Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريطانيا... لماذا ترتفع تكلفة المشروعات العامة أضعافا ويتأخر إنجازها؟

مراقبون يرون أن مشروع صيانة برج الساعة نموذج فساد بين المقاولين والسياسيين

بلغت تكلفة صيانة برج ويستمنستر وساعة بيغ بن أكثر من 100 مليون دولار بعدما كانت 41 مليوناً عام 2017 (أ.ف.ب)

أكد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، هذا الأسبوع، أن مشروع خط السكك الحديدية السريع (HS2) قائم، وسيُعتمد الإنفاق اللازم له، مع عدم تحديد موعد لإنجازه. المتوقع الآن في 2031 بعد أكثر من تأخير، وتغيير إدارة المشروع من قبل.

ومنذ طرْح المشروع، الذي يربط جنوب بريطانيا بشمالها عام 2009، وهو محل جدل لأسباب اقتصادية وبيئية وغيرها، وتباينت الآراء دوماً بشأن الجدوى الاقتصادية للمشروع مقارنة بتكلفته ومدى فائدته، خصوصاً للشمال الذي يفتقر إلى استثمارات بنية تحتية ضمن الإنفاق الحكومي، ورأي بعض السياسيين أن هدف المشروع هو خدمة الجنوب أكثر من الشمال.

وتختلف بريطانيا في وضع الشمال والجنوب الاقتصادي عن السائد عالمياً من أنّ الشمال غنيٌّ والجنوب فقيرٌ، فكما قيادة السيارة في بريطانيا على اليمين لا اليسار كغالبية دول العالم فإن جنوب بريطانيا هو الغنيّ، وشمالها هو الفقير.

في عام 2018 أصدر معهد أبحاث السياسات العامة البريطانية أرقاماً تشير إلى زيادة الفجوة بين الشمال والجنوب من ناحية الإنفاق الحكومي على مدى عقد، فمنذ 2010 حتى 2018 شهد الإنفاق الحكومي في الجنوب زيادة بنسبة 3.2 في المئة، بينما تراجع في الشمال للفترة نفسها بنسبة 6.3 في المئة.

ولأنّ العاصمة لندن تقع في الجنوب، فهي تحظى بنصيب الأسد من الإنفاق الحكومي سواء كانت الحكومة من حزب المحافظين أو حزب العمال، ويتهم الشماليون الحكومة بأنها تستهدف أولاً إرضاء لندن لأسباب سياسية.

تصاعد التكلفة
في البداية، حين طُرح مشروع خط الربط السريع بين الشمال والجنوب كان يُفترض أن يُنجز بمعدل يقترب من إنجاز الخط الأول (HS1) الذي يربط لندن وباريس بقطار سريع عبر نفق تحت القنال الإنجليزي، الذي اُفتتح في عام 2003.

وقُدِّرت التكلفة حينها بنحو 44 مليار دولار (34 مليار جنيه إسترليني) لترتفع بمرور الوقت منذ 2009 حتى الآن، هذا إلى جانب التأخير في الموعد المتوقع لإنجاز المشروع.

وفي 2015 قُدِّرت التكلفة بأكثر من 72 مليار دولار (56 مليار جنيه إسترليني) لتصبح الآن عند ما يقارب 138 مليار دولار (نحو 106 مليارات جنيه إسترليني).

وإن كان بعض التقديرات المتواضعة يضع التكلفة الآن عند 105 مليارات دولار (أكثر من 80 مليار جنيه إسترليني)، فإنه من المتوقع زيادتها من الآن وحتى موعد إنجاز المشروع التقريبي عام 2031، وهو تاريخ غير مؤكد حتى الآن.

مثالٌ آخر على ارتفاع التكلفة بمرور الوقت، وتأخّر مواعيد إنجاز المشروعات، هو خط قطارات (كروسريل)، الذي يستهدف ربط غرب لندن بشرقها، وكانت تكلفته التقديرية في البداية لا تزيد على 19 مليار دولار، زادت في 2018 إلى أكثر من 26 مليار دولار.

ومع تأخّر إنجاز المشروع الذي كان مقرراً الانتهاء منه قبل عامين ربما تزيد التكلفة مجدداً قبل افتتاحه في الموعد المقدر الآن بالعام المقبل.

أسباب متعددة
تاريخياً، يُعرف عن الإنجليز الدقة في المواعيد والتقديرات المالية، لكن يبدو أن تلك الميزات تراجعت بشدة في العقود الأخيرة، بل أصبحت بريطانيا تشهد أكثر من تأجيل أو حتى إلغاء مشروعات كبرى، نتيجة فوضى تقديرات التكلفة.

ومن المشروعات الكبرى التي تأجّلت أو ألغيت عملياً في السنوات الأخيرة محطة (هينكلي بوينت) لتوليد الكهرباء، ومشروع الردع النووي، وبرنامج إنتاج طائرات مقاتلة، وممر هبوط وإقلاع ثالث في مطار هيثرو، ومشروع مجاري التيمز العملاق، على سبيل المثال لا الحصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورغم الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لتلك المشروعات فإن بعضها تأثّر بإعادة توزيع الإنفاق الحكومي في مجالات أخرى، رغم ما أُنفق من ملايين الجنيهات على الدراسات والاستشارات بشأنها.

إنما الخلل الأهم هو في المشروعات التي بدأت، وتأخذ سنوات أطول مما قُدّر لها، وتزيد تكلفتها أضعافاً أحياناً. لعل المثال الأوضح هو مشروع صيانة برج ويستمنستر وساعة بيغ بن الشهيرة، فحين بدأ المشروع عام 2017 قُدّرت تكلفته بنحو 41 مليون دولار (32 مليون جنيه إسترليني)، وكان يُفترض الانتهاء منه العام الماضي أو هذا العام، لكن التكلفة ارتفعت الآن إلى أكثر من 100 مليون دولار (79.7 مليون جنيه إسترليني)، ولا ينتظر الانتهاء منه قبل عدة سنوات.

يرجع المقاولون الذين يقومون بالعمل التأخير إلى اكتشاف أضرار في البرج، لم تكن واضحة في البداية عند تقدير التكلفة الأولية. لكن مراقبين يتابعون الإنفاق الحكومي يرون أن مشروع صيانة برج الساعة، على صغر حجمه مالياً، يعد نموذجاً لما يحدث من فساد بين المقاولين والسياسيين.

فعلى شركة المقاولات في قطاع ما أن تجد صلة مع الوزير أو المسؤول المعنيّ، وتقدم عرضاً أولياً قليل التكلفة ومدة إنجاز مغرية، ثم تبدأ التكاليف في التضخم مع تأخر مدة الإنجاز لأسباب تجهزها الشركة المتعاقدة، ويوافق عليها الوزير أو المسؤول.

ويرى منتقدو الحكومة أن ذلك السلوك أصبح سمة في مجال الأعمال التي تتضمن إنفاقاً حكوميّاً وعامّاً، ولا يقتصر على الوزارات والإدارات الرئيسة، بل كذلك تجده في المجالس المحلية والأحياء أيضاً.

المزيد من رأي اقتصادي