Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتفاضة الليبيين في ذكراها التاسعة... من الثورة إلى الأزمة

المسار هنا كان مغايراً عما شهدته الدول المجاورة خلال الربيع العربي

اضطر الشعب الليبي إلى التسلح حماية لنفسه في مواجهة موجة القتل (أ.ف.ب)

استقبل الليبيون السبت 15 فبراير (شباط)، الذكرى التاسعة لثورتهم التي أطاحت بنظام معمر القذافي، وهم منقسمين لمذاهب شتى، بين من يستعد للاحتفال بها ومن لا يرى في ما أدت إليه من أزمات ما يستحق الاحتفال.

سلاح بيد الجميع

المسار الذي مضت به الثورة الليبية عام 2011، كان مغايراً للذي اتخذته ثورات جيرانها في ما عرف بموجة الربيع العربي في مصر وتونس. ففي ليبيا، اضطر الشعب إلى التسلح حماية لنفسه في مواجهة موجة القتل، التي أطلقها القذافي. ويرى مراقبون أن هذا المسار المسلح كان السبب الرئيس الذي أدى إلى تعقد المشهد بعد الثورة.

ويقول الباحث والأكاديمي الليبي فرج الجارح، لـ "اندبندنت عربية"، إن "العلامة الفارقة التي مهدت لنشوب الأزمة الليبية بشكلها الحالي، هو انتشار السلاح في كل يد، بعد دخول المقار الأمنية ومعسكرات الجيش عام 2011، ودخول التيارات الإسلامية المتشددة على خط الأحداث، مستغلة الفراغ الأمني وهشاشة الدولة وانتشار السلاح بشكل مخيف".

ولسد الفراغ الأمني، الذي خلفه سقوط نظام القذافي بكامل مؤسساته، فتشت السلطات الليبية الناشئة عن البديل السريع والجاهز، ووجدته في كتائب الثوار غير النظامية، المشكلة حديثاً من أشخاص مدنيين حملوا السلاح للمرة الأولى أثناء الثورة لصد هجمات قوات النظام على مدنهم.

ويرى الباحث والأكاديمي الليبي جمال الشطشاط أن هذا الحل غير المدروس أدى إلى نتائج عكسية تماماً. وأضاف "هذه الكتائب تحولت إلى مشكلة أكبر، فقد بدأت بالتغول على مؤسسات الدولة وابتزازها لجني الأموال".

ويضيف لـ "اندبندنت عربية" أن "مشكلة أكبر وقعت مع تشكيل ما يعرف بالكتائب المحلية، وهي ميليشيات تتبع مدناً وقبائل وتوالي زعماء محليين".

انتخاب المؤتمر الوطني

على الرغم من الظروف الأمنية الصعبة والهشة، أجريت في ليبيا عام 2012 أول انتخابات تشريعية منذ استقلالها منتصف القرن الماضي.

وخلال هذه الدورة الانتخابية، انتخب 200 عضو للبرلمان، مشكلين المؤتمر الوطني العام، بعد فوز ساحق لحزب تحالف القوى الوطنية الليبرالي على تيار الإسلام السياسي على مستوى القوائم الانتخابية. لكن الأخير تمكن من الحصول على غالبية داخل البرلمان الناشئ عبر مرشحيه في القوائم الفردية.

العزل السياسي

بعد فترة وجيزة من تشكل المؤتمر الوطني، ثارت قضية يعدها مراقبون مفصلية في صناعة الأزمة التي عصفت بالبلاد بعد ذلك. وهي إقرار قانون العزل السياسي، الذي ينص على استثناء كل من عمل مع النظام السابق خلال الـ 40 سنة.

انقسمت البلاد حول القانون الذي عُد تعسفياً وإقصائياً. ويصف الصحافي الليبي الصديق الورفلي لـ "اندبندنت عربية" الظروف التي أقر فيها القانون، قائلاً إنها "كانت استثنائية وغير طبيعية، حيث لجأت مجموعة ميليشيات تابعة لجماعة الإخوان إلى خطوة غير مسبوقة، بجلب 200 تابوت (عدد أعضاء البرلمان) ووضعها أمام مقر المؤتمر، في تهديد صريح لأعضائه"، لإجبارهم على التوقيع على إقرار القانون".

ويشير الورفلي إلى أنه "تحت هذا الضغط والترهيب وقع الأعضاء، وأقر القانون على الرغم من رفضه شعبياً". ويضيف "كان هذا القانون وبالاً على البلاد، وأول خطوة في الانقسام والاصطفاف الذي حدث بعد ذلك".

الاغتيالات في بنغازي

ويرى الجارح أن "الأزمة الليبية تعقدت بشكل كبير على خلفية ما شهدته بنغازي، بداية من عام 2012 حتى 2014، من موجة اغتيالات لعناصر الجيش والشرطة والنشطاء المناصرين لهما، والمناهضين للجماعات المتطرفة وتيار الإسلام السياسي".

ويضيف "هذه الموجة الدموية قادت بعد ذلك إلى ظهور عملية الكرامة العسكرية بقيادة المشير خليفة حفتر، لمواجهة الجماعات المتطرفة والميليشيات المدعومة من التيار الإسلاموي في بنغازي".

انتخاب مجلس النواب

أجريت انتخابات مجلس النواب في 24 أغسطس (آب) 2014، عن طريق نظام الانتخاب الفردي. وقد أسفرت الانتخابات عن خسارة كبيرة للإسلاميين.

بدأ الانقسام بالطعن أمام الدائرة الدستورية في المحكمة الليبية العليا على نص الفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري، التي نصت بعد تعديل من المؤتمر على قيام مجلس النواب المنتخب بحسم مسألة انتخاب الرئيس المؤقت بنظام انتخاب مباشر أو غير مباشر، خلال مدة لا تزيد على 45 يوماً من عقد أول جلسة له، التي وافق عليها 124 من أعضاء المؤتمر.

وفي 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، حكمت المحكمة بعدم دستورية هذه الفقرة، مبررةً قرارها بأن 124 نائباً فقط وافقوا عليها، وهو ما لا يصل إلى النصاب القانوني المطلوب (غالبية الثلثين).

استغل المؤتمر الوطني هذا الحكم لصالحه، معتبراً أنه "يعني بطلان انتخاب مجلس النواب"، ما يعني استمراره في مهامه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبه، اعتبر مجلس النواب أن حكم المحكمة لا يتعلق بانتخاب مجلس النواب، وإنما بانتخاب رئيس الجمهورية فحسب. عليه، جدد المجلس تكليف حكومة عبدالله الثني مرة أخرى، بينما كلف المؤتمر الوطني عمر الحاسي تشكيل حكومة أخرى. وبذلك، انقسمت ليبيا للمرة الأولى بين برلمانين وحكومتين منبثقتين منهما.

ويصف الشطشاط هذه المرحلة بأنها "رسمت ملامح الصراع الحالي حول الشرعية التشريعية والتنفيذية وشرعية من يحمل السلاح".

حرب فجر ليبيا

بعد رفض أعضاء المؤتمر الوطني تسليم السلطة إلى البرلمان الجديد، أعلنت الأذرع العسكرية التابعة للجماعات الإسلامية السياسية عملية عسكرية بهدف "حماية الثورة" من "الثورة المضادة".

حملت هذه العملية اسم عملية فجر ليبيا، وامتدت في بين يونيو (حزيران) وأغسطس 2014، وانتهت بأشهر وأهم معاركها في مطار طرابلس، التي أدت إلى خسائر مادية فادحة، وتدمير كامل لأهم مطارات الدولة (لم يعمل مجدداً منذ ذلك الحين) ودمرت فيه 21 طائرة مدنية، قدرت قيمتها بنحو 3 مليارات دولار أميركي.

في الوقت نفسه تقريباً، أعلن حفتر في بنغازي (قبل ترقيته إلى رتبة مشير أركان حرب) عمليته العسكرية ضد الميليشيات المسلحة والمتطرفة في ليبيا، بدعم شعبي من أهالي المدينة ومباركة مجلس النواب الجديد، الذي اتخذ من طبرق مقراً مؤقتاً له بسبب الأوضاع الأمنية في بنغازي.

توسع دائرة التدخل الخارجي

خلقت هذه الحالة من الاصطفاف المحلي الليبي، بين معسكر الشرق الذي يمثله الجيش الليبي والبرلمان ومعسكر الغرب الليبي الذي تقوده تيارات الإسلام السياسي، اصطفافاً دولياً وإقليمياً حول طرفي الصراع.

وبدأ الحديث عن الدور القطري والتركي والمصري والفرنسي والإيطالي في تحريك الصراع الداخلي الليبي.

وحول دور القوى الخارجية في تأزم المشهد الليبي، يقول الجارح إن "هذا التدخل تعاظم تحديداً بعد نشوب الصراع المحلي ونشوء حالة الانقسام، فتحركت القوى الدولية والإقليمية لدعم هذا الطرف أو ذاك، لتصبح بعدها المحرك الرئيس للصراع وتفرض إرادتها على حلفائها ووكلائها المحليين".

ويعتقد الصحافي الليبي فوزي نجم أن مسار الأزمة الليبية تأثر كثيراً باشتداد حدة التنافس الإقليمي، بين المحور التركي - القطري الداعم لتيارات الإسلام السياسي في المنطقة والقوى الأخرى المناهضة له. ويوضح "منذ المقاطعة الرباعية العربية لقطر في يونيو 2017، امتد هذا التنافس إلى ليبيا، حيث وسعت تركيا وقطر دعمهما سياسياً وعسكرياً للقوى الإسلامية فيها".

بروز دور البعثة الأممية

على وقع هذه الحالة، برز دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الذي أفضى بعد ماراثون من المفاوضات إلى الحوار الأبرز في الأزمة الليبية في مدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر (كانون الأول) 2015.

انبثق من اتفاق الصخيرات جسم جديد، تحت اسم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق مدعماً بمجلس استشاري تحت مسمى مجلس الدولة.

رفض البرلمان في شرق ليبيا الاعتراف ومنح الشرعية للأجسام المنبثقة من اتفاق الصخيرات، بسبب خلافات حول عدد من البنود المتعلقة بتعديلات الاتفاق، خصوصاً المرتبطة بالسلطة التنفيذية، على الرغم من انعقاد ثلاث جولات للحوار بين لجنتي الحوار المنبثقة منهما في تونس بين سبتمبر (أيلول) ونوفمبر 2017.

في المقابل، أقر مجلس النواب بغالبية أعضائه ضرورة تعديل المواد المتعلقة بالسلطة التنفيذية، التي من أبرزها فصل مجلس رئاسة الدولة عن مجلس الوزراء، وتقليص عدد أعضائه إلى رئيس ونائبين، على أن يتخذ قراراته بالإجماع، فضلاً عن تولي رئيس البرلمان مهام القائد الأعلى للجيش.

من جانبه، رفض المجلس الرئاسي ومجلس الدولة الاقتراحات المقدمة من البرلمان، واستمرت الخصومة بين الطرفين حتى قادت في 14 أبريل (نيسان) 2019 إلى نشوب معركة طرابلس، المستمرة حتى اليوم، على الرغم من كل المساعي الدولية التي بذلت لإعادة طرفي المسار التفاوضي إلى طاولة الحوار. وكان آخرها مؤتمر برلين حول ليبيا، الذي صنف بأنه الأبرز بين المؤتمرات الدولية التي عقدت في إطار المساعي لإيجاد حل سلمي للأزمة الليبية.

المزيد من تقارير