Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تستطيع أميركا فرض خطة السلام على أرض الواقع؟

الموقف العربي بين حريص على مجاملة واشنطن ومستعد لقبول أي تسوية... وهؤلاء لا يمكنهم التجاوب مع تصفية القضية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسيران في ممر الجناح الغربي بالبيت الأبيض (أ.ف.ب.)

في قراءة المشهد المُحيط بما سمّاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب (صفقة القرن) تساؤلات عديدة، في ظني أنه يجب مناقشتها بعناية قبل وبعد أي تفكير رشيد يحاول أن يتناول الأمور بشكل هادئ، وما إذا كانت هناك إيجابيات وسلبيات، أو سُبل للتعامل مع الموقف، والأبعاد التي أراها تستحقُ الانتباه.

ربما كان أوّلها تحليل وفهم ردود الفعل والمسار الذي تبلّورت فيه التحفّظات ضد الخطة الأميركية، وما تلاه من اتساع الرفض العربي وجانب دولي مهم، إلى ضرورة التعامل مع السؤال الجوهري، وهو ما إذا كان يمكن التصدي لما تتضمنه الخطة الأميركية من تصفية لا شكّ فيها للقضية.

ترمب... انحياز أميركي تاريخي لإسرائيل

في البداية، لم يكن هناك كثيرٌ من المفاجآت في الخطة الأميركية. الشواهد من انحياز أميركي فاق كل حدوده التاريخية، بدأت منذ حملة ترمب الانتخابية، فتاريخياً كان الموقف الأميركي منحازاً إلى إسرائيل.

لكنه، تجاوز كل الحدود مع الرئيس ترمب: نقل سفارته إلى القدس، واعترف بالمستوطنات، ومارس ضغوطاً متواصلة ضد الشعب الفلسطيني، وأنكر عليه كل حقوقه، وتحوّل إلى شريكٍ متطرفٍ لإسرائيل، وكأنه يدفعها إلى مزيدٍ من التطرف والتعصب، وكأنّ نتنياهو واليمين الإسرائيلي المُتعصب يحتاجان إلى مزيدٍ من هذا التطرف، ومنذ الإجراءات الأميركية والقرار الفلسطيني بمقاطعة هذه السياسة الأميركية، لم يكن هناك أملٌ يُرجى في صدور خطة تتضمن أي أسس للتفاوض حولها أو حتى لتبادل التنازلات.

ردود الفعل على خطة السلام

لكن، وقفة هادئة لتأمل خصائص ردود الفعل أمرٌ مفيدٌ للانتقال إلى السؤال الجوهري، أقول ذلك تحديداً لمناقشة ما بدا من بعض ردود الفعل العربية والدولية، التي حملت قدراً من المجاملة للطرف الأميركي في البداية، ما أعطى رسالة وكأنّ هناك ترحيباً مبدئياً، ثم تبخّر كل هذا بصدور قرارٍ قويّ، وغير مسبوق في السنوات الأخيرة، من جامعة الدول العربية، وظهر مرة أخرى موقفٌ عربيّ قويّ رافض، لم يخرج أيّ طرف بعده لإبداء أي تحفّظ أو تراجع عنه.

بعدها بدأت الانتقادات والتحفظات الدولية ضد هذه الخطة، سواء من روسيا وفرنسا أو من الاتحاد الأوروبي، وحتى الأمم المتحدة، ليثير هذا سؤالاً عمّا إذا كانت مواقف الأطراف الدولية كانت تنتظر رد فعل عربياً يتيح لها تحديد أكثر دقة للتعامل مع الخطة؟

 

في الحقيقة، يجبُ البدء من أمرين، أولهما أن عدداً من الأطراف العربية حريصٌ بالفعل على مجاملة واشنطن لأسباب مختلفة، وثانيهما أن عدداً من بين هذه الدول مستعدٌ بالفعل لقبول أي تسوية تُنهي هذا النزاع، وفقدوا كثيراً من حماسهم للقضية.

على أن الحقيقة الكبرى هي وجود ثلاثة أطراف عربية رئيسة، لا يمكنها التجاوب مع تصفية القضية الفلسطينية، وهي: مصر والسعودية والأردن، لأسباب بالغة الوضوح في بنية هذه الدول الثلاث سياسياً واجتماعياً وثقافياً، إلى حدّ أنها تتجاوز شخوص الحكام والنظام السياسي ذاته.

يمكن القول، إن بعض هذه الأبعاد شهد بعض التغيير في السنوات الأخيرة، ما أثّر بقدرٍ ما على مواقف هذه الدول أو بعضها، لكن هذا في الحقيقة ليس إلى حدّ المساس بثوابت سياسات هذه الدول، وإدراكها أمنها القومي، والأهم أسس الشرعية السياسية في هذه الدول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ظني، أسس الشرعية في حالة هذه الدول تختلف عن باقي الدول العربية بشكلٍ عميقٍ، وبما لا يسمح بتجاوز حدودٍ معينة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، وأقول هذا بصرف النظر عن الاتجاهات الشخصية لأى مواطن أو سياسي في هذه الدول، يضاف إلى هذا أن عدداً مهماً من الدول العربية الأخرى لا يمكنها التجاوب مع هذه الخطة، وعلى رأسها الجزائر وتونس وحتى المغرب رغم أي مجاملات تضمّنتها بيانات الأخيرة في بداية الأمر للطرف الأميركي، ومن ناحية أخرى، فإنه أيّاً كانت ظروف العراق وسوريا، فتظل الأمور واضحة تماماً بالنسبة إلى هذه المجتمعات.

في قول أخير، رغم ما تضمنته بعض البيانات الصادرة عن بعض العواصم العربية في البداية لم يكن بمقدور أحد أن يتجاوز هذا كثيراً، وهو ما اتّضح في موقف عربي قوي نسبياً في البيان الصادر عن الاجتماع الوزاري العربي الأخير .

المواقف الدولية التي أعطت انطباعاً برد فعل أكثر ليونة في البداية تحمل مؤشرات لا يمكن إنكارها، لكنْ ما صدر عن نسبة مهمة من العواصم الكبرى، باستثناء لندن، لا ينبغي أيضاً المبالغة بشأنه ولا التهوين منه كذلك، لكن من المهم تذكّر أن أغلب هذه العواصم أبدت تشككها في السياسة الأميركية تجاه هذا الملف منذ تولي ترمب، وسجّلت كلها تحفظها ضد هذه السياسة وانحيازها الشديد .

فرض خطة السلام

إذن، السؤال الكبير وقد تجاوزنا الأبعاد السابقة، وكذا تجاوزنا أنها خطة سلام إلى تكييفها بأن واشنطن تسبق اليمين الإسرائيلي المُتطرف في إنهاء القضية وتصفيتها، هل يمكن منع ذلك أو هل تستطيع واشنطن فرض ذلك؟

هنا، لدينا كثيرٌ من العناصر، أوّلها أن مشروعات الاستعمار الاستيطاني التي نجحت في قرون سابقة، وتحديداً في العالم الجديد لم تنجح على الإطلاق في العالم القديم ونموذج جنوب أفريقيا شاهد على ذلك رغم خصائص هذه الدولة الجغرافية في أقصى القارة الأفريقية، واستمرار النموذج الإسرائيلي مدة سبعين سنة حتى الآن لا يعني من منظور تاريخي شامل حتمية نجاح إسرائيل ولا فشلها، وقد انهار نموذج بريتوريا بعد فترة زمنية أطول، وقد يقال هنا إن المقارنات بين الحالتين تتضمن عناصر عديدة، لكن البعد الديموغرافي وتطبيق فكرة المعازل الموجودة في الخطة تُحدث عبر الزمن تشابهات كثيرة.

ومن ناحية أخرى حظيت جنوب أفريقيا في البداية بدعم غربي، ومن الأقوى آنذاك بريطانيا، لكن معادلات النظام الدولي تراجعت، وبشكل خاص بريطانيا، والشواهد الآن أن واشنطن تفقد بشكل متوالٍ تصدّرها الدولي، ولم ينجح ترمب حتى الآن في إدارة أي ملف دولي سواء الصين أو كوريا الشمالية أو إيران، صحيح أن العالم العربي مختلفٌ، وتمارس فيه واشنطن آخر ملفات هيمنتها، لكن أيضاً التراجع ملحوظٌ، والأدوات تتآكل حتى لو ببطء.

على أن هذا لا يعني أن المعركة سهلة، بل هي بالغة الصعوبة، سواء لأن الخصم لم يعد مستتراً، إنما واشنطن ذاتها، أو لأن الطرفين العربي والفلسطيني في أضعف مواقفهما، أو لأن الجانب الفلسطيني يحتاج إلى أكثر من الوحدة.

الأمر أصبح أكبر من هذا إلى تغييرٍ شاملٍ في أساليب النضال والخطاب السياسي، وإلى تراجع ضروري للخطاب السياسي الديني لـ"حماس" لصالح القضية الوطنية، ونهج سياسي جديد للشعب الفلسطيني لا يقوم على ثنائية المشروع السياسي التي عرفتها هذه التجربة منذ بدايتها من "فتح" في مقابل "حماس" و"الجهاد"، إلى النضج ممثلاً في مشروع سياسي وطني جديد يبلور قيادته القادرة على ذلك.

مرة أخرى، من منظور تاريخي الأمر ليس مستحيلاً، لكنه أيضاً ليس سهلاً.

المزيد من تحلیل