Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مؤامرات وإشاعات ومكاشفات تحت جناح "كورونا"

يحاول البعض إقحام حروب المعتقدات الدينية والمشكلات السياسية في الطوارئ الفيروسية

كادر طبي أثناء جولاته بمنطقة الحجر الصحي في ووهان مركز اندلاع فيروس كورونا   (أ.ف.ب)

الحديث بين الصيدلي وصبي "الدليفري" شيق ومثير. الصبي يسرد سخافة دور "البرد" الذي يلازمه، والكحة الشديدة، وحالة الضعف العام، وقبل أن يكمل سأله الصيدلي ضاحكاً "ربنا يستر ولا تكون مصاباً بـ(كورونا)". ردّ الصبي بضحكة مستفسرة عن دخل شوكولاتة "كورونا" في أعراض مرضه.

سكاكر وفيروسات

شوكولاتة وبسكويت وسكاكر "كورونا" هي الحاضرة لدى الغالبية. لكن عدّاد الوفيات ومرصد الإصابات ونصائح الطوارئ والإجلاء بدأت تتسلل لتحلّ محل شركة الحلويات الأشهر والأقدم عربياً. أخبار المواطنين العرب المقيمين أو الزائرين للصين أصبحت محل الاهتمام، تحركات وزارات الخارجية والهجرة والصحة باتت موجهة صوب الفيروس القاتل الذي يطلّ برأسه من الشرق صوب بقية أرجاء الكوكب. أما الاهتمام الشعبي، فما زال حائراً بين البحث والتقصي عن الفيروس الجديد الذي يبحث عن اسم يليق به من جهة، والدقّ على أوتار الدعابة تارة والإشاعات تارة والقيل والقال دائماً.

 

 

القيل والقال

القيل والقال عربياً يقودان الملايين لأسباب عدة للإغراق في معتقدات غير علمية وتوجهات تخلو من البراهين والأدلة. طوفان الربط بين الفيروس الذي ظهر في الصين قبل أسابيع، وبين ما تفعله الصين بشأن مسلمي الإيغور وما يقال عن احتجازها ما يزيد على مليون مسلم وفصل الأطفال عن ذويهم، جعلت كثيرين مطمئنين إلى أن الفيروس القاتل لن يطالهم لأنهم "مسلمون".

تتوالى تغريدات وتدوينات ومعاودة نشرها في الدول العربية، وحتى بين العرب المقيمين في خارج الحدود العربية، مروّجة لفكرة الانتقام الإلهي. ويحاول البعض في هذا الفريق الاحتكام إلى بعضٍ من عقل، فيظهر اتجاه عنكبوتي بأن "علينا الانتظار، فإن انتشر الفيروس القاتل في داخل الصين وقضى على ملايين الصينيين، فهذا يعني أن (كورونا) غضب من السماء. أما إذا انتشر خارج الصين، وبدأ يصيب المسلمين وغير الصينيين، فإن هذا يعني أن الفيروس ليس غضب السماء".

غضب السماء

لم يمنع هذا الاعتقاد من بعض من تخبطات في ردود الفعل الرسمية، لا سيما وأن الفيروس ظهر وانتشر بشكل مفاجئ. فبعد ساعات قليلة من تداول تصريحات رسمية صادرة عن قطاع الطب الوقائي في وزارة الصحة المصرية بأن حملات كبرى يتم شنها على المطاعم الصينية في مصر لتأمين الغذاء الذي يتناوله المترددون على هذه المطاعم، مع تكليف المحافظين عمل حصر للمطاعم الصينية في محافظاتهم لمنع تسرب الفيروس، سارعت الجهات الرسمية إلى نفي هذه الحملات الغريبة، لا سيما وأن أغلب العاملين والمترددين على هذه المطاعم مصريون وعرب.

المصريون والعرب واقعون في الفخ نفسه. كمّ كبير من الإشاعات يرتطم بتحركات رسمية جيدة خاصة بتسيير طائرات من عدد من الدول العربية لإجلاء مواطنيها من ووهان الصينية، وتقديم خدمات المشورة والدعم لهم، ولو عنكبوتياً، لحين وضوح الرؤية.

لكن البعض يحاول التعتيم على الرؤية، وإقحام حروب المعتقدات الدينية والمشكلات السياسية في الطوارئ الفيروسية. مقاطع فيديو غير موثقة يجرى تحميلها على منصات التواصل الاجتماعي تحوي رجالاً يرتدون أقنعة واقية ويحملون أسلحة نارية، على اعتبار أن السلطات الصينية تقتل من يثبت إصابته بالفيروس، أو تحبسه في بيته عبر سدّ الأبواب بقواطع خشبية وغيرها.

 

 

القاعدة الشعبية

المثير أن الاستقطابات السياسية والفتن التي ضربت البعض في أعقاب هبوب "رياح التغيير" في عام 2011 أبت إلا أن تستمر في إلقاء ظلها، ولو من باب "كورونا". لجان إلكترونية تتداول أخباراً كاذبة عن انتشار الإصابات في دولة ما، تلميحات بأن الإعلان الرسمي عن عدم وجود إصابات يعني وجودها بكل تأكيد، الإشارة بأن الإصابة تعني "غضب الله على نظام الحكم وسكوت المحكومين عليه"، وغيرها من الهراءات والإشاعات لم تنجح هذه المرة في جذب قاعدة شعبية عريضة.

جانب من القاعدة الشعبية باتت تجد في البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ما يشفي قلقها ويبرد خوفها. فبين تعريف بالفيروس، وتنبيه إلى أن ظهوره في الصين لا يعني أنه حكر على الصين، وإعلان عن ظهور حالتين في الإمارات، مصدر موثوق فيه يستقون منه المعلومات. دعوة "إمرو" للدول العربية تعزيز قدرات التأهب والاستجابة السريعة، والاستعداد للعمليات من خلال نهج تقييم المخاطر، وتفعيل التحري عند الدخول في بلدان الإقليم، وغيرها يثير القلق لدى البعض، لكنه أيضاً يدعو إلى بعض الاطمئنان في شأن الجاهزية.

وعلى الرغم من نجاح السلطات المصرية – بالتنسيق مع نظيرتها الصينية في إعادة نحو 300 مصري من مدينة "ووهان"، التي ضربها الفيروس بشدة، فإن بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أمعنوا في السخرية والتقليل من شأن الجهد المصري المبذول. واتخذوا من صور وزيرة الصحة والسكان هالة زايد ومعها مجموعة من مسؤولي الوزارة والعاملين فيها وهم يرتدون الملابس الصحية الواقية والكمامات نقطة انطلاق لموجات إما من السخرية اللاذعة، أو التشكيك في الإجراءات.

واصطاد آخرون في الماء العكر بشأن الإجراءات المصرية تجاه فيروس "كورونا"، وتم تداول تغريدات وتدوينات بشكل مكثف للتقليل من الإجراءات المتخذة، بل وصل الأمر إلى السخرية من "البدلة الووتر بروف" العجيبة التي ترتديها الوزارة، وهو ما عكس إما جهلاً بملابس الوقاية الطبية، أو إمعاناً في التشكيك في أي خطوات رسمية.

وعرضت وسائل الإعلام المصرية تقارير مطولة وتغطيات متصلة حول الإجراءات المتخذة لتأمين المصريين العائدين من "ووهان" وإقامتهم لفترة 14 يوماً في فندق تابع للقوات المسلحة في مدينة مرسى مطروح، هي فترة العزل المطلوبة لملاحظي العائدين والتأكد من خلوهم من الفيروس.

وصرح وزير الطيران المدني محمد منار أن السلطات الصينية لم تسمح لمصريين بالمغادرة على متن الطائرة التي أقلت الـ300 مصري وأسرهم، للاشتباه في إصابتهما بالفيروس لارتفاع درجة حرارتهم وإخضاعهم للملاحظة.

وناشد عدد من المسؤولين بالإضافة إلى مقدمي برامج التوك شو الرئيسة المصريين الابتعاد عن الإشاعات والأخبار المفبركة التي يتم تداولها على الشبكة الإلكترونية وبعض المنصات الإعلامية المعروفة بعدائها لمصر، والاعتماد على المعلومات الرسمية التي تقدم الوقائع دون تهويل أو تهوين.

وعلى صعيد المدارس وما أشيع حول تأجيل بدء الفصل الدراسي الجديد بسبب الخوف من الفيروس، نفى وزير التربية والتعليم طارق شوقي ما يتم تداوله، مطمئناً أولياء الأمور أن الدولة تقوم بكل الإجراءات للوقاية من الفيروس، مضيفاً أنه من غير المعقول اتخاذ قرار بتأجيل الدراسة دون الإعلان عن ذلك. وجدد شوقي مناشدته لأولياء الأمور بالتوقف عن الحصول على معلوماتهم الخاصة بالوزارة من منصات التواصل الاجتماعي.

منظمة الصحة العالمية

لكن كلمات المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بمكتب شرق المتوسط "إمرو"، أحمد المنظري، التي وجهها من القاهرة يوم 2 فبراير (شباط) الحالي، ضاعفت حجم القلق لاستشعار المزيد من تفشي الجائحة. أشار المنظري إلى إعلان المنظمة فيروس كورونا المستجد "طارئة صحية عامة تسبب قلقاً دولياً" في 30 يناير (كانون الثاني) الماضي، مطالباً الجميع باعتبارهم "مواطنين عالميين العمل معاً للحفاظ على سلامة العالم، حيث إن فاشية الفيروس أصبحت مشكلة دولية تهدد الصحة العامة، ليس فقط لما يجري في الصين، ولكن لما تشكله من خطورة للبلدان الأخرى، لا سيما تلك التي تعاني ضعفاً في أنظمتها الصحية".

 

 

غير مفهوم بشكل تام

وحتى بعد ظهر يوم الأحد 2 فبراير (شباط) الحالي، بلغ عدد حالات الإصابة المؤكدة 11 ألف و953 حالة أغلبها في الصين. ويقول المنظري إن الحالات الموثقة في إقليم شرق المتوسط حتى تاريخه خمسة أفراد، أربعة منهم ينتمون للعائلة نفسها في الإمارات. ولم يستبعد ظهور حالات مؤكدة جديدة في مناطق وبلدان أخرى. وما يثير قدراً أكبر من القلق هو أن العدوى بفيروس كورونا المستجد تحدث من شخص لآخر عبر الرذاذ التنفسي، وما زال حجم انتقاله داخل المجتمع وأماكن الرعاية الصحية غير مفهوم بشكل تام.

آداب السعال

وجدد المنظري سرد التدابير الوقائية، وتشمل غسل اليدين واتّباع آداب السعال بتغطية الفم والأنف بمحرمة تستخدم لمرة واحدة فقط.

يشار إلى أنه بين كل مئة شخص مصاب بالفيروس في الصين، يتوفى بين شخصين إلى أربعة. ورغم ذلك، إلا أن المنظري قال إن تحديد معدل إماتة المرض غير قابلة للتحديد، وذلك لأن المرض ما زال جديداً، "وفهمنا له يتحسن بسرعة". لكن المنظمة قادرة على تقييم المخاطر، ووصفته بالـ"مرتفع"، من حيث تأثيره على صحة الإنسان وانتقاله من شخص لآخر.

الإقليم في خطر

صراحة المنظري في شأن وضع الإقليم أثارت القلق، فـ"الخطر مرتفع بسبب الرحلات الجوية الدولية القادمة من الصين بشكل مباشر وغير مباشر، لأن بلدانا عدة في الإقليم تواجه حالات طوارئ مُعقّدة أو تتعافى منها في ظل وجود نُظُم صحية هشة". هشاشة بعض الأنظمة الصحية في الإقليم بالإضافة لعدم وجود لقاحات أو علاجات محددة للفيروس الجديد بعد تضاعف من حجم القلق. لكن المنظري يؤكد أن العلاح الداعم أثبت فعالية، بالإضافة إلى دعم جهود الباحثين الذين يعملون على تطوير اللقاحات والعلاجات.

حركة السفر

وإذا كانت منظمة الصحة العالمية ترى أن الوضع لم يصل بعد لدرجة الخطورة التي تستدعي فرض قيود على حركة السفر والتجارة، إلا أنها أشارت إلى أن للحكومات الوطنية أن تتخذ ما تراه مناسباً من قرارات في ضوء سياقاتها الخاصة بها.

أما السياقات الإعلامية، فقد أولاها المنظري قدراً من الاهتمام والمناشدات منوهاً إلى طوفان المعلومات المغلوطة والأخبار غير المؤكدة التي يتداولها البعض، مؤكداً أن "منظمة الصحة العالمية ستستمر في توفير المعلومات على مواقعها الإلكترونية التي تسهم في زيادة الوعي بالحقائق عن هذه الفاشية، وتدابير المكافحة الأكثر فعالية بعيداً عن الإشاعات مع تفنيد المعلومات المغلوطة".

الكمامات صينية

صبي "الدليفري" في الصيدلية لا يعرف الكثير عن منظمة الصحة العالمية، كما أن عبارات ومفردات مثل "الجائحة" و"الفاشية" و"الترصد" وغيرها لا تعني له الكثير. لكن ما يعنيه هو سؤاله عن تلك الكمامات التي يضعها في حقيبة التوصيل ويسلمها لمئات العملاء الراغبين في تخزينها تحسباً لأي طوارئ. فقد سأل الصيدلي بعد نقاش ثري حول الفيروس والصين وسبل الانتقال "لكن هذه الكمامات مصنوعة في الصين، فماذا نحن فاعلون؟"

يشار إلى أن "إمرو" أمدت المركز الإقليمي للإمدادات اللوجستية في دبي بالمستلزمات الصحية، بالإضافة إلى البدء في شراء سبعة ملايين قفاز، وخمسة ملايين قناع جراحي، ومليون رداء وقائي لتوزيعها على دول الإقليم بحسب الحاجة، بالإضافة إلى تزويد عشر دول معرضة لـ"خطر مرتفع" بإمدادات للمختبرات لدعم جهود الترصد فيها.

مؤامرات وفيروسات

وفي خضم كل هذا، تنتعش نظريات المؤامرة كعادتها. فتارة "الفيروس" تم تخليقه أميركياً لضرب اقتصاد الصين ومكانتها في الكوكب، وأخرى بأن الفيروس تم تخليقه في الصين لكن أحدهم سرّبه خارج المعامل، وثالثة بأن "الأخوة الأعداء" من كبار الكوكب (أميركا وروسيا وغيرهما) أنتجوا الفيروس لشغل انتباه العالم بعيداً عن اللعبة الأممية الدائرة رحاها في الشرق الأوسط، وهلمّ جرا.