Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قلعة الدوسرية... إطلالة زرقاء على حكايات الحرب والسلام

من حصن عسكري للأتراك إلى منارة علمية في العهد السعودي

قلعة "الدوسرية" أحد الحصون العسكرية القديمة جنوب السعودية (سياحة جازان)

لا ينزل زائرٌ إلى مدينة جازان (جنوب السعودية)، من دون أن يلحظ القلعة الأثريَّة القابعة وسط أعلى قممها المطلّة على ضفاف البحر الأحمر، حيث يتعانق العمران البشري مع الطبيعة الأمّ، في لحظة إنصاتٍ إلى حقائق التاريخ التي تحفظ للماضي ذاكرته النابضة بالأحداث والشخوص.

كفنارٍ يكلّل مدينة عتيقة، تقبع قلعة الدوسريَّة على مرتفع الشريف المطلِّ على جبل الملح، مورِّد الملح الطبيعي في السعودية، حيث تقدر مساحة القلعة بـ 900 متر، وتتكون من دورين وأربعة أبراج أسطوانية الشكل، وترتكز على قواعد زِيْدَ في ضخامتها حديثاً، ويتخلل الأبراج وجدرانها العديد من الفتحات المستخدمة للأغراض العسكرية، إلى جانب المتاريس الجنوبية والغربية التي أُضيفت لتكون خطوطا أولية دفاعية لبنائها المرتفع عن سطح البحر بنحو 250 متراً.

تسميتها

على الرغم من الأهمية العسكرية والاستراتيجية لقلعة الدوسرية، والطراز المعماري الذي يتيح إطلالة كاملة من جوفها، وقدرة فريدة على رصد الأفق البري والبحري من جميع الاتجاهات، فإن قصور المصادر التاريخية عن التطرق لها بشمولية وتوسع انعكس على عدم ترجيح حقبة بنائها وسبب تسميتها بدقة، ويبيّن الباحث التاريخي أحمد النعمان أن إهمال المصادر التاريخية الأولية لسبب تسمية القلعة أدى إلى اختلاف الروايات الشفهية، التي لا يمكن الاستناد إليها، لسببين: عدم اعتمادها على مصدر تاريخي موثوق، وبُعد بعضها عن المنطقيَّة.

فمثلا، تقول إحدى الروايات إن الاسم منسوب إلى أحد قادة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، مؤسس الدولة السعودية الثالثة، من الذين دخلوا إلى جازان، من القبيلة العربية "الدواسر"، وأخرى تقول إنَّ القلعة منسوبة إلى القبيلة نفسها المذكورة سابقا، والتي تقطن جنوبي نجد، إذ تذكر الرواية أن هذه القبيلة كانت المكون الرئيس لجيش الملك عبد العزيز الذي دخل منطقة جازان، وبعد الدخول بنت القلعة. 

رواية ثالثة، وهي أكثر الروايات انتشارا، تفترض أن القلعة بنيت في عهد الملك عبد العزيز، بعد ضم المنطقة مباشرة عام 1351هـ (1932م).

ويرجح "النعمان" أن الأقرب هو ما ذكرته بعض المصادر عن دخول 150 مجنداً من الدواسر؛ لكسر الثورة الإدريسية - في إشارة إلى الإمارة الإدريسية في جازان من عام 1909 إلى 1930- وكان دخول هؤلاء الجند من جهة الجبال الغربية التي تقع عليها القلعة. ومهما يكن من حال، فلا يمكن القبض على حقيقة تاريخية يمكن الركون إليها حول تسمية قلعة الدوسرية بهذا الاسم.

حقبة بنائها

وحسب الباحث التاريخي، فإن المصادر لم تثبت عهد تشييد القلعة، بيد أن تقاربها من حيث تصميمها لقلعة (دار النصر) العسكرية، في مدينة "أبو عريش"، التي يُعتقد أنها بنيت على يد الشريف حمود بن محمد الخيراتي، يمكن الاستناد إليه في القول إنه من بناها؛ لاعتبارات عدة، أنَّ المصادر المحلية أشارت إلى بناء إحدى قلاعه في مدينة جازان الساحلية، كذلك التشابه البنيوي النسبي للقلعتين، إضافة إلى ذلك أنَّ الجبل الذي أسست عليه "الدوسرية" يُعرف بـ"جبل الشريف"، وهذه اعتبارات لا يمكن إغفالها في ظل الشحّ الذي يكتنف المصدر التاريخي والمعلومة الموثقة.

ومما تجدر الإشارة إليه أنَّ بعض الآراء يذهب إلى أن الشريف الخيراتي هو من بنى قلعة "اللاسلكي" - بناء أثري آخر بالمنطقة- لا "الدوسرية".

عهود متعاقبة

عندما انقضى الحكم الخيراتي في جازان، وتولى الأتراك أمرها، تركت الحامية التركية التي تمركزت في ساحل المدينة الحبل على الغارب في المدن والقرى والبوادي المحيطة، فلم يتعدَّ حكم الأتراك المدينة وقلاعها؛ لضعف الحامية واتسام تلك المرحلة بالاضطراب وضعف السيطرة السياسية.

وخلال فترة الأدارسة، لم تشهد قلعة "الدوسرية" حراكا ملحوظا، رغم النشاط السياسي المواكب لتأسيس الإمارة، والصراع الذي احتدم بين السيد الحسن بن علي الإدريسي وابن أخيه الإمام علي بن محمد الإدريسي، والثورة الفاشلة ضد مندوبي الملك عبد العزيز بعد اتفاقية مكة بين السيد الحسن الإدريسي والملك عبد العزيز، قبل أن تُضم جازان للكيان السعودي الموحد، ويستنتج من ذلك على تهدم القلعة وضعف بنائها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في 1932م، أمر مؤسس البلاد بإعادة بناء القلعة وترميمها، ويذكر بعض المعمّرين أنَّ أُجرة البناء كانت تتراوح ما بين خمسة إلى عشرة قروش، انتهت عملية إعادة البناء في العام 1932م، واستقرت فيها أول حامية عسكرية سعودية تكونت من عدة ضباط وجنود، بقيادة إبراهيم الطاسان ومنصور الشعيبي، كما اُسْتُقبل فيها الأمير فيصل بن عبد العزيز آنذاك كأول استقبال رسمي تحتضنه، حينما كان على رأس حملة عسكرية إلى اليمن بعد الخلافات السياسية بين البلدين، ومع كونها مركزاً للحامية العسكرية، فقد كانت أيضاً مخفراً لبعض فلول الإمارة الإدريسية الثائرة، ولاحقا جعل منها الشيخ عبد الله القرعاوي - أحد العلماء المكلفين نشر العلم وبناء المدارس في جازان- مقرا للتعليم والدراسة.

وبعدما استغنت الحكومة السعودية عن القلعة كمركز عسكري وسياسي، إثر النهضة العمرانية الواسعة التي شملت جميع أرجاء البلاد، أصبحت قلعة "الدوسرية" مزارا تاريخيا تشرف هيئة السياحة والتراث الوطني على ترميمه والاعتناء به.