Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد سنوات على سقوط القذافي... ليبيا تبقى في قبضة القوى الأجنبية

عقد جديد يبدأ والبلد ما زال يعاني من المشاكل نفسها

دبابة مدمرة في مدينة غريان الليبية (غيتي)

على إثر انتفاضة عام 2011 كان عبد الحكيم بلحاج في حال جيدة جدا، فقد ارتفعت أسهم القيادي المتمرد، الذي ساعدت الاستخبارات البريطانية ذات مرة على تسليمه إلى نظام القذافي من خلال اتفاق سري معه، في صناديق الاقتراع، عند إجراء الانتخابات الأولى عام 2012.

لكن كانت هناك تحفظات بين الكثيرين حول من كان يسيطر على بلحاج. ففي بنغازي، مكان ولادة الانتفاضة ضد نظام القذافي، أكد لي عدد من الطلاب أنه في جيب قطر، بل حتى ألوان حملته الانتخابية كانت بنفس ألوان الخطوط الجوية القطرية.

وفي حقيقة الأمر، كان هناك اختلاف طفيف بين بلحاج الأمس واليوم. غير أن الشباب (ذكورا وأناثا) كانوا مقتنعين من أنهم قد شاهدوا الألوان الحقيقية للإسلاميين، وهم مصممون على مقاومتهم لمنعهم من الوصول  إلى الحكم (على الرغم من أن بلحاج أنكر خلال السنوات الأخيرة وجود أي ما يربطه بقطر). لكن خطوط الانشقاق في ليبيا، التي كان من المفترض أن تُقبِل على مستقبل جديد واعد، بعد أربعة عقود من الديكتاتورية،  قد تم رسمها.

فقبل عام على انتخابات عام 2012، شاهدتُ جثمانَي معمر القذافي وابنه المعتصم موضوعين في مستودع للحوم بمدينة مصراتة. كانت أعينهما مغلقة بطريقة تبدو وكأنها في حالة رقود مسترخ، لكن الأكفان البيضاء الملقاة عليهما لم تخف الجروح التي أصيبا بها. كان هناك طابور من الناس، شبابا ومسنين، رجالا ونساء، عوائل مع أطفالها، يتحركون ببطء في الغرفة، وهم يحملقون في الجثمانين اللذين كانا تحت أبصارهم، ويتهامسون بعضهم مع بعض.

كانت هذه نهاية رجل حكم ليبيا مدة 42 سنة، على يد ثورة اعتُبرت آنذاك الأكثر عنفا خلال الربيع العربي. فهو قد قُبض عليه مع ابنه، وعُذِّبا ثم قُتلا، بعد محاولتهما الهرب من آخر مكان تخفيا فيه، يقع  ببلدة سيرت مسقط رأس القذافي.

هز المعلم فِيروز المغري، 55 سنة، رأسه وهو يتذكر أخاه وابن عمه اللذين ماتا في سجن أبو سليم الواقع في مدينة طرابلس، وهو مكان يبعث على الخوف والجزع. قال وهو يتفكر "1200 سجين قتلوا غدرا هناك... إنه من الصعب على الأغراب فهم ذلك، لكن القذافي كان مسؤولا عن فقدان الكثير من الأرواح، التي لم تعرف العوائل أبدا ما حدث لأولئك المفقودين".

كان هناك انبهار مهووس بمشهد الجثمانين، وشعورا بالاحتفال، لكن في الوقت نفسه، كان هناك شعور بالقلق لدى أولئك الحاضرين حول المستقبل.

كان المغري يتطلع إلى مستقبل مستقر وديمقراطي لبلده، لكنه مع صديقه عبد الرحيم محمد الذي قتل عمه في سجن أبو سليم، كانا متوجسين. قال عبد الرحيم "نحن لحقتنا لعنة كبيرة لامتلاكنا النفط، فالبلدان الأجنبية ستريده، وستحاول التدخل، لذلك علينا أن نبقى أقوياء".

كانت  معظم المشاكل التي مرت بها ليبيا منذ سقوط النظام السابق، لا كلها، ناجمة عن النفط. لكن معظم ما حدث فيها كان بسبب القوى الأجنبية التي أصبحت الآن متورطة بشكل كبير في الحرب الأهلية، وذلك من خلال تسليح وتمويل الفصائل العسكرية المتنافسة.

فالمساعي لإنهاء العنف، حتى الآن فشلت في تحقيق هذا الهدف، وهي تجري أيضا خارج البلد. ففي المحاولة الأخيرة، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا، الأسبوع الماضي، يتعلق بخطة لوقف إطلاق النار من دون شروط، وقد تمت الموافقة على القرار من قبل أربعة عشر عضوا في مجلس الأمن من دون أي اعتراض، مع تغيب روسيا عن التصويت.

وقد عُقد مؤتمر دولي في برلين الشهر الماضي، أعقبته مباحثات في جنيف والقاهرة بين الطرفين المتناحرين- حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة تحت قيادة فايز السراج ، وما يطلق على نفسه بـ "الجيش الوطني الليبي" بزعامة الجنرال خليفة حفتر- لم يتحقق فيها سوى تقدم ضئيل. فحفتر لا يعطي لكوادر الأمم المتحدة حتى الحق بالهبوط في الأراضي التي يسيطر عليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كانت النقطة الأساسية في قرار الأمم المتحدة هي فرض حظر شديد على واردات الأسلحة  . وفي حقيقة الأمر، هناك حظر واحد مفروض على الأسلحة الآن. لكنه ظل يتعرض للانتهاكات إلى الحد الذي أصبح القرار معه خاليا من معناه. فخطط الاتحاد الأوروبي لوضع قوة مراقبة  بحرية لاعتراض شحنات الأسلحة لم يتم الاتفاق عليها، وهذا لأن بعض الدول الأعضاء لها أجنداتها بما يخص ليبيا.

إذ تستمر إيطاليا وفرنسا بدعم الطرفين المتصارعين، حكومة السراج وحفتر كلا على حدة. هناك مزاعم تقول إن القوات الفرنسية الخاصة تساعد "الجيش الوطني الليبي". وفي هذا الصدد تؤكد "حكومة الوفاق الوطني" أن الأدلة على ذلك هي اكتشاف صواريخ جافلين المضادة للدبابات، مع علامات فرنسية عليها، حين تمكنت قواتها من إعادة السيطرة على طرابلس، لكن باريس تنكر بشدة هذا الزعم.

وهناك قوات أجنبية أخرى في ليبيا، بعضها وصل للتو بعدما كانت متورطة في نزاعات أخرى.  فتركيا التي تدعم السراج، قامت بإرسال مقاتلين من الميليشيات السنية التي تسيطر عليها في سوريا دعما لحكومته. وهي تزودها بطائرات "درون" المسيَّرة من طراز "بيرقدار" المنتجة محليا من قبل شركة "بيكار" التي تمتلكها عائلة صهر الرئيس رجب طيب أردوغان.

وقد أصبحت طائرات الدرون المسيرة جزء أساسيا من  للحرب الجوية في النزاع القائم بين الطرفين، فقوات حفتر مزودة بطائرات درون صينية من طراز "وينغ لونغ" التي تدفع ثمنها كما يُزعم الإمارات العربية المتحدة. وظلت الطائرات الحربية المصرية والإماراتية تنفذ هجمات عسكرية لصالح الجنرال حفتر.

كذلك، هناك دعم للمشير حفتر من طرف موسكو. فالدنانير الليبية تُطبع في روسيا لصالحه- وهذا أمر مهم بشكل خاص، إذ أن الكثير من "انتصاراته" تحققت من  خلال دفع الأموال لزعماء القبائل.

إضافة إلى ذلك، فإن لروسيا حضورا عسكريا على الأرض، من خلال شركة الأمن "فاغنر غْروب"، التي تُعتبر جيش الكرملين الخاص، والتي تم نشرها في عدد من البلدان، ابتداء من فنزويلا وانتهاء بجمهورية أفريقيا الوسطى.

وكان أكثر من 100 عضو في شركة "فاغنر" الروسية، التي يملكها إيفجيني بريغوزين، المسمى بـ "طاهي بوتين" لما كسبه من عقود حكومية مجزية في مجال تموين الأطعمة، قد وصلوا إلى جبهة القتال، العام الماضي، للمساعدة في شن الهجوم على طرابلس من قبل قوات حفتر.

وفي هذا السياق، ذكر موقع التحريات الروسي "ميدوزا" أن 35 متعاقدا من "فاغنر غْروب" قتلوا في هجوم جوي. وكان بعض الرجال المقتولين، حسبما زُعم، سبق لهم أن حاربوا في النزاع  القائم داخل أوكرانيا.

لكن الروس يراهنون بشكل ما على ليبيا، وحفتر ليس الشخص الوحيد الذي يدعمونه.

فموسكو تدعم سيف القذافي، ابن العقيد معمر القذافي، الذي كان مرشحا لخلافة والده، والذي ظل يحاول إنشاء قاعدة نفوذه بعد إطلاق سراحه من سجن يقع في بلدة زِنتان، غير أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت لديه حظوظ قوية للنجاح، لكني وجدت خلال زياراتي للبلد منذ بدء الحرب الأهلية فيه أن هناك قدرا معينا من الحنين للاستقرار الذي كان متحققا خلال عهد النظام السابق.

وكانت "فاغنر غْروب"، حسبما أشارت إليه وثائق مسربة، قد قدمت لسيف القذافي الصيف الماضي مقترحا لاستراتيجية جديدة. فالشركة قد أعادت بث محطة الجماهيرية التلفزيونية، وهي قناة كانت تنشر رؤية أكبر أبناء القذافي للعالم، وانتقل مركز القناة إلى القاهرة حيث ظلت من هناك تبث برامجها بشكل متقطع.

كذلك قامت "فاغنر غْروب" بفتح صفحات في موقع فيسبوك لمجموعات عديدة تهدف إلى الترويج لسيف القذافي وحفتر، مستخدمة بعض الطرق التي اتبعتها "وكالة البحث الانترنتي" (والتي لها علاقة ببريغوزين) في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016.

ثم هناك، بالطبع، النفط.

كانت ليبيا واحدة من ثلاث أكبر دول منتجة للنفط في أفريقيا، حيث كان المنتوج يصل فيها إلى 1.6 مليون برميل في اليوم. لكن بعد الثورة هبط إلى ما يقرب من 150,000 برميل في اليوم فقط، بحلول منتصف عام 2014، وبعد ذلك استعاد معدل الإنتاج عافيته حيث وصل اليوم إلى 1.1 مليون برميل في اليوم.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم مرافق النفط في شرق البلاد، حيث معظمها متمركزا هنا، تقع الآن تحت سيطرة حفتر وفي هذه السنة، سيطرت قواته أيضا على حقول النفط الأساسية في الجنوب.

وتردد أن شركات النفط الروسية، تاتنيفت، وغازبروم، وروسنيفت، تتدارس عقود النفط مع حفتر. لكنها ليست هي الوحيدة المهتمة، فشركة إينا الإيطالية وتوتال الفرنسية يشتركان حاليا في مشاريع أخرى مع "شركة النفط الوطنية" ومقرها في طرابلس العاصمة.

في بداية الانتفاضة ضد القذافي، كنا نرى بوسترات في بنغازي تعلن عن أنه "من دون التدخل الأجنبي، يستطيع الليبيون أن يقوموا بها لوحدهم".

وقد أصبح واضحا أنهم لا يستطيعون القيام بهذه المهمة لوحدهم. فالهزيمة النهائية للنظام السابق جاءت بعد قصف لطائرات الناتو استمر أشهرا. وبعد 9 سنوات، ومع بداية عقد جديد، تبقى ليبيا، وللأسف، في قبضة القوى الأجنبية أكثر من أي وقت آخر.

© The Independent

المزيد من العالم العربي