Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكومة أردوغان تعمل لإقناع شعبها ببطولاتها رغم الهزائم

هل تتحول إدلب إلى ساحة أخرى لفشل الحكومة التركية

الخاسرون في المسرح السياسي والساحة الدولية بسوريا هم الإسلاميون السياسيون (أ.ف.ب)

في سوريا، حيث تتشابك الحملات الاستراتيجية، وبعد العملية العسكرية التي شنّتها تركيا في شرقي الفرات، أسفر موقف الولايات المتحدة المتأرجح بين الانسحاب من سوريا أو المكوثِ فيها عن تغير جذري في مواقف الأطراف المؤثرة في الساحة السورية.

ودخلت الأزمة المتعددة الأبعاد مرحلةً جديدةً، بدأت فيها قواعد الحرب واللعبة تتغير مرة أخرى، وبينما حدَّثت الأطراف الفاعلة بسوريا مواقفها في ضوء المعادلة الجديدة، بدأ يظهر لنا مَنْ هم الخاسرون في هذه الحرب التي شبَّ لهيبها في مارس (آذار) 2011، ولم تضع أوزارها منذ سنوات تسع، ونشاهد كيف أن كل واحد من اللاعبين يلعب أوراقه الأخيرة، لزيادة حصته على طاولة المساومة حسب أجندته وجدول أعماله بالساحة السورية.

ونَستبق القولَ بأن أكبر الخاسرين في سوريا، لسوء الحظ، هم أبناء تلك المنطقة، وأمَّا الخاسرون في المسرح السياسي والساحة الدولية فهم، بلا شك، الإسلاميون السياسيون الذين يستبدون بالسلطة في أنقرة، وعلى رأسهم رجب طيب أردوغان.

وبالطبع، إنني أعني ما أقول، ولا أقول "إن الخاسر هو تركيا بمجملها"، لأنني واثق بأن الشعب التركي سوف يحل يوماً ما مشكلاته مع الدول المجاورة بعد أن يتخلّص من الحكومة الحالية، بل أتحدّث عن مجموعة من الأفكار السقيمة وغير المواتية التي يسميها بعض الاستراتيجيين (العثمانية الجديدة)، أو المعروفة باسم (الإسلام السياسي).

وها هي النتيجة الحزينة لأحلام طوباوية وأيديولوجية مشوّهة لا تتفق مع روح الإسلام، ولا مع الفكر الإسلامي، ونحن نشاهد عياناً، بذهول وحزن، كيف أقحموا بلداً كبيراً في مستنقع يصعب عليه التخلّص منه.

وذكّرتني سياستُهم بمقولة رجل الدولة (رامي تاران) الذي يقول: "لا يصح لك أن تغني في السياسة الخارجية كل يوم أغنية جديدة". نعم، إن هذه الحكومة التي تُغير استراتيجياتها على رأس كل أسبوع لا بد أن تقع في المستنقع عاجلاً أم آجلاً.

قلنا في العنوان: "أردوغان خاسرٌ في إدلب أيضاً".

في الواقع، فاز الرئيس بجميع الانتخابات التي خاضها في تركيا، إلى أن خسر انتخابات بلدية إسطنبول في الـ31 من مارس (آذار) 2019، فكانت هذه الخسارة بداية النهاية لنجاحاته في السياسة الداخلية، وتوالت خسارته في السياسة الخارجية أيضاً، وحتى في القضية السورية كان راجعاً من أستانا وسوتشي محبطاً وصفر اليدين، ولمّا دخل إدلب لوحده، عَجزَ حتى عن حماية جنوده، بل ساق أبناءَ شعبه إلى الموت.

وعمل الإسلاميون السياسيون على إطاحة الأسد منذ اليوم الأول، وأججوا الصراعات في سوريا من أجل إشباع نزعة (العثمانيين الجدد)، ودعموا الجيش الحر وغيره من المجموعات الإسلامية المسلحة تحت مسمى "المعارضة السورية".

وصرَّح أردوغان في بداية الاشتباكات بسوريا في أغسطس (آب) 2011 بأنها "قضية داخلية سورية"، ثم رجع بعد شهر ليصرّح على النقيض وينفخ في النار قائلاً: "سنذهب إلى دمشق في أقرب وقت ممكن، وسنصلي في المسجد الأموي"، وكان هذا انعكاساً لما يكمن في عقله الباطن، لكنه ما لبث أن أفلس بعد ما تحطّم بالواقع المعيش.

ودفع الأتراك نتيجة هذه السياسة الفاشلة ثمناً باهظاً، إذ تحالفت الولايات المتحدة الأميركية بشكل وثيق مع الأكراد السوريين، ولم تُجرى إطاحة بشار الأسد، وظهر الأكراد على المسرح السوري لاعبين فاعلين، واضطرت تركيا إلى استضافة ما يقرب من خمسة ملايين من اللاجئين، إضافة إلى عناصر "داعش" الذين تؤويهم تركيا.

وإذا أضفنا إلى ذلك موجات الهجرة الجديدة التي ستضم عشرات الآلاف من اللاجئين الجدد فسندرك حجم الخسائر التي ستتعرض لها تركيا في نهاية المطاف.

وكانت موسكو هي التي فتحت باب إدلب أمام أردوغان، وكان السبب وراء ذلك هو الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وروسيا بالمنطقة، وكان الدافع وراء فتح الأبواب هو ما بيد الأتراك من بطاقة عضوية حلف الناتو، لكن المفتاح لا يزال بيد بوتين، ولن يعطي ذلك المفتاح لأحد.

وقد فَهِم الناس في البداية إدراجَ تركيا في سوتشي على طاولة المفاوضات بوصفها راعية في إدلب على أنه نجاح (مكسب) لتركيا. لكن في عام 2015 كانت جبهة النصرة (الذراع السورية لتنظيم القاعدة) مستولية عليها، وأمَّا بالنظر إلى الواقع الحالي في إدلب فأصبحت المنطقة مشكلة بالنسبة إلى تركيا أكثر من سوريا.

لكن، ما السبب؟

إنّ السبب هو أن إدلب، التي تقوم حكومة حزب العدالة والتنمية بحمايتها ورعايتها، هي آخر معقل للمنظمات الإرهابية المنتمية إلى الإسلام السياسي المتطرف، والعالمُ كله يعلم أنه ليس هناك طريق لوصول السلاح والذخيرة والمساعدات إلى هؤلاء القتلة إلا عبر تركيا.

وأعتقدُ أن هذا الموقف سوف يتسبب في إحراج رئيس حكومة حزب العدالة والتنمية أكثر من إخفاقاته في أستانا وسوتشي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى العكس من التصريحات العنترية للمسؤولين في حكومة أردوغان، فإننا نلاحظ تقهقراً صامتاً للجيش التركي في سوريا، إذ إنه بعد ما استولى الجيش السوري على منطقة العيس انسحبت الجنود الأتراك من نقطة المراقبة التي كانت بيد تركيا، كما أن الجنود الأتراك كانوا انسحبوا من منطقة معارة الشهر الماضي.

وينكشف حجم الهزيمة عندما نعلم أن الجيش التركي كان انسحب من منطقة مورك بصمت، وفي الأيام الأخيرة انتقلت الاشتباكات في إدلب من سراقب إلى منطقة الأتارب الشمالية، علماً أن الأتارب تُشرف على باب الهوى والخط اللوجيستي الذي يربط تركيا بإدلب، وهذا يشير إلى أن قوات النظام السوري تريد قبل كل شيء سد الخط الذي يصل منه الدعم اللوجيستي إلى إدلب، وإذا نجحت في ذلك فستسيطر على إدلب بشكل عام.

وبطبيعة الحال، فإنّ هذا لا يعني أن الفوضى ستنتهي في المنطقة، بل إن ذلك سيستغرق، مع الأسف، وقتاً طويلاً.

هذه هي الحقيقة على أرض الواقع، وإن كان الإعلام التركي يتغاضى عنها، ولا غرابة في ذلك، فإني أكاد أجزم بأنك قلّما تجد في التاريخ حكومة مثل حكومة حزب العدالة والتنمية التي تقنع شعبها ببطولاتها رغم هزائمها المتلاحقة.

أليست هي التي أسقطت الطائرة الروسية، ثم ما لبثت أن اعتذرت لها بإلقاء اللائمة على غيرها؟ أليست هي التي أعلنت على الملأ أنها ستطيح بشار الأسد حتى عام 2016، ثم تفاهمت مع روسيا وسوريا وإيران من أجل مهاجمة الأكراد؟ وعندما ساءت الأمور مرة أخرى حاولت أن لا تشتبك مع روسيا، وتوجّهت إلى الأسد مرة أخرى، أليست هي التي دعمت كثيراً من الجماعات المسلحة لمجرد أنها تحارب بشار الأسد، وبذلك حوَّلت تركيا إلى طريق سريع لمرور الجهاديين بشتّى أصنافهم. وفي نهاية المطاف ستضطر إلى فتح الباب للجهاديين المحشورين في إدلب، حتى ينتقلوا إلى تركيا.

ولسوء الحظ، هذه هي الصورة القاتمة للسياسة الخارجية التركية التي تتخبط خبط عشواء.

المزيد من آراء