Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران والانتخابات... هجرة الإصلاحيين نحو الأطراف

تراجع قدرة المناورة لدى الأحزاب الإصلاحية أسهم في خلق حالة من الانقسام الداخلي

ارتفاع نسبة المشاركين سيسمح بخرق النتائج ويساعد التيار الإصلاحي على تحقيق انتصار على حساب نظيره المحافظ (أ.ف.ب)

على الرغم من جميع المحاولات التي تبذلها الأحزاب الإصلاحية لتجاوز الأزمة الناتجة عن تراجع قدرتها على تقديم مرشحين بارزين ومؤثرين لتمثيلها في الانتخابات البرلمانية، خصوصاً في العاصمة طهران، فإنّ التيار المحافظ وقوى السلطة تصران على تعميق الجرح الإصلاحي، من خلال تأكيد أن الأحزاب الإصلاحية تملك مروحة من الأسماء المرشحة تتعدى 40 اسماً في طهران، ما يسمح لها بإعلان قائمة متكاملة من 30 اسماً عن جميع مقاعد العاصمة، وأن هذه اللائحة تضم أسماء نحو 14 نائباً حالياً عن العاصمة إلى جانب أمناء عامين وأعضاء في اللجان المركزية لهذه الأحزاب، وأن الأعذار والمسوغات والاتهامات التي يسوقها التيار الإصلاحي عن مساعي إخراجهم من السباق والحياة السياسية لا أساس لها من الصحة، وهي قادرة على المنافسة بمواجهة لوائح وقوائم التيار المحافظ.

تراجع قدرة المناورة لدى الأحزاب الإصلاحية أسهم في خلق حالة من الانقسام داخل صفوفها، خصوصاً بين اللجنة العليا لتنظيم سياسات الإصلاحيين من جهة، والأحزاب الإصلاحية من جهة أخرى حول محددات المشاركة في الانتخابات والعناوين السياسية التي تمثل هذا المشاركة.

الأمر الذي دفع مسؤولي اللجنة العليا إلى تأكيد أنها لن تعلن أي قائمة باسم التيار الإصلاحي عن العاصمة، وأن باستطاعة هذه الأحزاب المشاركة تحت عنوان "تحالف الأحزاب"، أو الدخول بقوائم حزبية "منفردة" من دون أن يكون التيار الإصلاحي مسؤولاً عن نتائجها.

لا لائحة موحدة

امتناع التيار الإصلاحي عن تقديم لائحة موحدة باسمه، خصوصاً عن العاصمة طهران التي تشكّل العمود الفقري الأساس بالمعركة السياسية بينه والتيار المحافظ، يكشف عن وصول هذا التيار إلى قناعة بصعوبة أو حتى استحالة تحقيق خرق واضح في النتائج التي ستخرج من صندوق الاقتراع، التي لن تكون لصالحه في أيّ حال من الأحوال، خصوصاً أن التقديرات الحقيقية لهذا التيار والتيار المحافظ أيضاً بأن المشاركة الشعبية في هذه الانتخابات، خصوصاً في المدن الكبيرة ومنها العاصمة طهران، لن تكون بالحجم والمستوى المطلوبَين.

وأنّ المعادلة التي تقول إن تراجع نسبة المقترعين والمشاركين في الانتخابات يصبّ في صالح مرشحي التيار المحافظ القادر على حشد جمهوره وتوجيهه، لتصب آراؤه لصالح مرشحي هذا التيار، في حين أن ارتفاع نسبة المشاركين سيسمح بإحداث خرق في النتائج، ويساعد التيار الإصلاحي على تحقيق انتصار على حساب التيار المحافظ، نظراً إلى أن الكتلة البشرية الأكبر من الناخبين لا تصبّ لصالح المحافظين.

وبالتالي، ربما تشكّل هذه الكتلة بتنوّعاتها وتوجهاتها المتعددة والمتنوعة رافعة لمرشحي التيار الإصلاحي على غرار ما حدث في الانتخابات السابقة، التي أسهمت المشاركة الواسعة في تعزيز حظوظ الإصلاحيين في الانتصار على حساب المحافظين.

ولعل الانتخابات الأخيرة، إن كانت الرئاسية أو مجلس خبراء القيادة أو البرلمانية، تشكّل مؤشراً واضحاً على رهانات هذه القوى بمختلف توجهاتها على حجم المشاركة الشعبية، ويمكن اعتبار انتخابات مجلس خبراء القيادة الأخيرة ترجمةً واضحةً لذلك، عندما فازت اللائحة المدعومة من الرئيس حسن روحاني والتيار الإصلاحي في مواجهة لائحة التيار المحافظ، على الرغم من أنّ المرشحين لهذا المجلس يُفترض أنهم من أكثر المتشددين والمحافظين، نظراً إلى طبيعة المهمة المنوطة بهم في اختيار المرشد ومراقبة أعماله.

ولم يستطع التيار المحافظ تحقيق خرق في اللائحة المنافسة إلا بشق الأنفس، وبعد إعادة فرز النتائج التي سمحت للشيخ أحمد جنتي رئيس مجلس صيانة الدستور باحتلال أسفل قائمة الفائزين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وانطلاقاً من قناعة بدأت تتبلور، وتتكوّن لدى التيار الإصلاحي بصعوبة تأمين مشاركة شعبية واسعة تضمن لهم تحقيق خرق في النتائج على حساب المحافظين، وتحديداً في المدن الكبيرة وطهران تحديداً بما هي "أم المعارك الانتخابية"، وإدراك حقيقي بأن المناشدات الحثيثة والمتوالية التي تصدر عن القيادات الإصلاحية عموماً والرئيس حسن روحاني خصوصاً، والدعوة إلى أوسع مشاركة في عملية الاقتراع ذهبت أدراج الرياح، خصوصاً أن إمكانية إقناع الشارع الشعبي بصوابية وقدرة المشاركة على إحداث تغيير في النتائج والمواقف باتت صعبة.

حقائق ووقائع

التجارب أثبتت أن هذه المشاركة وتوفير الأرضية للإصلاحيين في الوصول إلى مراكز القرار لم يعطيا أي نتيجة، ولم يحققا أي كابح لسلطة التيار المحافظ وقوى النظام، التي مارست شتّى أنواع الضغوط والألاعيب التي عرقلت كل مساعي الإصلاح والتغيير، فضلاً عن التراكم الحاصل في الأزمات الاقتصادية المتوالية التي يعيشها المجتمع الإيراني وغياب الحلول المعقولة والناجعة لهذه الأزمات التي فاقمت من الصعوبات المعيشية، والتعامل مع الحركات المطلبية والاحتجاجية بخلفيات أمنية وتآمرية، ما أسهمَ في تراجع وفقدان الثقة الشعبية بالآليات الديمقراطية والانتخابية التي تعيد إنتاج الطبقة السياسية نفسها. الأمر الذي عزز بالتالي توجه مقاطعة هذه الانتخابات، والعزوف عن المشاركة حتى لصالح الإصلاحيين أو المعتدلين، إن كان من منطلق رفض الطرفين من جهة، أو إدراك عجز هذه القوى عن إحداث التغيير المطلوب من جهة أخرى.

أمام هذه الحقائق والوقائع، يبدو أن القوى والأحزاب الإصلاحية ربما تتجه إلى تركيز جهودها في الأيام المتبقية للانتخابات على النواحي والأطراف خارج المدن الرئيسة والكبيرة، مع استمرار الجهود لتشكيل قائمة متكاملة تضم 30 اسماً عن العاصمة طهران، من منطلق الحفاظ على مواقعها وعدم إخلاء الساحة للفريق المنافس.

وهي بالتالي، وفي ظل عدم وجود أسماء ذات ثقل سياسي أساسي وبارز من الإصلاحيين بين المرشحين، وأن النواب الحاليين الـ14 الذين استطاعوا النجاة من مقصلة لجنة دراسة الأهلية في مجلس صيانة الدستور لا يمثلون الصف الأول بين الإصلاحيين، فإن العودة إلى الزجّ بهم في أتون معركة التنافس على مقاعد طهران ربما يشبه الدخول في معركة محسومة النتائج، وأن التضحية بهم ربما تكون من باب "مكره أخاك لا بطل".

استراتيجية جديدة

مِن هنا، يبدو أن الانتقال إلى اعتماد استراتيجية جديدة بالتوجه نحو الأطراف، يبدو أنها ربما تشكّل مغامرة إصلاحية غير مضمونة النتائج، وقد لا تسمح لهم بتحصيل السقف الذي يجري الحديث عنه خلف الكواليس بعدد مقاعد الإصلاحيين في البرلمان الجديد التي ربما لا تصل إلى الثلث، إضافة إلى أنها بمثابة نقل المعركة إلى الساحة التي تشكّل الملعب الرئيس للتيار المحافظ، التي يعتمد عليها في جمع الأصوات في مختلف العلميات الانتخابية التي تشهدها إيران دورياً.

مع اقتراب موعد الانتخابات، تضيق مساحة المناورة أمام التيار والقوى الإصلاحية في معركة البقاء والحياة السياسية، التي يبدو أن التيار المحافظ وقوى النظام حسمتا خياراتهما في فرض سيطرتهما على مراكز القرار، على اعتبار أن الانتصار في المعركة البرلمانية ستؤسس لمعركة الرئاسة ما بعد روحاني بعد أقل من سنتين.

وعليه، فإنه لن يتردد في استخدام جميع الوسائل والطرق لتحقيق هذه الأهداف، في حين أن التيار الإصلاحي سينتظر المجتمع الإيراني لإعادة بناء ثقته بأنه قادرٌ على إحداث التغيير المطلوب، وعندها قد لا يكون للإصلاحيين ولا المحافظين مكان في هذا التغيير.

المزيد من تحلیل