مشروع القرار الفلسطيني في مجلس الأمن في مهب الريح

التعديلات أفرغته من مضمونه لكن الرئيس عباس سيلقي كلمة للمجتمع الدولي

تنص خطة السلام الأميركية على الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل (رويترز)

أصبح في حكم المؤكد أن مشروع القرار الفلسطيني الذي قدمته تونس وإندونيسيا في مجلس الأمن الدولي بشأن خطة السلام الأميركية لن يُحسم الثلاثاء، سواء كان السبب هو استمرار الضغوط الأميركية على بعض دول المجلس، أو بسبب نقص الدعم المطلوب للقرار الذي يستلزم موافقة 9 دول من إجمالي 15 دولة في المجلس، أو بسبب رفض الفلسطينيين التعديلات التي أدخلتها الولايات المتحدة فجعلت صيغة القرار ضعيفة ومخففة. ما يعني أن مشروع القرار الفلسطيني أصبح في مهب الريح على الرغم من نفي سحب القرار واستمرار طرحه لاحقاً.

ووفق مسؤولين في الأمم المتحدة، فإن مشروع القرار قد أرجئ ولم يُسحب، ولهذا قد يُطرح مشروع القرار للنقاش حوله في أي وقت. وهو ما أكده صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حين أكد أن المشروع سيقدم إلى المجلس بمجرد الانتهاء من صياغته، وأن الفلسطينيين على ثقة بأن مبادئ المشروع سيتم تأييدها في مجلس الأمن.

تفريغ محتوى القرار

غير أن مسؤولين فلسطينيين آخرين اعتبروا أن التعديلات بمثابة تفريغ لمحتوى القرار، إذ أوضح أحمد المجدلاني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أن التعديلات التي أدخلت على مشروع القرار جعلته غير مقبول، بينما وصفها مسؤول فلسطيني آخر بأنها أضعفت القرار وخففت من صيغته التي افتقدت للغة الضرورية لردع إسرائيل من اتخاذ إجراءات أحادية غير شرعية لتدمير حل الدولتين.

وشملت الاقتراحات الاميركية حذف ما يشير صراحة إلى قرارات الأمم المتحدة منذ 1967، وشطب كل ما يشير إلى القدس الشرقية المحتلة، بعدما كانت صيغة القرار الأصلي تنص على أن الخطة الأميركية تنتهك القانون الدولي ومطالب مجلس الأمن الدولي بحل الدولتين على حدود 4 يونيو (حزيران) 1967.

وعلى الرغم من تخفيف لهجة القرار الذي لا يزال يتضمن إدانة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك داخل القدس الشرقية، مع تأكيده الحفاظ على خطوط التقسيم التي حددت في يونيو1967، إلا أن ذلك قد لا يكون كافياً لمنع الولايات المتحدة من استخدام حق النقض (الفيتو) خلال التصويت على النص.

وتضيف الصيغة المعدلة على النص الأصلي للقرار "إدانة كل أعمال العنف ضد المدنيين بما فيها أعمال الإرهاب، والأعمال الاستفزازية، والتحريض على العنف والتدمير"، كما حُذفت من النص الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط في أقرب وقت. واكتفت النسخة الجديدة من مشروع القرار بالتذكير بأن ذلك منصوص عليه في قرار صادر عن الأمم المتحدة في 2008.

ضغوط شديدة

ويشير مراقبون في المنظمة الدولية إلى أن الضغوط الأميركية على الدول الأعضاء في مجلس الأمن كانت قوية وفعالة. ما جعل عدداً من الدول الأوروبية تتردد في دعم مشروع القرار الفلسطيني، على الرغم من أنها متضامنة أصلاً مع الموقف الفلسطيني، كما أن بريطانيا التي تملك مقعداً دائماً في مجلس الأمن خرجت من عباءة السياسة الأوروبية المشتركة، ومن المرجح أن تصطف إلى جانب الولايات المتحدة في قراراتها في مجلس الأمن.

وتُعد إقالة مندوب تونس لدى الأمم المتحدة المنصف البعتي، إحدى العلامات الواضحة على قوة الضغط الأميركي على الرغم من التبرير الذي ساقته الرئاسة التونسية بأن إعفاء مندوبها في المنظمة الدولية كان نتيجة ضعف الأداء وغياب التنسيق في مسألة مهمة تتعلق بقرار فلسطيني من خطة السلام الأميركية من دون مشاورات مع الخارجية التونسية والمجموعة العربية التي رشحت تونس لعضوية مجلس الأمن.

في المقابل، اعتبر سفير فلسطين في الأمم المتحدة رياض منصور أن الجانب الفلسطيني يدرك أنه يخوض معركة دبلوماسية، وأن الولايات المتحدة ستعمل على الإطاحة بمشروع القرار الفلسطيني أو التصويت ضده باستخدام حق النقض (الفيتو)، لكنه أوضح أن هذا لن يردع الفلسطينيين بل سيستمرون في طرق جميع السبل الدبلوماسية للإطاحة بخطة ترمب.

تصدع دولي

على الرغم من أن السلطة الفلسطينية حظيت بدعم الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وأخيراً الاتحاد الأفريقي، إلا أن دولاً رئيسية عدة أعضاء في هذه المنظمات لا تبدي معارضة صريحة لموقف الولايات المتحدة خصوصاً في المحافل الدولية.

ويشير محللون سياسيون في واشنطن إلى أن التصويت على قرار في مجلس الأمن ينتقد الخطة الأميركية لن يحصل هذه المرة على تأييد 14 صوتاً سبق أن نددت في ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، بقرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل خلال تصويت مماثل في مجلس الأمن، نظراً لاختلاف الأوضاع السياسية حالياً عما كانت عليه عام 2017.

وقبل أيام قليلة، تحدث جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب ومهندس خطة السلام الأميركية، عن "تصدعات كبيرة" في موقف المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يتوافق على بيان مشترك عقب الإعلان عن الخطة.

البديل الوحيد

وبعدما بات واضحاً أن رفض الخطة الأميركية للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر مجلس الأمن أصبح في مهب الريح بعدما أدخلت الولايات المتحدة تعديلات على المشروع وحذفت كلمة "إدانة الخطة"، بدا أن البديل الوحيد حتى الآن هو  إتاحة الفرصة للرئيس الفلسطيني محمود عباس لإلقاء كلمة أمام مجلس الأمن الدولي لحين حسم مشروع القرار المختلف عليه، حيث أوضح عريقات في بيان أنه على الرغم من الانتكاسة القوية المتمثلة بالتخلي عن طرح مشروع القرار على التصويت، فإن الرئيس الفلسطيني مصرّ على إلقاء كلمة أمام مجلس الأمن الدولي للدفاع فيها عن رفضه الخطة الأميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ففي خطوة غير اعتيادية، سيفتتح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش جلسة مجلس الأمن، يعقبها كلمة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ثم يلقي مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة داني دانون كلمته، تليها كلمة من كيلي كرافت مندوبة الولايات المتحدة في المنظمة الدولية، فضلاً عن كلمات أخرى من سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

ووفقاً لوزارة الخارجية الفلسطينية، فإن خطاب الرئيس عباس في مجلس الأمن سيدق أبواب الجمعية العامة للأمم المتحدة ومراكز صنع القرار في العالم حيث من المتوقع أن يطرح مجدداً رؤيته التي تحظى بإجماع دولي، وتقوم بالأساس على رعاية دولية متعددة الأطراف للمفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وفقاً لمرجعيات السلام الدولية وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، بعيداً من صفقة القرن التي تشكل بجوهرها ومضمونها ونصوصها الموقف الإسرائيلي من قضايا الحل النهائي التفاوضية.

وستتاح للرئيس عباس فرصة ثانية لمخاطبة المجتمع الدولي، إذ أفادت مصادر لـ "اندبندنت عربية" أن الرئيس الفلسطيني سيعقد مؤتمراً صحافياً عقب جلسة مجلس الأمن بصحبة إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق.

رد إسرائيلي

واستنكر مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، داني دانون، محاولة إدانة الخطة الأميركية. وقال إن الموقف الإسرائيلي كان دائماً واضحاً، وهو أن الطريق الوحيد لدعم السلام لن يتأتى إلا من خلال المفاوضات وليس عبر الإدانة، معبراً عن شكره للدول التي ساعدت في وقف أعمال عباس غير الضرورية– على حد وصفه. كما طالب عبّاس بأن يقبل بالتفاوض على المستقبل بدلاً من أن يركّز على الماضي.

تنص خطة ترمب على جعل ضاحية أبو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية المقبلة، في حين يطالب الفلسطينيون بالقدس الشرقية المحتلة عاصمة لهم، وتعترف بالمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة كجزء من أراضي إسرائيل وتمنح الدولة العبرية السيادة على غور الأردن.

وتنص الخطة على الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، على أن تقام عاصمة لدولة فلسطين المستقبلية في بلدة أبو ديس الواقعة شرق القدس، إضافة إلى ضم إسرائيل غور الأردن وأكثر من 130 مستوطنة في الضفة الغربية.

المزيد من العالم العربي