فنانون عرب وأجانب يستوحون جماليات الصحراء السعودية

"ديزرت إكس العلا" معرض جماعي متعدد الاساليب في قلب الطبيعة

 

للصحراء جمالها وسحرها الخاص، ففي امتدادها يجتمع السكون والرهبة معاً. ولكن ماذا لو تم تشكيل هذا الامتداد الحيادي لرمال الصحراء بعناصر أخرى مُقحمة على المشهد؟ لون صريح أو شكل خارج السياق البصري... هل سيحتفظ حينها هذا الخلاء الممتد برهبته، أم ستتلاشى وحشته أمام هذا الوجود المُقحم؟ لون صريح وسط فراغ ممتد من الأصفر ودرجات الصخور البنية، يتناثرعلى هيئة مجسمات صخرية. أكثر من 300 مجسم لصخور ملونة ومتفاوتة الحجم والشكل وزعها الفنان الإماراتي محمد إبراهيم على مساحة شاسعة من الصحراء سعياً منه لكسر حدة هذا الفراغ. وبقدر ما تحمل هذه الألوان الزاهية والمتناثرة من مباغتة بصرية غير متوقعة، إلا أنها في الوقت نفسه تؤكد هيبة الطبيعة وجلالها، وربما تلفت انتباهنا إلى مستويات أخرى غير مرئية من درجات اللون. هذا العمل التجهيزي للفنان محمد إبراهيم والذي يحمل عنوان "حديقة الصخور المتساقطة" هو أحد الأعمال المشاركة في مشروع "ديزرت إكس العلا" الذي يضم أربعة عشر عملاً لفنانين عرب وأجانب. الفنانون المشاركون في هذا المشروع خاضوا مغامرة مثيرة في قلب الصحراء لاكتشاف جمالياتها ومناظرها الخلابة، وقد تمخضت هذه المغامرة عن الأعمال المشار إليها، والتي تُعرض حالياً في خلاء صحراء العلا في السعودية حتى السابع من مارس (آذار) القادم.

سعى المشاركون في هذا المشروع إلى تلمس السياق التاريخي لصحراء العلا، مثلت عبر قرون ملتقى تاريخياً لطرق التجارة. تجمع العلا بين التكوينات التي صنعتها الطبيعة والآثار التي خلفتها الحضارات والتجمعات البشرية المتعاقبة، فهي أشبه بمتحف مفتوح ومتنوع يجمع بين التراث والطبيعة والفنون. ويمثل هذا المشروع المرحلة الأولى لخطة طموحة لبناء شراكات وتعاون مع مؤسسات متخصصة وفنانين وقيمين وتطوير للبنية التحتية اللازمة من أجل استقبال المزيد من الفعاليات المشابهة مستقبلاً. تضمنت الأعمال المشاركة في هذا المشروع التعامل مع مساحات واسعة من التضاريس، بما فيها من أراض منبسطة ودروب جبلية ومرتفعات وصخور. وقد شيد الفنانون المشاركون أعمالهم عبر هذا التنوع الطبيعي مستلهمين أثره في طرح رؤاهم الفنية المتنوعة.

الفنانة الأميركية ليتا البكيركي هي فنانة معروفة بأعمالها الصرحية، ولها تجارب عدة في التعامل مع المساحات الواسعة، وقد قدمت مشاريعها سابقاً في أماكن شهيرة، مثل صحراء الأهرامات في مصر، والقارة القطبية الجنوبية. تشترك أعمال البكيركي في سياق محدد يعتمد على رواية خيالية مختلقة لرائدة فضاء مستقبلية تتجول بين ربوع الأرض، فتجعل من تلك الأمكنة منصات يتم من خلالها استكشاف الفضاء والنجوم والمعرفة، كما تطلي البكيريكي مجسماتها عادة باللون الأزرق اللازوردي كانعكاس لامتداد الكون. قدمت الفنانة عملها تحت عنوان "نجمة... وضعت ألف شمس على طبقات الفضاء الشفافة"، وهو يتكون من منحوتة لرائدة الفضاء المُتخيلة والتي أسمتها "إليسيريا" وهي تجلس على صخرة كبيرة في أحد أودية صحراء العلا وسط ترتيب خاص لبقع ملونة بالأزرق يعكس انتظام النجوم في سماء الصحراء. بين المشاركين أيضاً عرض الفنان المصري وائل شوقي عمل فيديو تحت عنوان "أقوال منقية2 " وهو امتداد لنسخة سابقة من العمل نفسه، لكنه يقدم الفيلم هنا بتقنية الصورة السلبية. يظهر في هذا الفيلم قطيع من الجمال السوداء التي يطلق عليها في الجزيرة العربية اسم "المجاهيم" وهي تسير عبر الكثبان الرملية نحو وجهة مجهولة في الصحراء. ترجع أصول هذه السلالة من الجمال إلى السعودية، ويؤلف أسلوب سيرها في العمل عبر السلسلة الجبلية مشهداً سريالياً جذاباً. وباستخدام الصور السلبية تتحول هذه الجمال إلى كائنات مضيئة وشبيهة بالأشباح، فيما تهيم أرواحها عائدة إلى موطنها الأم. يسلط العمل الضوء على مفاهيم الذاكرة والتاريخ والحياة البدوية.

وميض الماضي

الفنانة السعودية زهرة الغامدي قدمت عملها تحت عنوان "وميض من الماضي" وضم حوالى ستة آلاف وعاء معدني بأحجام مختلفة، حوى بعضها قطعاً من المرايا العاكسة. رُصت هذه الأوعية المعدنية التي كانت تستخدم سابقاً لتخزين التمور على امتداد 80 متراً فوق الرمال لتشكل بها الفنانة ما يشبه النهر المتلألىء في قلب الصحراء، خاصة حين تنعكس صورة الجبال والسماء الزرقاء على هذه الأسطح المعدنية والمرايا. وتحت عنوان "سراب" يقدم الفنان الفرنسي من  أصول تونسية "السيد" عمله المستلهم من الحروف العربية. إشتهر السيد باستخدامه للنص العربي في أعماله كآداة للتعبير، وهو يستلهم عمله المشارك من طرق التجارة القديمة التي كانت تعبر مدينة العلا المُسوّرة؛ والتي كانت أشبه بالواحة الخصبة في قلب الصحراء. في هذا العمل التركيبي صاغ الفنان شكلاً مجسماً من الحروف العربية تمثل أبياتاً شعرية لجميل بن عبد الله بن معمر، والمعروف بجميل بثينة. الأبيات التي استخدمها الفنان هي "الا ليت ريعان الشباب جديد/ ودهراً تولى يابثينى يعود/ ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة/ بوادي القرى إني إذاً لسعيد"... وهي أبيات تعبر عن مدى ولع الشاعر الشهير بحبيبته، وتفصح أيضاً عن تعلقه بأرضه، وادي القرى، الذي يُعتقد أنه كان ضمن حدود صحراء العلا. ينتهج الفنان هنا أسلوباً تفاعلياً يحفز مشاركة الجمهور وتفاعله مع العمل، ومع كون النص الذي يستخدمه الفنان غالباً ما يكون غير مقروء، إلا أنه يشي بمعناه على نحو غير مباشر.

الفنانة السعودية منال الضويان تقدم عملها تحت عنوان "الآن تراني، والآن لا تراني" وهو يمثل مجموعة من التراكيب الدائرية الشبيهة بالبرك المائية، وهي ظاهرة منتشرة في الصحراء. صُممت هذه التراكيب لتدوم بضعة أشهر، وصُنعت من أنسجة مطاطة يمكن القفز عليها، وهي تتحول في المساء إلى ما يشبه الأقمار المضيئة. يلقي العمل الضوء على مشكلة ندرة المياة التي باتت اليوم واحداً من أهم التحديات العالمية. الفنان السعودي مهند شونو يقدم عمله المشارك تحت عنوان "المسار المفقود" ويرسم خلاله مساراً بخط واحد على سطح الرمال، فيبدو مبهماً للوهلة الأولى، مع وضوحه الذي يكفي لجذب الانتباه ويثير الفضول لتتبعه. إستخدم الفنان في عمله هذا الأنابيب البلاستيكية، وهي من المنتجات الثانوية لقطاع النفط، مادة دأب شونو على استكشافها في أعماله الأخيرة. يستخدم الفنان هذه الأنابيب التي تبدو من بعيد كخطوط مرسومة بالحبر على الورق، فيوهمنا أنه يقودنا نحو وجهة محددة، ولكن سرعان ما يتضح المسار ليصبح هو الكنز بحد ذاته.

يضم مشروع "ديزرت إكس العلا" أعمالاً تركيبية أخرى لجيزيلا كولون من الولايات المتحدة ، وكل من ناصر السالم وراشد الشعشعي من السعودية، وشيرين جرجس من مصر، ونديم كرم وريان تابت من لبنان، بالإضافة إلى مجموعة "سوبر فليكس" من الدنمارك. ويقام هذا المشروع بالتعاون بين القيّم الفني في مؤسسة "ديزرت إكس" الأميركية "نيفيل ويكفيلد" ورنيم فارسي وآية علي رضا من السعودية وبدعم من الهيئة الملكية لمحافظة العلا. يذكر أن صحراء العلا الواقعة في شمال غرب السعودية تُعد أول موقع يسجل ضمن قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي في المملكة. ويمثل المعرض أول تعاون دولي خارج الولايات المتحدة الأميركية لمؤسسة "ديزرت إكس" وهي مؤسسة معنية بربط المجتمعات والثقافات الصحراوية من خلال الفن المعاصر.

المزيد من ثقافة