Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

780 ألف جهاز كفي بأيدي المعلمين والطلاب المصريين... محاولات لكسر اليأس في إصلاح التعليم

الوزير طارق شوقي لإندبندنت عربية: "كيف يمكن إنهاء عصر الحفظ والتلقين"

وزير التعليم المصري طارق شوقي في مؤتمر صحفي. (الحساب الرسمي للوزير على فيسبوك)

عقود طويلة والمصريون يرددون مقولة صارت خالدة: "لا سبيل للإنقاذ إلا بالتعليم والصحة". كادت المقولة تتحول إلى "كليشيه"، وانتهى بها الأمر إلى التداول على ألسنة المسؤولين، ومنصات المجالس، وفقرات البرامج لفترة ليست بالقصيرة.

تعليم مصر إلى الأمام

ما جرى في منظومة التعليم المدرسي على مدار عقود مضت يصعب شرحه أو سرده، ويبدو أن جهود السنين القليلة الماضية تدفع التعليم إلى الأمام، فمؤشر "سبكتاتور" الدولي للتعليم يشير إلى أن مصر في عام 2018 قفزت إلى المرتبة 129 بعد ما كانت في المرتبة 130 في عام 2017. وفي الحساب والعلوم، جاءت مصر في المرتبة 122.

التقرير الصادر عن البنك الدولي في نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي تحت عنوان "توقعات وتطلعات: إطار جديد للتعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يشير إلى أن المنطقة حقَّقت زيادة كبيرة في معدلات الالتحاق بالمدارس، لكنها تحتاج إلى التركيز على عملية التعلم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"التعليم" المصرية تحمل بوصلة المستقبل

وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في مصر ضربت عرض الحائط بأساليب ترميم التعليم التي أكل عليها الزمان وشرب، ومضت قدماً في عملية إصلاح مختلفة بمنهج فكري مختلف. يصفه البعض بالواعد ذي الرؤية الثاقبة والعين المسلطة على المستقبل واحتياجاته، والبعض الآخر متخندق خلف متاريس الماضي وقلاع "اللي تعرفه أحسن من اللي ماتعرفوش" (ما تعرفه أفضل مما لا تعرفه).

فالعام الدراسي الحالي 2018-2019 شهد إطلاق مناهج تعليمية جديدة المحتوى والفكر والمفهوم لسنوات رياض الأطفال KG1&2 والصف الأول الابتدائي. طلاب الصف الأول الثانوي وعددهم نحو 580 ألف طالب في 27 محافظة يتسلمون أجهزة التابلت الخاصة بهم ومنغمسون في نظام تعليمي يعيد إحياء "المخ".

المحتوى الرقمي لـ"بنك المعرفة المصري" يمد يد المعرفة والإدراك والاطلاع لكل من يمتلك بطاقة رقم قومي مصرية. المعلم المصري الذي طاله ما طال منظومة التعليم من تحجر وجمود جارٍ إنعاشه وإعادته لمكانته التي كانت. أما مملكة الدروس الخصوصية فمهددة بالزوال في حال نجح الإصلاح.

وزير التعليم المصري الدكتور طارق شوقي الذي تلمع عيناه كلما تطرق الحديث إلى الإصلاح عبر التكنولوجيا، والبناء من بوابة التقنيات الحديثة المناسبة للألفية الثالثة، والتطوير المبني على معرفة وإدراك. وتنطفئ هذه اللمعة بالإغراق في التفاصيل التي تسحب البساط من تحت ملف الإصلاح وتوجه الاهتمام والأنظار إلى تفاصيل التفاصيل الناجمة عن تراكم مشكلات عبر العصور.

يشرح شوقي لـ"إندبندنت عربية" إستراتيجية إصلاح التعليم بقوله: "عصر الحفظ والتلقين يجب أن ينتهي. لذلك وضعنا نصب أعيننا تغيير المنظومة من نقطة البداية. نعمل على تغيير ثقافة التعليم من الجذور، بدلاً من الدرجات نتجه إلى المهارات، ومن الحفظ إلى الفهم، والمعرفة بديل حشو الرأس بالمعلومات غير المفهومة وإن كانت محفوظة"، وأشار إلى "إطلاق المرحلة الأولى من إصلاح التعليم قبل أربعة أشهر، وبينما نمضي ستشهد مصر نضجًا أكبر للمنظومة".

وأضاف شوقي أن "تطوير التعليم قائم على تغيير الثقافة، تغيير ما اعتدنا على عمله على مدى سنوات طويلة. ولفرط اعتيادنا، تخيلنا أن ما نقوم به قاعدة لا يجوز الخروج عليها. ومن ثم فإن الجدل والشد والجذب، والقيل والقال، ومقاومة التغيير والترحيب به جميعها أمور واردة".

بنك المعرفة المصري

نعمة المحتوى الرقمي، والثروات المعرفية على الإنترنت، وسبل النهوض بالتعليم عبر التقنيات الحديثة نقطة تركيز رئيسية في فكر الدكتور طارق شوقي فيما يختص بالإصلاح. وحالياً يتم الانتهاء من الخطوات الأخيرة في عملية تسليم أجهزة "التابلت" لنحو 589 ألف طالب وطالبة، هم قوام طلاب مصر في الصف الأول الثانوي في المدارس الحكومية والخاصة والخدمات ومتضمنين كذلك طلاب الدمج (ذوي القدرات الخاصة).

يقول شوقي لـ"إندبندنت عربية": "هدف التابلت إتاحة الفرصة نفسها لكل الطلاب والطالبات للوصول إلى المحتوى المعرفي والتعليمي نفسه، وتأدية الامتحانات الإلكترونية دون تكلفة. أما ماذا يحتوي التابلت؟ فعليه ثروة مصر القومية المعرفية: بنك المعرفة المصري بالإضافة إلى "نظام إدارة التعلم".

خارطة التعليم

يشار إلى أن "نظام إدارة التعليم" أو Learning Management System   هو نظام إلكتروني يتيح للطالب عبر جهازه الوصول إلى منصة تحوي ساحة العمل. وهي توضح الدروس التي يجب على الطالب مذاكرتها مقسمة حسب الأسابيع، مع توضيح ما تم إنجازه.

 وفي المنصة نفسها، توجد "أيقونة الدليل الدراسي" التي تفتح صفحة المواد الدراسية. وتوجد في كل مادة محتويات كتاب المدرسة بالإضافة إلى محتوى رقمي إضافي يتيح للطالب شرحاً إضافياً لكل فصل من فصول الكتب، سواء بالشرح الشفهي أو الفيديو والتوضيح. كما تتيح المنصة للطالب اختبار نفسه عقب انتهائه من مذاكرة درس ما عبر الإجابة على الأسئلة المتاحة في بنك الأسئلة وتقييم نفسه ودرجة استيعابه وفهمه للدرس.

ويوضح شوقي أنه يتم إعداد بنوك أسئلة في كل المواد تقيس مهارات الفهم حتى يمكن الاستعانة بها في امتحانات نهاية العام الدراسي. في الوقت نفسه يتم إعداد البنية التكنولوجية للامتحانات الإلكترونية والتي ستقضي تمامً على مشكلات التسريب بدون أي تدخل بشري.

التدخلات البشرية التي تسير هذه الأيام على قدم وساق تعمل على إطلاق عملية التعلم في الصف الأول الثانوي في الفصول التعليمية بمصر عبر التكنولوجيا وأعمدتها: سبورة ذكية يشرح عبرها المعلم الدروس، تابلت في يد كل طالب وطالبة يحتوي على محتويات "بنك المعرفة المصري" و"نظام إدارة التعلم".

مشكلات أنجزتها التكنولوجيا

التعلم من التجارب والخبرات السابقة أمر حيوي وضروري حتى للمؤسسات والوزارات. فإحدى المشكلات التي تواجهها الوزارة تتمثل في "تسريب الامتحانات" التي احترفها البعض من أصحاب المصالح في السنوات القليلة الماضية، حيث يتم تسريب ورقة الأسئلة قبل الامتحان بساعات أو أثناء الامتحان ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

مشكلة أخرى تتصدر المشهد التعليمي في مصر تتجسد في مواجهة منظومة الدروس، أو "آفة الدروس الخصوصية" التي نمت وتوغلت واستفحلت في مصر على مدار العقود الماضية حتى كادت تتحول إلى نظام تعليم مواز.

 يقول شوقي: "أحد أبرز أهداف الإصلاح هو مواجهة مافيا الدروس الخصوصية. وحين تتاح للطالب مصادر التعلم والمعرفة والتحصيل والفهم في الفصل وعبر جهاز التابلت بمحتواه التعليمي والمعرفي ينتفي الغرض من الدروس الخصوصية. والكلام نفسه ينطبق على الكتب الخارجية".

سوق الكتب الخارجية في مصر تحولت من بضع كتب تقدم شرحاً مفصلاً للطلاب في بعض الفرق المدرسية إلى كيان مستقل لا غنى عنه يُطلب من ولي الأمر الحصول عليها بمبالغ تُشكل حملاً إضافياً على كواهل أولياء الأمور. الأفكار غير التقليدية والبعيدة عن المنع والحجب والحظر أدت إلى تعاون مثمر مع الناشرين في هذا المجال. "من يمتلك منهم فكرًا مفيدًا ومقترحات جديدة تصب في صالح العملية التعليمية يصلح على التراخيص الرسمية اللازمة ويتحول إلى أداة معرفية فاعلة تخدم عملية التعليم وتدعم الإصلاح، بالإضافة إلى أداء حق الدولة".

الدولة التي قررت أن تهدي كل طالب وطالبة جهاز تابلت يدعمه في سنوات التعليم الثانوي الثلاث ويصبح ملكته الخاصة بعدها. 780 ألف تابلت توزع على 580 ألف طالب والبقية لمعلمي الصف الأول الثانوي وعدد من إداريي المدريات لمتابعة إداريات العملية التعليمية، سعر الجهاز الواحد 240 دولاراً أميركياً أي نحو 4500 جنيه مصري بقيمة إجمالية نحو 3،6 بليون جنيه مصري، وذلك بالإضافة إلى تضمنه المحتوى ونظم الامتحانات وغيرها تعني أن مشروع مصر القومي لإصلاح التعليم لم يعد كلمات أو شعارات، بل تغيير ثقافة وإنفاق أموال كثيرة للاستثمار في المستقبل.

المستقبل الذي يبدأ من الخطوة الأولى في المدارس الابتدائية يشهد غرس وتد آخر من أوتدة إصلاح التعليم وإعادة بناء الإنسان، يوضح شوقي أن "المناهج" لمرحلتي رياض الأطفال KG1 & KG2  بالإضافة للصف الأول الابتدائي أصبحت باقة مجمعة، حيث أفرع العلوم المختلفة بجرعات صغيرة ونكهات مناسبة للأعمار وعرض يجذب الصغار، بالإضافة إلى دليل المعلم للغة العربية والإنجليزية والفرنسية وكتب اللغة العربية والدين والإسلامي والمسيحي وكتاب Connect للغة الإنجليزية مع دليل للمعلم. وضمن هذه الباقة المجمعة فكر التسامح الذي غاب لسنوات مضت عن منظومة التعليم".

وطبيعي أن المنظومة لا تستوي بدون معلم. يقول شوقي: "المعلم هو العنصر الأهم في العملية التعليمية. ويستحق كل تقدير مادي ومعنوي، ولأن الوزارة لا تملك من الموارد أو الإجراءات الرسمية التي تمكنها من رفع الرواتب، لكنها تقوم بإجراءات عدة من شأنها تحقيق قدر من الحياة الكريمة وتحسين ظروفه المعيشية والاجتماعية بالشكل الذي يستحقه كل معلم". نصيب وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني من الموازنة العامة للدولة 89 مليار جنيه، لكن احتياجات الوزارة أكثر من ذلك بكثير.

3 مبادرات في 2019

ولأن العقل السليم القادر على القراءة والكتابة والإبداع في الجسم السليم، فإن التعليم في عام 2019 يشهد حتى اللحظة ثلاث مبادرات صحية مدرسية على مستوى مصر؛ الأولى خضوع طلاب المدارس لمبادرة "100 مليون صحة" التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للكشف عن فيروس سي والأمراض غير السارية. والثانية "مبادرة الكشف المبكر عن الأنيميا والتقزم والسمنة بين طلاب المدارس الابتدائية" والتي تغطي كل طلاب المدارس الابتدائية مع وضع خطة للكشف كذلك على الصغار المتسربين من التعليم. أما الثالثة فهي مبادرة "نور حياة" التي أطلقها صندوق "تحيا مصر". وتهدف الحملة إلى الكشف على إبصار المصريين، وبينهم خمسة ملايين طالب في المرحلة الابتدائية ومليون مواطن من الحالات الأولى بالرعاية وتوفير مليون نظارة طبية وإجراء 250 ألف جراحة عيون.

عيون المصريين وأكبادهم وأجسادهم ومعها عقولهم جارٍ إعادة بنائها، تارة عبر الكشف عن الأمراض منذ الصغر للعلاج والوقاية، وأخرى عبر تصحيح الإبصار، ودائماً عبر تصحيح المسار الذي لا يمر إلا عبر التعليم وتعديل الثقافة وإصلاح التعليم.

 

المزيد من حوارات