دارفور والبشير... 17 سنة من المطاردة

تزامن إعلان تسليمه مع تمديد ولاية "فريق الخبراء" المعني بالعقوبات الدولية على السودان

النجم الهوليودي جورج كلوني في زيارة الى مخيم زمزم في شمال دارفور (أ.ب)

حسم اعتزام مجلس السيادة الانتقالي في السودان بإعلانه تسليم الرئيس السابق عمر البشير وثلاثة آخرين إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي جراء جرائم ارتكبت في إقليم دارفور منذ عام 2003؛ الجدل الذي شهدته المحاولة ما بين مصدِّقٍ ومكذِّب. وحين قطع عضو مجلس السيادة الناطق الرسمي باسم الوفد الحكومي محمد حسن التعايشي من جوبا عاصمة جنوب السودان، حيث تجري المفاوضات مع الحركات المسلحة السودانية حول سلام دارفور، بأنَّ الوصول إلى سلامٍ شامل بين الحكومة وإقليم دارفور لن يتم من دون الاتفاق على تحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب خلال الفترة الانتقالية، يكون قد أوضح رؤية الحكومة الانتقالية من أجل تحقيق السلام الشامل ومعالجة ملفات الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في دارفور ومناطق نزاع أخرى، وهو الملف ذاته الذي طار به الوفد الحكومي في عهد الإنقاذ إلى عواصم أفريقية وعربية كثيراً، متفاوضاً مع الحركات المسلحة لتحقيق هدفٍ واحد هو إطالة عمر النظام وإبعاد شبح الجنائية.

غرس الشر

اندلع النزاع في إقليم دارفور غرب السودان بعد مجيء البشير بانقلابٍ عام 1989، عندما حملت السلاح مجموعات تنتمي إلى أقليات أفريقية ضد حكومة الخرطوم بدعوى تهميش الإقليم سياسيّاً واقتصادياً، واجهتها الحكومة بتجييش ميليشيات تنتمي إلى قبائل عربية في الإقليم لقمع التمرد مما حوَّل النزاع إلى حرب إثنية، صُنِّفت كحرب إبادة جماعية راح ضحيتها 300 ألف شخص ونزح 2.5 مليون من مناطقهم وفق تقارير الأمم المتحدة. وما أدى إلى إطالة أمد الحرب هو استقواء القبائل العربية في دارفور بالحكومة السابقة التي كانت ترعاها وتستغلها، كما نجحت الحكومة في تأجيج الصراعات السياسية المبنية على العصبية القبلية، وهي في الغالب تحركها مصالح شخصية وفئوية تسعى إلى كسب مناصب سياسية من خلال التكتلات والتناحر والمواجهات القبلية.

وفي الأعوام 2008، و2009، و2010، أصدر المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو، مذكرات توقيف بحق البشير، وعبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع الأسبق، وأحمد هارون أحد مساعدي البشير ووزير الدولة بالداخلية الأسبق، وعلي كوشيب زعيم ميليشيا محلية، بتهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وبعد الإطاحة بالبشير فتحت النيابة العامة تحقيقاً في تلك الجرائم ضمن مسارٍ تفاوضيٍّ لإحلال السلام في دارفور تخوضه الحكومة الانتقالية وحركات مسلحة في دارفور.

عكس طواحين الجنائية

 على الرغم من مذكرات الاعتقال الدولية بحقه، إلّا أنَّ البشير ظل سنوات يزور دول المنطقة في محاولة لكسر عزلته كما أنه ذهب إلى روسيا والصين وغيرهما، وظلت حكومته ترفض التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية التي أحال عليها مجلس الأمن الدولي ملف دارفور بعد إجراء بعثة أممية تحقيقاً حول جرائم في دارفور. ففي يونيو (حزيران) 2015 عاد البشير من القمة الأفريقية الخامسة والعشرين في جوهانسبرج محطِماً آمال السودانيين باعتقاله، إذ قدّمت إحدى منظمات حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا مذكرةً التمست من محكمة بريتوريا العليا إصدار أمر لحكومة جنوب أفريقيا بمنع البشير من مغادرة البلاد وإلقاء القبض عليه، لتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية. وقد شكَّل أمر الاعتقال ذاك تجديداً لمذكرة المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرتها عام 2009. كان احتمال اعتقال البشير كبيراً وفقاً لتصريحات المدعية العامة للمحكمة الدولية فاتو بنسودا بأنّ جنوب أفريقيا تخضع لالتزام قانون روما بالقبض عليه، آملة في إحالته على الجنائية الدولية التي أُحيلت عليها قضيته من مجلس الأمن عام 2005.

لم يكن ذاك هو الهروب الكبير الوحيد بالنسبة إلى البشير على الأقلّ أفريقياً، فقد تعرّض للتوقيف في العاصمة النيجيرية أبوجا التي غادرها قبل إكمال جلسات القمة الأفريقية المخصصة لمناقشة أمراض الملاريا والإيدز والسل في أفريقيا، وذلك في يوليو(تموز) 2013. وقد تحركت أيضاً المنظمات الحقوقية النيجيرية آنذاك وحثَّت إدارة الرئيس النيجيري السابق جودلاك جوناثان قبل زيارة الرئيس السوداني على الالتزام بتعهداتها باعتقاله فور وصوله تنفيذاً لمذكرة المحكمة الجنائية الدولية. ومثلما اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أنّ زيارة البشير نيجيريا تمثل امتحاناً حقيقياً لالتزام نيجيريا بقرارات المحكمة الجنائية، فقد عبَّرت أيضاً بأنّ مجرد السماح للبشير بالذهاب إلى جنوب أفريقيا من دون اعتقاله يمثّل وصمة كبرى لسمعتها، وتستغرب من أنّ الالتزامات القانونية لجنوب أفريقيا كعضو في المحكمة الجنائية الدولية من المفترض أن تعني التعاون لاعتقال البشير وليس التواطؤ معه في ترتيب هروبه.

وبعد شهرٍ واحد على تلك الأزمة، شارك البشير في القمة الأفريقية للسياج الأخضر في موريتانيا. وعلى الرغم من أنّ موريتانيا لم توقّع على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية، إلّا أنَّ المدعية العامة للمحكمة فاتو بنسودا أدخلتها ضمن الدول المطالَبة بتوقيف البشير بناءً على مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه.

تذبذب الموقف الداخلي

ظلَّت قوى المعارضة في الحكومة السابقة تطالب زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي بإسداء النصح للبشير بضرورة الرحيل بشكلٍ سلس. وفي خضم تلك المطالبات برزت نبرة الصادق المهدي المتبدلة من حالٍ إلى حال في تصعيدها بتوظيف ملاحقة الجنائية الدولية للرئيس البشير، في تحقيق خيارها الأول بالانتفاضة الشعبية وصولاً إلى إسقاط النظام، أو قبول الحكومة بمطالب الشعب المشروعة. وبعد أن وجّه الصادق المهدي إدانته إلى المحكمة الجنائية الدولية عند إصدارها مذكرة القبض على البشير أثناء حضوره قمة الاتحاد الأفريقي في جوهانسبرج، انقلب من اتهامها إلى الدفاع عن استقلاليتها ومتهماً المسؤولين في جنوب أفريقيا بالتآمر على إخفاء البشير وتسهيل هروبه إلى السودان. كما ذكر مراراً أنَّ تسليم البشير إلى الجنائية ضد السيادة الوطنية مستشهداً بالمثل الشعبي "جلدنا لا نجرَّ الشوك من فوقه".

وبعد قيام الثورة السودانية في ديسمبر (كانون الأول) 2018، تصاعدت المطالبات بتسليم البشير مرةً أخرى لكن الخارجية السودانية أعلنت رفضها، وجاء التأكيد على ذلك الرفض في العام الماضي إثر تجدد المطالبة حيث أكد رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان عدم تسليم البشير للجنائية، مؤكداً أنّه سيلقى محاكمة عادلة أمام القضاء السوداني بتهم تتعلق بالفساد، لأنَّ البلاد ليست طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية وأنَّ الأمر ليس مطروحاً وأنَّ الثقة متوفرة في القضاء السوداني والأجهزة العدلية. وذلك في إطار ترك الكرة في ملعب الحكومة المدنية وربما إرهاصات لما تمَّ إثر لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا. وهناك أيضاً الضغط بتحييد الجيش ونأيه عن التدخل حفاظاً على تقاليد المؤسسة العسكرية في السودان التي ترى وفقاً لعقيدتها الممزوجة بالموروثات السودانية أنَّ تسليم أيٍّ من منسوبيها لمحاكمته في الخارج يعدُّ انتقاصاً من هيبتها وسمعتها.

 أما الآراء القانونية فترى أنَّ قانون المحكمة الجنائية الدولية من ناحية موضوعية يقوم على المبادئ الثابتة بشأن المحاكمات العادلة، على الرغم من أنَّ نموذجها عند بعضهم لا يُعتبر نموذجاً مثالياً للمحاكم الوطنية. ولكن لأسباب تتعلق بعدم إقامة المحكمة لأي اعتباراتٍ خاصة بوضعية الحكام وعدم حصانتهم أمامها من أجل تنفيذ مهمة محاكمتهم وفقاً لمسؤوليتهم عن ارتكاب جرائم تعتبرها من اختصاصها، فإنَّ هذه الوثيقة والمصادقة عليها قد أخذت بعداً لم تنله معاهدة أخرى من قبل.

كأس العقوبات

تزامناً مع الاتفاق على تسليم البشير إلى الجنائية الدولية، وافق مجلس الأمن على تمديد ولاية "فريق الخبراء" المعني بالعقوبات الدولية على ‎السودان. ونسبة إلى التطورات على الأرض في ‎دارفور، فإنَّه عندما تم الرفع الجزئي للعقوبات، لم يُرفع الجزء الخاص بالعقوبات المتعلقة بدارفور.

وهذه الكأس الدائرة يتجرّعها السودانيون منذ أن تم فرض العقوبات الأميركية على السودان منذ الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1997 بناءً على مطالب الإدارة الأميركية من السودان متمثلةً في ثلاثة محاور هي: قضية المنظمات الإنسانية التي تم طردها وإمكان استبدالها بأخرى من أنحاء العالم المختلفة، تطبيق اتفاقية السلام الشامل بأكملها، ثم إيجاد سلام شامل في دارفور يبدأ بالحوار مع الفصائل الدارفورية غير الموقعة على اتفاقية أبوجا. قامت أميركا بتعزيز العقوبات في عام 2007 إثر اندلاع الحرب الأهلية في إقليم دارفور غرب البلاد عام 2003. ثم تم تجديدها مرةً أخرى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 حين أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أنّ الظروف التي أدت إلى فرض العقوبات على حكومة السودان لا تزال قائمة، وأنَّ الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السودانية ما زالت تمثل سياسة معادية لمصالح الولايات المتحدة وتشكّل تهديداً غير عادي واستثنائي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وعندما تقدمت مطالب الإدارة الأميركية في التسعينيات خطوات، قامت بتصعيدها إلى خمسة مسارات تم الاتفاق حولها مع الحكومة السودانية آنذاك لتطبيع العلاقات، حيث شملت: مكافحة الإرهاب ومنع جيش الرب للمقاومة في أوغندا من العمل على أراضيها، ووقف الأعمال العدائية في دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى مناطق الصراع وإنهاء أيّ تدخلٍ سلبي في جنوب السودان.

ينتظر السودان مصيره بتسليم البشير للجنائية الدولية كنهاية لحقبة مظلمة في تاريخ السودان المليء بالثقوب السوداء والأخطاء التاريخية، وإرساء لمبدأ العدالة الذي من الممكن أن تعتبر منه نظم الحكم المقبلة. أما آخر قطرة في كأس التوقعات فهي بما قد يتوافق عليه المجلس العسكري مع شقه المدني الذي تأخر كثيراً في الإعلان عن هذا الاتفاق، ولكنه في النهاية أمَّن نفسه بمسوّغ أخلاقي، فالتاريخ القريب يحتفظ بانقسام الأحزاب السودانية إزاء قرار اعتقال البشير بين مؤيد للاعتقال، وصامت عنه، وذاكرة الشعب أكثر حفظاً.

المزيد من تقارير