"احكيلي"... ميراث النساء في عائلة نجمها يوسف شاهين

المصرية ماريان خوري تستعيد سيرة مزدوجة... شخصية وسينمائية

المخرج يوسف شاهين مع والدته ماريكا العام 1974 (اندبندنت عربية)

هل يجوز اعتبار أن لكل عائلة سيرتين؟ سيرة رجال هذه العائلة بنجاحاتهم وسفراتهم وقصص غرامهم والطريقة التي جمعوا بها ثوراتهم، وسيرة أخرى للنساء يروين فيها كيف تزوجن، أو بالأدق زُوجن، كيف تنقلن مع أزواجهنّ من بلد إلى بلد، اعتنين بأطفالهنّ، أو ببساطة كيف عشن الحياة دائماً كرد فعل؟

الأمر لا علاقة له بالنسوية. لكن الفيلم التسجيلي المصري "إحكيلي" المعروض حالياً في الصالات والحائز على جائزة الجمهور في الدورة الماضية من مهرجان القاهرة السينمائي، ومن إخراج ماريان خوري يدفعنا إلى البحث عن منظور آخر نرى عبره فكرة "العائلة"غير المنظور التقليدي. بالأخص عندما تكون هذه العائلة التي يتكلم عنها الفيلم هي عائلة المخرج يوسف شاهين، وأبناء أخته الذين يديرون اليوم شركة "أفلام مصر العالمية"، ونشاطها السينمائي الذائع الصيت. الهدف هنا ليس إعلان الانتماء ولا الفخر، وليس كذلك إدانة تصرفات بعض الأفراد في لحظات زمنية فارقة، ولكن قد يكون محاولة فهم قصة هذه العائلة كما حدثت فعلاً وليس كما كان ينبغي أن تحدث.

يبدأ فيلم ماريان خوري وهي تبرر قرارها بالتصوير، مرة لابنتها سارة الشابة الغاضبة والقليلة الصبر، ومرة لأخويها غابي وإيلي. لا يرى الأخوان مبرراً لاستدعاء حكايات قديمة عن العائلة، بشكل خاص عن الأم، يشعران بالخجل أمام الكاميرا، ويدّعيان في البداية أنهما لا يتذكران أي شيء يمكنهما حكيه. قد يمر هذا الادعاء لأنهما كما نرى على الشاشة، لم يُعدّا شابين، لكن مع إصرار ماريان على المضي قدماً، وعندما تُشعل حادثة قديمة فتيل الذاكرة، يتدفق الحكي.

 

ذكريات أليمة

على الرغم من مرور الأعوام والنضج، مازالت ماريان تتذكر نية والدتها التخلص منها كجنين عندما عرفت عن حملها بها أول الأمر، تحكي عمّتها السيدة "مارسيل" الحكاية كاملة لماريان، تدخلت العمة في  اللحظة الأخيرة ومنعت الطبيب تقريباَ بالقوة من إجراء عملية إجهاض للأم "إيريس"، وبعدها بشهور وُلِدت ماريان. لم ترفض الأم ابنتها المستقبلية، ربما كان فقط التعب من تربية صبيين، ومن المكابدة مع تقلبات مزاجية حادة، كما يصف لاحقاً الفيلم. عندما تسمع سارة هذه الحكاية من الأم تسألها ببساطة: "طيب وهي حبتك؟"، فتجيب ماريان ببطء: "أيوه حبتني بطريقتها". على الرغم من هذا التسامح، تعترف أن معرفتها بهذه الحادثة سببت لها تعاسة لم يذهب أثرها مع الوقت.

في أحد اجتماعات العائلة المُصوَّرة التي حضرتها الأم إيريس والخال يوسف شاهين، وبعدما تزوجت ماريان وأنجبت ابنتها سارة تسأل شاهين إذا ما كان يشعر أن سارة تشبه في شيء والدتها، فيجيبها موافقاً. هذا الشبه الذي اتضح أكثر فأكثر عندما أصبحت سارة شابة، في الأعين القلقة، النظرات الحادة، والذكاء المتقد، جعل ماريان أكثر رغبة في البحث عن إيريس، هذه السيدة التي لم يبق منها سوى الصور، وذِكر على ألسن أشخاص بعضهم رحل اليوم عن الدنيا.

 تروي مارسيل بداية علاقتها بإيريس كزميلة في الدراسة، كانت نموذجاَ للجمال والفطنة، تخرج كثيراً وتلتقي الناس، باختصار تُحب الحياة ويبدو أن مارسيل انجذبت لهذا فيها. تتعثر مارسيل إلى حد ما عندما تأتي على سيرة تزويج إيريس لشقيقها "جان خوري"، فكما كان والد إيريس أكبر من والدتها على الأقل بثمانية عشر عاماً، انتهت هي بقرار من أمها إلى الزواج من رجل يكبرها بسنوات طويلة، حكاية مؤلمة رواها شاهين أكثر من مرة في أفلام سيرته الذاتية كما في فيلم حدوتة مصرية.

حياة متأملة

بينما تتقدم ماريان في رحلة تأملها لحياة إيريس، يكون عليها أن تمر على قصص أخرى مُهمة في العائلة. قبل سنوات أقدم، كان لإيريس شقيقان، الأكبر هو ألفريد، والأصغر هو يوسف. يحكي يوسف عن حادثة وفاة ألفريد بعد ستة أيام من الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، صدمة الأم كانت عنيفة في فقدان ولدها، ولما كان شاهين قد أحرق إحدى المغارات الصغيرة من طريق الخطأ وهو يلعب ليلة الاحتفال. اعتُبرت الحادثة المشؤومة سبباً في وفاة ألفريد، وأطلقت الجدة عبارتها التي سمعها شاهين ولم ينسها طوال حياته "ياريته كان الصُغير"، أي ليته كان يوسف شاهين.

تكاد رغبة إيريس في التخلص من جنينها توازي دعوة الجدة أو رثاءها لحفيدها، وهنا يتقاطع تاريخ كل من يوسف شاهين وماريان خوري.

من المُحتمل أن هذه الحادثة أسهمت في ما بعد في قرار تزويج إيريس إلى جان بدافع الشعور بالتهديد. لم تحب إيريس جان، على الرغم من أنه أحبها، كانت في حاجة إلى الشغف ربما، أو إلى حب عاصف، في حديث ماريان على انفراد مع شاهين، وهي لا تزال مبتعدة عن الصورة، وبينما يتكلمان بالفرنسية، يحكي شاهين أن إيريس كانت تفوقه ذكاء بكثير "كانت تقدر ترد على أي حاجة في لحظتها، أنا كنت أحتاج أربعة أيام عشان أفكر في رد". تلتقط منه ماريان طرف الخيط، محاولة افتراض عمل مناسب كان يمكن للأم القيام به ويستوعب حضورها الطاغي. هل كان يمكن مثلاً لإيريس أن تكون نجمة سينمائية أو ممثلة في حال لم تتزوج؟ تُجيب مارسيل عن ما تراه شططاً في الخيال "لو كانت عاوزة كانت هتعمل كدة، مكانش حد ممكن يمنعها".

يوسف شاهين في الضوء

يُنقّلنا "إحكيلي" بسلاسة بين ثلاثة أجيال، هي إيريس وماريان وسارة، ويطرح علينا السؤال: هل عاشت أي منهم الحياة التي اختارتها؟ على الرغم من المسافة التي تتخذها ماريان من الصورة، وتخليها الطوعي عن الظهور، تضطر إلى الكلام في لحظة ما وتبوح "الضوء كله كان على يوسف شاهين". عوّض شاهين في الواقع عائلته كلها بنجاحه الفني الاستثنائي الذي وصلت شهرته إلى أوروبا.

هنا تصبح ماريان بطلة لحياتها، وليست مجرد خاضعة للأحداث الكبرى التي تجري حولها. ارتحلت العائلة، التي لها جذور غير مصرية، من الإسكندرية إلى القاهرة، وعندما وضعت الدولة المصرية يدها على أموال "جان خوري" الأب الذي عمل في السينما أيضاً، ارتحلت العائلة مجدداً هذه المرة إلى لبنان، هناك بقي غابي وإيلي شقيقا ماريان، وعادت هي وحدها مع الأم، وكان عليها أن تتأقلم مع نظام مدرسة مختلف وزملاء جدد.

في البداية عملت كموظفة في بنك في مدينة الإسكندرية، تزوجت مبكراً بحثاً بدورها عن الأمان المفقود، لكن هذه الزيجة فشلت من دون أن توضح الأسباب لسارة التي صارت تمسك الآن الكاميرا وتصوِّر والدتها. تنتقل ماريان إلى القاهرة، وتعمل مع خالها. بعد ذلك تشهد موت أبيها، فموت أمها، وحتى موت شاهين نفسه. "لازم حد يموت عشان حد يعيش"، ومع زواجها الثاني وإنجابها سارة ويوسف، وتحسن الأحوال أخيراً، تشعر اليوم أنها حُرة في النظر إلى الوراء.

قد يتسلل إلى بعض مشاهدي "إحكيلي" من أبناء الطبقة المتوسطة شعور بالغربة.  فكل أفراد العائلة الذين يظهرون على الشاشة يلازمهم من البداية الإحساس بالاغتراب عن مجتمع كبير، هم أبناء العائلة المسيحية الكاثوليكية التي يتحدث أفرادها بالفرنسية وجذورها تمتد في بقاع عدة من الدنيا. ولكن عندما تبكي ماريان أمام ابنتها وأمام الكاميرا ناعية أخيراَ "إيريس" أمها التي ماتت في صمت بعد أن غرقت في تناول الكحول، تتكلم خوفها المتواصل من العوز المادي الذي عاشته في طفولتها، عندما نشاهد رحلتها للعلاج من سرطان الثدي في إنجلترا، وخوفها من نطق اسم المرض ومشاكسة ابنتها سارة لها وهي تتماثل للشفاء، وانشغال يوسف ابنها بتليفونه المحمول طوال الوقت. نشعر أن هناك ما يجمعنا بهذه العائلة، أننا ربما نرى أنفسنا في قصتهم بشكل ما.

حتى يوسف شاهين لم ينج تماماً كما نعتقد، فقد خضع هو الآخر لتقليد العائلة وتزوج مبكراً من سيدة جميلة حقاً هي "كوليت" كما يصفها. وهل كان لديه خيار سوى العمل، وسوى النجاح؟

في الجزء الأخير من الفيلم، تتحرك الكاميرا مثل سهم من ماريان إلى سارة، لنتعرف على غضبها الخاص "أنا غنية في مجتمع فقير، لست فرنسية ولست مصرية، أبي مسلم وأمي مسيحية"، مُلخِّصةً بذلك أزمتها في كلمة واحدة هي "الهوية". تدرس سارة السينما، وتعاتب أمها على غيابها الطويل في العمل بينما كانت لا تزال طفلة صغيرة. قصة ربما تُعبر عنّا، نحن الجيل الأحدث من نساء العائلة، نلوم كثيراً أمهاتنا، ونشعر بأنه قد كان في الإمكان أفضل مما كان، ولكن مَنْ يملك  قدرة العودة فعلاً إلى الماضي وتلوينه باللون الذي تشاء؟

المزيد من فنون