"لن يكون هناك ليل" لروبرت شروود: في الجانب الآخر من أوروبا

عندما كان الإبداع يسبق السياسيين الى الحروب... العادلة

من تقديم لمسرحية "لن يكون هناك ليل"

خلال خريف العام 1940 لم تكن الولايات المتحدة الأميركية قد انخرطت في الحرب العالمية الثانية بعد وعلى الأقل بالقوة التي تجعلها، كما ستكون بعد حين، حاسمة. بل كان ثمة قوى وأطرافا تدّعي الحياد لكنها تبذل كل ما لديها من قوة كي تبقى أميركا خارج الصراع، وكانت تلك القوى في حقيقتها مؤيدة للهتلرية تريد من واشنطن الوقوف على الحياد كي لا يُهزم النازيون. في ذلك كانت الإنعزالية الأميركية سلاحا قويا في يد اليمين المتطرف الأوروبي. لكن تلك الإنعزالية بدت مستحيلة في نهاية الأمر، فأوروبا تضج بالرصاص والدماء ونعرف أن القسم الأعظم من الأميركيين من أصول أوروبية، وبالتالي حين ينصرف الكتّاب إلى الكتابة والفنانون إلى الغناء وحين تعج نيويورك وهوليوود بالمبدعين الأوروبيين الهاربين من المجازر لكنهم غير قادرين على السكوت، لا يعود في إمكان البيت الأبيض الصمت أكثر.

ولكننا نعرف أيضا أن كل المبدعين لم ينصبّوا معا لمقاومة هتلر فنيا، بل كان منهم من نظر إلى المقلب الثاني: إلى الشرق حيث ثمة قوة أخرى يجب التصدي إبداعا لها. صحيح أن هذا الجانب كان أقل أهمية، لكنه لعب دورا أيضا في جعل أميركا تتورط أكثر وأكثر في كل الإتجاهات. ومن علامات هذا الجانب الآخر، الكاتب المسرحي روبرت شروود الذي كان من كبار برودواي في ذلك الحين كما كان معروفا بمواقف سياسية إنسانية غامضة. ومن هنا نراه اختار أن يتصدى لموضوع قلما كان ثمة في الرأي العام الأميركي من يهتم له: الجانب الشرقي من أوروبا، وتحديدا تلك الحرب الروسية – الفنلندية التي يمكن القول أن مسرحية لشروود عنوانها "لن يكون هناك ليل" عرفت كبف تقفز بها إلى واجهة الأحداث وتضعها أمام أنظار الرأي العام بشكل مباغت مؤكدة دور الفن في توعية المجتمع.

الحياد المستحيل

تدور أحداث المسرحية بين العامين 1938 و1940 وتتحدث عن عالم فنلندي فائز بجائز نوبل وزوجته الأميركية الأصل، صحيح أن الإثنين يقفان خارج السياسة غير أنهما مشغولا البال بما يحث من صراعات يصعب عليهما تصديق أنها يمكن أن تنتهي بغزو قوات الجيش الأحمر الروسية لذلك البلد الصغير الهادئ. ومن هنا يبقيان على عنادهما وإصرارهما على الإيمان باستحالة حدوث ذلك. بيد أن "حرب الشتاء" – كما أُطلق عليها – تلك الحرب غير المتكافئة، تندلع بالفعل رغم كل الوعود والنوايا الطيبة وينظر الزوجان بحزن وأسى إلى ابنهما الفتى وقد انتهى به الأمر إلى التطوع في الجيش الفنلندي، بل إن العالم نفسه لا يتردد إثر ذلك عن الإنضمام بدوره إلى الهيئة الطبية التابعة لذلك الجيش.

لقد نفى شروود دائما أن مسرحيته هذه التي قدمت طوال ثلاثة أشهر متتالية تمثل دعوة للحرب أو تخوض صراعا إيديولوجيا ضد موسكو. قال إنها مجرد دعوة لمناصرة الضعيف ضد القوي والمعتدى عليه ضد المعتدي. بل سيقول لاحقا أنه إنما استلهم المسرحية من برنامج إذاعي كان يُبث من الجبهة الفنلندية. والحقيقة أن العمل حقق نجاحا كبيرا واقتبس للتلفزة كما للراديو. وساهم في تعزيز شهرة شيروود بشكل غير متوقع. لكنه كذلك أتى ليقول كم أن في إمكان الإبداع أن يتدخل في السياسة وفي شؤون العالم من دون أن يغرق في الصراعات الفكرية، لكنه أتى من ناحية أخرى ليكشف جانبا من الممارسات الستالينية لم تكن الأضواء الكاشفة قد بدأت تُلقى عليه كما يجب.

أما بالنسبة إلى شروود نفسه فقد لا يتذكره اليوم سوى قلة من الناس. ومع هذا لو تذكرنا أعماله لفوجئنا بأنها كانت من شأنها أن تجعل منه واحداً من أشهر الأسماء، في عالم الكتابة المسرحية على الأقل، إلى جانب يوجين أونيل، ثورنتون وايلدر وتنيسي ويليامز، معاصريه. فإذا تذكرنا هنا أن عدد الجوائز الأدبية (لا سيما جائزة بوليتزر، الجائزة الأكبر في عالم الكتابة الأميركية) التي نالها شروود عن العديد من أعماله، يفوق ما ناله أي كاتب آخر من مجايليه، يتحول العجب إلى دهشة. فشروود نال أربع مرات تلك الجائزة التي يتطلع إلى نيلها الكتّاب الأميركيين بدون استثناء، ونال «أوسكار» لأفضل سيناريو، عن السيناريو الذي وضعه لواحد من أهم الأفلام الأميركية: «أجمل سنوات حياتنا». ومع هذا لو سألت أميركياً اليوم عما يعرفه عن روبرت شروود لنظر اليك مندهشاً وقال أنه لا يعرف شيئاً!

طاقة استثنائية

كان روبرت شروود طاقة استثنائية، وهذا ما جعله يشعر دائماً بالقلق وبأنه ليس أبداً في موضعه الطبيعي، ومن هنا كان تمرده الدائم، وقدرته على ترك الأمور غير مكتملة، لا سيما منها ما يتعلق بالدراسة. فهو في شبابه الباكر حين بدأ يتلقى دراسة متميزة في جامعة هارفارد، شعر ذات يوم بأنه يمكنه ان يوقف ذلك كله ففعل. فعل، ولكن ليتحول إلى صحافي ناجح ومن ثم إلى كاتب مسرحي وغير مسرحي وكذلك إلى ناقد أدبي وسينمائي. غير أنه كان سرعان ما يهجر ذلك كله حين يشعر بالسأم، هو الذي كان نادراً ما يأخذ الأمور بشكل جدي، إلى درجة يروى عنه معها، أنه حين عمل في بطانة الرئيس روزفلت في مرحلة متأخرة من حياته ككاتب للخطابات الرئاسية، كان يتعمد في الصيغة الأولى لكل خطاب يكتبه أن يمرر عبارات عبثية ساخرة في كل شيء تضحك الرئيس ثم تُمحى بعد ذلك بالطبع.

ولد شروود العام 1896 في مدينة نيو روشيل (نيويورك). وتلقى دراسته في نيويورك، وكان لا يزال يافعاً حين خاض الحرب العالمية الأولى، ضمن القوات الكندية في الجبهة الفرنسية. وهذا ما قاده لاحقاً لأن يقف ضد الحروب من جهة، ولأن يعتبر نفسه معنياً بأوروبا من جهة ثانية. ومن هنا ما سنلاحظه من أن  بعض مسرحياته الكبرى تستمد مواضيعها من القارة الأوروبية، محاولة بالطبع أن تسقطها على الشؤون الأميركية. ومن ذلك مثلاً مسرحيته «الطريق إلى روما» التي يتحدث فيها بشكل عنيف وساخر عن غزو هنيبعل لروما، قائلاً من ناحية أنه كان وراء القائد الفينيقي القرطاجي امرأة كانت هي دافعته وملهمته، ومن ناحية ثانية أن روما كادت تهزم لأنها بدت شديدة الاعتداد بنفسها أمام ذلك «الغزو الهمجي». وكان من الواضح أن شروود يعني بروما، الولايات المتحدة الأميركية.

حياة مليئة بالمسرح

بالنسبة لمسرحياته، اشتغل شروود بعد عودته من الحرب محرراً لمجلة «لايف»، لكنه سرعان ما أقيل من تلك الوظيفة بسبب موقفه المعادي لقرارات الدولة بمنع الخمور. لكن تلك الإقالة لم تزعجه لأنها أتت في العام نفسه الذي كانت مسرحيته «الطريق إلى روما» عرضت وحققت قدراً كبيراً من النجاح (1927) وفيها كشف شروود عن موقف سلمي معاد للحروب، هو نفس الموقف الذي سيعبر عنه في مسرحيته التالية «جسر واترلو» (1929). غير أنه سرعان ما سئم تلك المواضيع فراح في مسرحياته التالية يرسم صورة لأناس يستعيدون بسبب ظروف موضوعية قيم الحياة والاهتمام بها (كما في «الغابة المجمدة» - 1935، و«لذة العبيط» - 1936... الخ) وهذه المسرحية الأخيرة نال عنها جائزة بوليتزر وهي نفس الجائزة التي سيحوزها مرتين متتاليتين بعد ذلك عن مسرحيتيه «ابراهام لنكولن في الينوي» (1938) و«لن يكون هناك ليل» (1940).

غير إن ذلك كان آخر عهد شروود مع المواقف السلمية إذ أنه خلال الحرب، وإذ أضحى مساعداً رئيسياً للرئيس روزفلت، راح يدعو إلى النضال ضد النازية بكل قوة. وهو عبر عن ذلك خاصة في الخطابات التي راح يكتبها للرئيس روزفلت والتي اتسمت في حينه بسمة تقدمية واضحة، إضافة إلى أنها ساهمت في تقريب وجهات النظر بين موسكو وواشنطن. غير أن علاقة شروود بروزفلت لم تنته مع كتابة الخطابات ورحيل الرئيس الديموقراطي، بل تواصلت حيث كتب شروود أفضل سيرة وُضعت لحياة روزفلت بعنوان «روزفلت وهوبكنز» وهي السيرة التي نال عليها شروود جائزة بوليتزر من جديد. أما بالنسبة إلى السينما فإن السيناريو الذي كتبه شروود لفيلم «أجمل سنوات حياتنا» كان بدوره دعوة إلى السلام بعد أن انقضت الحرب، ولا يزال يعتبر إلى اليوم واحداً من أكثر الأفلام دعوة ضد الحرب في تاريخ السينما الكلاسيكية الهوليوودية.

المزيد من ثقافة