى الإعلان عن توقّفها عن استخدامه طوعاً ففعلت ذلك بحلول العام 2015 ما أدى إلى تراجع نسبة هذا الحمض في الدم بـ40 في المئة خلال عقد من الزمن.

لكن الجهود الأوسع من أجل تخفيف استخدام هذه المواد وضبطها وإجراء اختبارات لقياس نسبتها تعرّضت للإحباط داخل المجالس المحلية وفي واشنطن بسبب مجموعات الضغط النافذة.

ومن هذه المجموعات النافذة مثلاً شركة دوبون-  وهي من أكبر مصنّعي المواد الكيميائية في العالم وكانت تدير مصنع نورث كارولاينا قبل أن تسلّمه  إلى شركة شيمورز التي تشغل المجمّع حالياً- وقد ركّزت جهودها لممارسة الضغط في واشنطن كي تستهدف عشرات مشاريع القوانين أو المخاوف المتعلقة بمواد "بي أف آي أس" ودفعت لهذه الغاية 5.9 مليون دولار أميركي السنة الماضية. لكن تبيّن أنّ هذا الاستثمار هو الأقل بين نفقات الشركة -التي كان اسمها "داو دوبون" قبل أن تنقسم إلى ثلاث مجموعات- في سبيل الضغط خلال العقد الماضي إذ دفعت في العام 2017 مثلاً 15.88 مليون دولار. وخلال الدورة الانتخابية الأخيرة، تبرّعت الشركة وموظّفيها بمبلغ ضخم هو 2.2 مليون دولار للمرشّحين ولجان الأحزاب، وحصلت هيلاري كلينتون على أعلى مبلغ بين كافّة المرشّحين من أشخاص على صلة بالشركة وصل إلى 67.418  دولارا وفقاً لبيانات الحملة المالية التي حللها مركز السياسات المتجاوبة.

وهذا لا يشمل جهود الضغط على مستوى الولايات في جميع أرجاء البلاد بما في ذلك في ولاية نيو هامشير حيث ترى مورفي باستمرار أفراداً ينتمون إلى جماعات الضغط التابعة لشركات عملاقة في مجال صناعة المواد الكيميائية مثل "ثري أم" و"سان غوبان" (الشركة التي تمتلك المصنع القريب من منزلها) أو من مجلس الكيمياء الأميركي في اجتماعات الهيئات التشريعية التي تحضرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول مورفي "أراهم في كل جلسة استماع نعقدها. يسعون إلى إحباط أيّ جهد قد يؤثر على الأرباح. لكنني أريد أن أعرف، ما هي قيمة حياة الإنسان؟"

ردّاً على أسئلة طرحها هذا المقال، قالت شركة شيمورز إنها استثمرت 100 مليون دولار أميركي في مصنع نورث كارولاينا لقاء "أحدث تقنيات ضبط الانبعاثات" بدأت باستخدامها في ديسمبر (كانون الأول)، وأضافت أنها ملتزمة بتقليص انبعاثات إحدى المواد الكيميائية ضمن الـ"بي أف آي أس" التي تسمّى "إتش أف بي أو-دا" وغيرها "بنسبة 99 في المئة على الأقل" (كما أشارت إلى أنّ الدلائل العلمية على المخاطر الصحية المترتّبة على إتش أف بي أو-دا ليست بالسوء المتوقّع).

وأشار ناطق باسم دوبون إلى أنّ الشركة لم تعد تدير مصنع نورث كارولاينا لكنّه لم يعلّق عندما سئل عن الضغط الذي تمارسه الشركة.

ومن جهتها، قالت متحدّثة باسم سان غوبان لإندبندنت في بيان إنّ الشركة "احتلّت موقعاً قيادياً في المجتمع المحلّي وهي تعمل بشكل وثيق مع ولاية نيو هامشير وتتعاون معها."

وأضافت المتحدّثة دينا بوكيدوف "تنتمي سان غوبان بيرفورمانس بلاستيكس إلى شركة يعود تاريخها إلى 354 عام مضى. ومن العوامل التي ساهمت في هذه العراقة إدراكنا لأهمية أن نكون رعاة وشركاء صالحين في المجتمعات المحلية حيث يعيش موظفونا ويعملون."

وعلى الرغم من هذه المزاعم، يشير بيان صحافي على موقع هيئة الخدمات البيئية التابعة لولاية نيو هامشير إلى استنتاج تحقيق أجري في العام 2018 "أنّ المنشأة ما زالت تصدر كمّية قليلة من انبعاثات مركّبات "بي أف آي أس" الكيميائية التي قد تساهم في تعدّي النسب الحالية في المياه الجوفية الحدود التي وضعها معيار نوعية المياه الجوفية بـ70 جزءاً لكل ترليوين من حمض البيرفليوروكتانويك و70 جزءاً لكل ترليون من حمض البيرفليورأوكتانسولفونيك و70 جزءاً لكل ترليون من مزيج الحمضين."

لكن سواء مورس الضغط أو قدّمت التبّرعات أو لا، من غير المرجّح أن يفكّر الرئيس دونالد ترمب في وضع تشريع يضبطها حتى لو وصل مشروع قانون بشأنها على مكتبه بشكل ما، نظراً إلى اعتداء إدارته على إجراءات حماية المياه والبيئة في الولايات المتحدة (بما فيها تشريع أعلن عنه هذا الأسبوع من شأنه أن يجرّد القنوات المائية الصغيرة عبر البلاد من حمايتها بموجب تشريع المياه النظيفة الذي أقر في ظل ولاية أوباما).

ويوضح بات بارنتو، أستاذ القانون في كلية فيرمونت للقانون يركّز عمله على التشريعات البيئية أثناء وصفه تاريخ إدارة ترمب في مجال البيئة "هو اعتداء كامل وشامل على كافّة التشريعات المتعلّقة بالبيئة في كافة المجالات. لا ستطيع استحضار أي إجراء اتّخذوه بهدف تعزيز أيّ شيء."

وعن مواد بي أف آي أس بالتحديد، أشار بارنتو إلى وجود نزاع قضائي وبعض العمل في الكونغرس- مرّر مجلس النواب مشروع قانون لضبط المواد الكيميائية هذا العام لكن مجلس الشيوخ لم يكمل العمل به- لكنه أضاف أنّه لم يحدث شيء في الأطر الموجودة بالفعل. "لا تتحرّك وكالة حماية البيئة باتّجاه فرقة عمل كي تضع بالفعل معايير جديدة وتفرض العمل بها."

تعبّر دونوفان عن أملها بأن تساعد الدراسة الجديدة لفريق العمل المعني بالبيئة- التي ساهمت فيها عبر إرسال عينات عن المياه من مدرسة في مقاطعتها- في تسليط الضوء على المخاطر الصحية لمواد "بي أف آي أس" الكيميائية.  

ونجحت إلى هذا الحين في استقطاب جمهور واسع كما قدّمت شهادة أمام الكونغرس إلى جانب الممثل مارك رفالو الذي أطلق فيلماً عن مخاطر مواد بي أن آي أس الكيميائية.

في النهاية، تعتبر دونوفان أنّ زوجها حدثت له معجزة إذ استطاع بعد أن أزال جرّاح الورم عن عصبه البصري أن يستعيد بصره القوي تماماً.

لكنها تقول إنها لا تعتقد أنّ المقاربة الصحيحة هي الإنطلاق من التساؤل حول كيفية إثبات الآثار الصحية السلبية التي تتسبب بها المواد الكيميائية. بل على الشركات المسؤولة عن التلوّث أن تثبت أنها لا تقوم بأي أذى، برأيها.

"ما أعرفه هو أننا تعرّضنا لكميات زائدة من المواد الكيميائية وهذا واضح. لا يستطيع العلم أن يؤكد في الوقت الحالي إن كان هذا التعرض للكيميائيات هو ما يتسبب بمرضنا. وهذا الجزء المحبط، الشعور الغريب بانتشار كمية كبيرة من الأمراض. هنا يكمن الخلل في نظامنا- لا يجب أن نتعرض لهذه المواد أولاً ثم نُسأل لاحقاً إن كنا سالمين".

© The Independent