Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الثورة الإيرانية... 41 عاما من حروب الوكالة بالمنطقة

طهران استغلت الربيع العربي لمد نفوذها في دول الجوار... وباحث يحذر: ستواصل "استراتيجية الوكيل" لتبديد موارد خصومها

آلاف الإيرانيين بميدان طهران لاستقبال آية الله الخميني بعد عودته من المنفى  (أ.ف.ب)

مثل غيرها من الثورات الكبرى لم تكن الثورة التي أطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي في إيران عام 1979 شأناً داخلياً، فمنذ اللحظات الأولى للثورة التي يمر عليها اليوم 41 عاماً، بدا آية الله الخميني، الذي هبط سريعاً على طهران من منفاه في فرنسا، والنخبة السياسة التي شنت الثورة، مصممين على تصدير الثورة إلى خارج الحدود الإيرانية. ربما استغرق الأمر سنوات لكن الخميني وأعوانه عرفوا طريقهم نحو تصدير ثورتهم التي قامت على الأيديولوجيا (بعد اتفاقه مع المعارضة العلمانية بمن فيها الليبراليون والقوميون والشيوعيون والماركسيون بتأسيس ديمقراطية تخدم مصالحهم) عبر وكلائهم المسلحين في المنطقة العربية.

وقلل صنّاع السياسة الغربيون من التزام إيران بدعم وتصدير الأيديولوجية الثورية لعام 1979، وهو الالتزام الذي تمسك به قادة الثورة عبر الطيف السياسي، بداية من أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم متشددون وأولئك الذين يصنفون على أنهم معتدلون.

بحسب ورقة بحثية نشرها معهد توني بلير للتغير العالمي تحت عنوان "الأيديولوجية وثورة إيران: كيف غيرت 1979 العالم"، الصادرة في فبراير (شباط) العام الماضي، كانت أول نتيجة مهمة للثورة الإيرانية، ولا تزال، هي نتيجة جيوسياسية وإقليمية. فعلى الرغم من أن صعود إيران منذ القرن التاسع عشر وضع طهران في علاقة متوترة مع الغرب، فإن نظرة الأولى الثقافية وطموحاتها ظلت تميل إلى الأخيرة.

وعلى مدار القرن العشرين، سعت إيران إلى ترسيخ مكانتها لدى الغرب، عندما استعادت القوة والازدهار، وخططت للعب دور أكثر نشاطاً بالأمن الإقليمي، وأصبحت الحليف الرئيس للغرب في المنطقة، بالإضافة إلى ارتباطها بتركيا (العضو بمنظمة حلف شمال الأطلسي)، كما سعت إلى مزيد من الاندماج بالاقتصاد العالمي، بما في ذلك إسرائيل وإن لم يقم الشاه علاقات رسمية معها.

عداوة إيران للغرب

لكن الثورة انقلبت على هذا الهيكل بأكمله. وأكد الاستيلاء على السفارة الأميركية في طهران 4 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1979 على أوراق اعتماد إيران المعادية للغرب، وجاءت دعوة طهران لثورة بين (الأمة الإسلامية)، وفقا لوصفها، بمثابة تقديم لطموحاتها العالمية. وسرعان ما تحولت هذه الرؤية الدولية إلى التزام دستوري "بتصدير الثورة" والدفاع عن الأمة مهما كان الثمن، وهو تعهد لا يزال قائماً، بحسب أيديولوجيتها.

وفي الممارسة العملية، كان هذا يعني تطوير التواصل مع حركات التحرير الأجنبية والجماعات المسلحة وتقديم الدعم لها. وبحسب أفشون أوستوفار المحلل السياسي لدى مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن، "فإنه في رأس هذا المشروع يأتي الحرس الثوري الإيراني، القوة العسكرية التي أنشئت حديثاً للجمهورية الإسلامية، التي اعتبرت أن دعم وتطوير الحلفاء المتشددين الأجانب أمرٌ بالغ الأهمية للأمن القومي لإيران. كما ذكرت المنظمة في عام 1980، "ليس لدينا أي ملاذ. ويجب علينا، مع تعبئة القوات في كل منطقة أن نبعث الخوف في قلب أعدائنا حتى نطرد فكرة الغزو وتدمير الثورة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التدخل الإيراني في العراق ولبنان

ويشير فالح عبد الجبار، في كتابه "حركة الشيعة في العراق"، الصادر بلندن عام 2003، إلى "أنه خلال حرب الخليج الأولى بين صدام حسين في العراق والنظام الإيراني، استطاعت طهران تنظيم المغتربين الشيعة العراقيين وأسرى الحرب في مجموعة، شكّلت عملاءها الأوائل حيث المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق وجناحه المسلح فيلق بدر". وكان هذا بمثابة فرقة عراقية بالكامل من الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب، وظلت تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني خلال التسعينيات. وكجزء من الحرس الثوري الإيراني، شارك فيلق بدر في العمليات العسكرية والسرية عبر الحدود ضد القوات العراقية في نقاط مختلفة من الحرب، وعاد المجلس الأعلى للثورة إلى العراق بعد إطاحة صدام حسين عام 2003.

يقول إتامار رابينوف، الزميل لدى مركز بروكينجز، "إن الغزو الأميركي للعراق عام 2003 سهّل الحملة الإيرانية الإقليمية. فبإطاحة واشنطن عدو إيران اللدود "صدام حسين"، أزالت العقبة أمام تمدد نفوذها ونقل السلطة في العراق إلى الأغلبية الشيعية لتجد إيران الآن مجالاً خصباً لبسط سطوتها".

كما أن غزو إسرائيل للبنان عام 1982 زود الحرس الثوري الإيراني بفرصة كبرى. فخلال الحرب، ساعد الحرس الثوري في تنظيم الشيعة اللبنانيين المسلحين في جماعة مسلحة موالية لإيران، وصفت في وقت لاحق بـ"حزب الله". وعمل الحرس الثوري الإيراني على تسليح وتدريب وتقديم الخدمات اللوجستية لحزب الله منذ الثمانينيات وحتى وقتنا الحاضر. نما حزب الله تدريجياً ليصبح أقوى منظمة سياسية في لبنان، مع لعب أدوار اجتماعية وأمنية وتجارية واسعة، بل بنواح كثيرة أصبح كدولة داخل الدولة.

إيران والربيع العربي

وشكلت نزاعات ما بعد الربيع العربي مرحلة جديدة من الفرص لإيران لدعم وتطوير عملائها في المنطقة. ففي الحروب الأهلية بسوريا والعراق واليمن، تحول عملاء إيران من جماعات مسلحة إلى قوات عسكرية وانتقلوا من العمل في الظل إلى ساحة المعركة المفتوحة. زود العملاء المتحالفون إيران بآلية لمحاربة خصومها على جبهات متعددة بالوكالة، وأصبحت في هذه العملية امتداداً لقوة إيران العسكرية وأساساً لقوتها الإقليمية المتنامية.

استراتيجية النظام الإيراني في التمدد عبر وكلاء متشددين بالمنطقة، وعلى الرغم من أنه منحها ثقلاً أمام النفوذ الأميركي، لكنه لا يخلو من ثمن كبير يهدد النظام نفسه. وبشكل عام، كان لنهج العمل الإيراني نتائج مختلطة. ففي الواقع، كان لهذه السياسة تأثير سلبي شديد على مكانتها الدولية والاقتصاد والعلاقات مع الدول الغربية وجيرانها في المنطقة الذين باتوا يرونها دولة مارقة، فضلا عن أن دورها في النزاعات الإقليمية حفز الدول العربية ضدها وجعلها أكثر التزاما بمواجهة طهران وعملائها. فتهديداتها بتصدير الثورة ساعدت على توحيد المعارضة الإقليمية ضدها، وعلى سبيل المثال دعمت دول المنطقة صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية المدمرة.

كما أن غالبية العقوبات المفروضة على إيران منذ هذه الحرب، رغم أنها موجهة إلى حد كبير إلى البرنامج النووي، لكن هناك شقاً سياسياً كبيراً يتعلق بدعمها المستمر للجماعات المسلحة خارج حدودها. كما أن الضغط الدولي المكثف الذي فرض على إيران بسبب برنامجها النووي كان مدفوعاً جزئياً بالمخاوف من أن قدرة الأسلحة النووية ستحمي طموحها خارج الحدود الإقليمية أو أن إيران ستوفر أسلحة نووية لعملائها. وأدرجت واشنطن الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية بسبب دعمه للإرهابيين. وهناك العديد من الأكاديميين الغربيين الذين يدعمون خيار شن الحرب ضد إيران لتدمير المنشآت النووية.

لكن العقوبات التي تخنق الاقتصاد الإيراني ليست وحدها التي تمس الشعب، فلقد شملت قائمة حظر السفر التي صدرت بموجب قرار تنفيذي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 2017، مواطني إيران من بين ثمانية دول أخرى.

هذه العواقب باتت تهدد النظام داخلياً في ظل تجدد الاحتجاجات الشعبية منذ الأشهر الأخيرة من العام الماضي، وتنامي الاستياء العام مع المطالبة برحيل الزعيم الأعلى علي خامنئي، وبإنهاء سلطة الحرس الثوري، الذي أسقط الطائرة الأوكرانية في الثامن من يناير (كانون الثاني) عن غير قصد نتيجة "خطأ بشري"، ظناً منه أنها صاروخ أميركي، مما أسفر عن مقتل جميع ركاب وطاقم الطائرة الـ176 أغلبهم إيرانيون يحملون جنسيات مزدوجة، أكثريتها كندية.

ويحذر أوستوفار من "أنه بغض النظر عما إذا كانت إيران تربح أو تخسر في صراعات المنطقة، فإن استمرار استراتيجية الوكيل يمكن أن يديم عدم الاستقرار إذا فشل عملاؤها في تحقيق الفوز بسوريا والعراق واليمن، فمن المرجح أن تسعى إيران لإيجاد سبل لإدامة الصراع في تلك البلدان بدلاً عن قبول تسوية سلمية تقوض استثماراتها وتضعف من نفوذها. حتى إذا اعتبر النصر المطلق أمراً مستحيلاً أو غير محتمل، فقد تستمر إيران في تشجيع عدم الاستقرار بتكلفة منخفضة نسبياً لإبقاء انتباه أعدائها ومواردهم غارقة بالصراع".

المزيد من دوليات