Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أحزاب ونقابات جزائرية معلقة… وتبون يتريث

يسعى الرئيس الجزائري إلى إنشاء مناخ سياسي جديد في البلاد

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (غيتي)

حينما بدأت منظومة الفساد السياسي في الجزائر بالانهيار، وكانت غير قادرة على الصمود أمام هزات الشارع قبل حوالى عام، تكشفت للرأي العام حقائق صادمة عن مدى ارتباط هذا الفساد بمنظومة الأحزاب والنقابات، التي نشطت في الساحة منذ عقود. وقد تحولت تلك التنظيمات، التي يصفها دستور البلاد بـ "جمعيات ذات طابع سياسي"، إلى وعاء لصناعة التأييد المطلق لمنظومة الحكم، ثم إلى تخريج كم كبير من المسؤولين "الفاسدين".

رغبة في التطهير

حينما واجهت حكومة نور الدين بدوي سقفاً مرتفعاً من مطالب الحريات الفردية والجماعية وسط الحراك الشعبي، لجأت إلى طرح مبادرة سياسية روجت فيها لإجراءات مبسطة مقابل تأسيس حزب سياسي أو نقابة مهنية. فقد كان الأمر خاضعاً لعقود طويلة لـ "مزاج" السلطة أو لـ "موافقة مسؤول كبير عبر اتصال هاتفي"، من دون أي التزام بنص الدستور ولا بمواد قانون الانتخابات. وكلاهما، في هذا السياق، يتضمنان نصوصاً "براقة" استعملها النظام السابق في التباهي بـ "ديمقراطية" غير موجودة داخل كبرى الهيئات الدولية، الأمم المتحدة أو مكتب العمل الدولي.

لكنه بعد أكثر من نصف عام على تاريخ إيداع ملفات طلب التأسيس لدى وزارة الداخلية، لم تحصل أحزاب كثيرة عقدت مؤتمراتها التأسيسية على الاعتماد الرسمي. ينص قانون الأحزاب الجزائري على أن أي حزب استوفى الشروط وسلم ملف اعتماده إلى وزارة الداخلية يحصل على الاعتماد بقوة القانون، في حال لم تجبه المصالح الحكومية في غضون شهرين.

من باب "الحيلة"، فإن أياً من الأحزاب التي "رُحب" بتأسيسها في فترة الحراك الشعبي العام الماضي، لم تستلم "وصل إيداع" يثبت الفارق الزمني بين تاريخ إيداع الملف رسمياً وبين تاريخ انتهاء فترة الشهرين. وهو سلوك معهود مارسته غالبية الحكومات المتعاقبة في فترة ما بعد 1999، تاريخ وصول الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم.

وحده حزب "صوت الشعب"، الذي أسسه البرلماني المستقل لمين عصماني، حصل على اعتماد رسمي قبل نهاية العام الماضي، ليكون التشكيلة السياسية الوحيدة التي نشأت عام 2019. هذه الحقيقة، قد تكون سبب عزوف تيارات شبابية متعددة، برزت في الحراك الشعبي، عن التحول إلى النشاط المقونن رسمياً.

محيط الرئيس الحالي عبد المجيد تبون يدافع عن نوايا الرجل ونظرته إلى العمل الحزبي والنقابي عموماً. وتقول مصادر في رئاسة الجمهورية لـ "اندبندنت عربية" إن تصور الرئيس لم يتشكل بعد بخصوص الطبقة السياسية المشبعة بمئات الأحزاب والنقابات، فالرئيس يتريث بين خيارات عدة، وأشدها "تطرفاً" قد يكون حل جميع الأحزاب السياسية والنقابات المهنية بمجرد إقرار دستور جديد للبلاد. وإلى غاية ذلك التاريخ، فإن واقع تأسيس أحزاب ونقابات لم يتغير كثيراً بين الأمس واليوم.

وعلمت "اندبندنت عربية" من مؤسس أحد الأحزاب الجديدة، الذي رفض كشف هويته، أن رئاسة الجمهورية قد راسلت وزارة الداخلية الأسبوع الماضي بعدما اشتكى إلى مسؤول كبير في محيط تبون، مما سماه "رفض وزارة الداخلية الامتثال لنص قانون الأحزاب". وينقل المصدر رد مسؤول الرئاسة بعدما تواصل مع وزير الداخلية "الوزير يتمنى منكم الصبر لبعض الوقت على الرغم من علمه باستيفاء حزبكم شروط النشاط".

قد تكون فكرة تبون إنشاء مناخ سياسي جديد يقتضي "تجميد" ما هو موجود في الساحة إلى حين ضبط قواعد اللعبة السياسية في البلاد، قبل الانطلاق في تعديل الدستور وإجراء الانتخابات التشريعية والبلدية والولائية. هذه الفكرة قد تكون هي الواقع الذي يفسر سلوك رئاسة الجمهورية، بما أنها رفضت جميع "عروض الود" من أحزاب التحالف الرئاسي السابق. ما يعني الدفع إلى تأسيس أحزاب جديدة باسم ثورة نوفمبر (تشرين الثاني) وباسم التيار الإسلامي الإصلاحي، إلى جانب رموز إسلامية أخرى لها ولاءات للسلطة كما هو الحال مع رغبة العقيد المتقاعد محمد العربي الشريف، الذي يروج لتأسيس حزب جديد يعتمد "النوفمبرية الباديسية"، نسبة إلى بيان تفجير الثورة الجزائرية وإلى الإصلاحي عبد الحميد بن باديس مؤسس "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين".

توقف دفعات النقابات

لا يختلف واقع النقابات الجديدة في فترة ما بعد انتخاب تبون عن الفترة السابقة. إذ انقطعت فجأة أخبار اعتماد نقابات جديدة بعدما درجت حكومة العام الماضي على إعلانها بشكل دوري. فخلال أشهر السنة الماضية، وبمجرد استقالة بوتفليقة، اعتمدت وزارة العمل نقابات جديدة في قطاعات التربية والتكوين المهني والصحة والاتصالات وغيرها.

كما أقرت الحكومة بداية من سبتمبر (أيلول) الماضي تعديلات على بعض مواد القانون المتعلق بكيفية ممارسة الحق النقابي، بناءً على تعليمات تلقتها من المكتب الدولي للعمل، حيث أزالت التدابير التي كانت تقيد إنشاء المنظمات النقابية. كما بسّطت إجراءات تسجيل النقابات، إلى جانب إلغاء شرط الجنسية للسماح للعمال وأصحاب العمل الأجانب بإنشاء منظمات نقابية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونصت تلك التعديلات على توفير حماية خاصة للمندوبين النقابيين عند ممارسة وظائفهم التمثيلية، التي تتجلى في اتخاذ تدابير جديدة رامية إلى حمايتهم من أي قرار مناهض للعمل النقابي، وكذلك تنظيم تقلد الأجانب للمناصب القيادية والإدارية في المنظمات النقابية في ظل احترام بعض الشروط. هذه الإجراءات التي تبين لاحقاً أنها "مؤقتة" نتيجة توازنات داخلية على علاقة بالشارع، جعلت عدد النقابات مع نهاية عام 2019 يرتفع إلى 119 منظمة نقابية، من بينها 77 نقابة عمالية و42 أخرى للمستخدمين (أرباب العمل).

يقول هواري بن محيود، العضو في المكتب الجهوي لنقابة الإدارة العمومية لـ "اندبندنت عربية"، إن "برنامج الرئيس تبون تجاه العمل النقابي غير واضح بعد. التزم بدعم الحريات كشعار، لكنه لم يفصح عن نواياه بالتفصيل". وتابع "لم نلحظ إلى اليوم أي تحول في التعامل مع العمل النقابي عموماً، سواء تأسيس نقابات أو اعتبارها شريكاً اجتماعياً مباشراً". وعلى النقيض، يقول بن محيود، "سنكون غير منصفين إذا أنكرنا أن القبضة الأمنية ضد العمل النقابي عموماً قد خفت إلى درجة كبيرة. وهذا المعطى قد يتغير لأن البلاد لم تشهد في فترة تبون أي منعرجات اجتماعية كبيرة تضطر فيها السلطة إلى مواجهة نقابيين".

ويخشى نقابيون أن يظل اعتراف السلطة محصوراً بالاتحاد العام للعمال الجزائريين. وهو أكبر تنظيم نقابي في البلاد، وظل لعقود شريكاً مباشراً ووحيداً في لقاءات الحكومة وأرباب العمل (رجال الأعمال)، التي تصدر عنها أكبر القرارات المخصصة للمسائل الاجتماعية، بينما كانت نقابات مستقلة هي من تصنع الحدث في قطاعات عدة بعدما احتكم الاتحاد العمالي لمنطق "الهدنة"، بعد تورط أمينه العام السابق عبد المجيد سيدي السعيد في ولاء مطلق لنظام بوتفليقة.

المزيد من العالم العربي