Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غزة... صانع العود يعزف ألحان الفقر والحصار

تقاوم هذه المهنة الاندثار... وإسرائيل ترفض تصديره إلى الخارج

على نغمات وتر العود، يبدأ عيد حماد في صناعة هيكله، يسمع اهتزاز حباله، ويتراقص معها، وهو يرسم على الأخشاب شكل آلة الموسيقى التي يرغب في إنتاجها، يعمل يومياً في غرفة صغيرة من بيته، وبين أكوام الأخشاب والأوتار الموسيقية يجد الراحة ويغمره شعور السعادة.

وسط مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين، جنوب قطاع غزّة، وفي الغرفة المتشققة جدرانها ذات البناء القديم، يقضي فيها صانع العود حماد خمس ساعات متواصلة يعيش مع أخشابه وهياكل آلاته الموسيقية.

عامل بناء

يقول حماد "لم أجد مكاناً، بدل إيجاره مناسب، لأحوّل جدرانه إلى تحفة فنية أعلق عليها آلات العود، سوى غرفة صغيرة في منزلي، تطل على الشارع العام، ويستطيع المارة مشاهدتها، فوضعي الاقتصادي صعب ولا أقوى على استئجار محلات تناسب آلة العود".

في الحقيقة، حماد لم يكن صانع عود، بل كان يعمل في مهنة البناء، لكن ظروف غزّة غيّرت مجريات حياته، عندما توقف قطاع البناء عن العمل بسبب منع إسرائيل دخول الإسمنت، حينها، وجد نفسه عاطلاً من العمل فترة طويلة، فاضطر إلى ممارسة هوياته القديمة في رسم أشكال العود وصناعته.

العود تراث

يكاد أن يكون حماد هو الوحيد الذي يصنع العود في قطاع غزّة، فهذه المهنة شارفت على الاندثار، بعدما أصبح التجار يقومون باستيراد العود جاهزاً من الخارج، لكن إصراره على بقائه كان أقوى من انتهاء هذه المهنة.

ويوضح أن العود ثقافة شرقية، فبلاد الشام وبالتحديد سوريا وفلسطين موطنه الأصلي منذ زمن قديم، وكانت مدينة نابلس وغزّة أشهر المناطق التي تصنع العود قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتعد هذه الآلة الموسيقية من التراث العربي الفلسطيني الأصيل، الذي مهما تقدم الزمان لا يندثر ولا يمكن الاستغناء عنه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فشل متكرر... ثمّ نجاح

"ولد العزف واللحن في أزقة مخيم مدينة خان يونس" يقول حماد، الذي قضى 10 سنوات من عمره يعمل في صناعة العود العازف، حباً بسماع الضرب على أوتاره التي تنتج أصوتاً يصفها بلغة القلب التي لا يفهمها سوى عشاق الموسيقى والعزف والغناء القديم.

وصراحة يعترف حماد بأنه فشل في صناعة العود في أول ثلاثة أشهر عندما بدأ يحاول صناعة الآلة الموسيقية الشرقية، ولكن إصراره كان أقوى من فشله، وحاول كثيراً حتى نجح في صناعة الآلة الوترية التي يعشقها، ويشير إلى أنه فشل في صناعة حوالى 15 آلة عود، وبعدها قرر مطالعة مواقع الإنترنت حتى يجيد صناعة العود، وكذلك استشار الكثيرين من أصدقائه الملحنين وخبراء العود، وبعد الكثير من المحاولات من الصناعة والنحت والتركيب... نجح.

لكن على مدى السنوات الـ 10 التي قضاها حماد في صناعة العود، تمكن من إنجاز حوالى 100 آلة موسيقية شرقية، من مختلف أنواعها، منها الدمشقي، والبغدادي، والمصري.

مراحل الصناعة

أما عن صناعة العود، فإن أول مراحله تتمثل في تصميم قالب على شكل هيكل أو صندوق، وهو مشهور باسم "قصعة" أو ظهر العود، ومن ثمّ تثبيت الأضلاع، كل ضلعين على حدة، وربطهما بقطعة قماش قوية للتثبيت بعد إلصاقها بمادة الغراء الأصفر. وبعدها ينظر حماد حوالى ساعتين، حتى تجف المادة على الأضلاع، ثم تأتي مرحلة "السنفرة" أو "التنعيم"، لتصبح ملساء ويمكن طلاؤها وإعطاؤها شكلاً مميزاً، وعند انتهاء هذه المراحل، يركب الوجه أو الصدر الذي يحتوي على فتحة تُسمى "قمرية"، أو "الشماسات"، ومهمتها زيادة رنين الصوت.

وبحسب حماد، فإنه يشترط بالخشب المستخدم بصناعة وجه و"قصعة" العود أن تكون العروق طولية، ما يساعد على تقوية هيكل الآلة، وبعد تركيب الوجه، تبدأ عملية تثبيت الأوتار، ومن ثم وضع المفاتيح لشد الأوتار معها، وعددها خمسة مزدوجة، وتصل في بعض الأحيان إلى سبعة مزدوجة.

المرحلة ما قبل الأخيرة تتمثل في وضع زند العود، وهي مكان يضغط عليه العازف على الأوتار، وتليها مرحلة "العضمة"، وتوضع في رأس الزند من جهة المفاتيح لإسناد الأوتار عليها، وهكذا يصبح العود جاهزاً.

ويستعرق حماد في صناعة العود الواحد حوالى أسبوع، ويكلفه قرابة 150 دولاراً أميركياً ويزيد أحياناً، ويبرر استغراق الوقت بأن هذه الصناعة تحتاج دقة عالية، بالإضافة إلى مراحل عدة من التجريب والتعديل حتى بعد الانتهاء.

منع إسرائيلي

لكن ثمة صعوبات عديدة تواجه حماد في عمله، أولها انقطاع التيار الكهربائي المتكرر والذي يصل إلى حوالى 16 ساعة يومياً، وكذلك صعوبة تسويق آلة العود في قطاع غزّة، كون أن الوضع الاقتصادي صعب جداً، ويقول "الناس لا تملك قوت يومها، لتشتري العود، وأيضاً لا يوجد مزاج للعزف وسماع الموسيقى"، وإضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل ترفض السماح للأخشاب المطلوبة في صناعة العود بالدخول إلى القطاع، وبصعوبة كبيرة يتم إدخال المكونات الأخرى للآلة الموسيقية، وفي حال توفرها فإن ثمنها مرتفع جداً.

وكذلك تمنع إسرائيل تصدير العود الفلسطيني إلى دول العالم، ويشير حماد إلى أنه حاول أكثر من مرة التنسيق مع الجهات المختصة من أجل تصدير منتجاته إلى الدول العربية، لكن الجانب الإسرائيلي رفض ذلك كلياً.