Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان... بيان "خجول" لحكومة دياب يتجنب انعكاسات أزمة المصارف

المسودة نسخت إصلاحات الحريري بمهل مطاطة

أتاح تسريب مسودة البيان الوزاري لحكومة الرئيس حسان دياب للقوى السياسية المختلفة، ولا سيما المعارِضة منها، أن تبني عليه حججها كي تمتنع عن منحها الثقة في البرلمان حين يلتئم الأسبوع المقبل من أجل مناقشة ما تضمنه من وعود إصلاحية وخطوات في المجالات المتعددة للخدمات الأساسية التي يفترض أن تقدمها الدولة.

فالتباين في مقاربة الوضع الاقتصادي المالي بين الفرقاء اللبنانيين يعود بحسب وزير سابق إلى استمرار وجود إشارات إلى أن أطرافاً خرجوا من الحكم يسعون إلى مواصلة سياسة المحاصصة واقتسام المغانم عبر الحكومة الجديدة تعويضاً عن هذا الخروج. وفي المقابل يسعى عدد من الوزراء مع دياب لخلق مناخ يسمح بالطلب من الممولين الدوليين تزويد البلد في سرعة بمبالغ مالية مقابل تمويل مشاريع أبرزها في قطاع الكهرباء.

أما في الخلافات حول الخيارات الإقليمية للبنان، ودور سلاح "حزب الله"، فإن مسودة البيان اعتمدت النص المتعلق بحق المواطنين اللبنانيين في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، بحيث لا يعترض عليه معارضو الحكومة ممن كانوا في السلطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"مستقلة عن التجاذب السياسي"

فتأكيد البيان الوزاري في مقدمته على أن الحكومة ستكون "مستقلة عن التجاذب السياسي"، وعلى أنها "ورثت الأزمة"، وأن مطالب الحراك الشعبي "في صلب خطتها"، لم يمنع أوساط المعارضة من اعتبار ما احتوى عليه البيان المطول (17 صفحة) بأنه يتضمن عناوين جرى تجميع معظمها من الورقة الإصلاحية التي أقرتها حكومة الرئيس سعد الحريري في 21-10-2019 في اجتماعها الأخير قبل استقالة الحريري (بعد ثمانية أيام من إقرارها) تحت ضغط الشارع الذي اعتبر أنه على الرغم من تضمينها إصلاحات طالب بها الثوار، لا ثقة بإمكان قيام الطبقة الحاكمة في تطبيقها لأنه كان عليها اعتماد التدابير التي تقترحها، منذ ثلاث سنوات. ويقول أحد المستشارين الاقتصاديين الذين شاركوا في وضع الورقة الإصلاحية التي تبناها الحريري في حينها لـ "اندبندنت عربية" إن الأخير سعى من أجل إقرارها في مجلس الوزراء منذ الصيف الماضي، لكن المماحكات في الحكومة والتجاذبات قبل سبتمبر (أيلول)، أثناء دراسة مشروع موازنة 2020 هي التي حالت دون ذلك.

تجاهل لانعكاس أزمة المصارف والسيولة

ويضيف المستشار نفسه "بين إقرار الورقة الإصلاحية في 21 أكتوبر (تشرين الأول) والآن، حصلت تطورات مهمة جعلت من الوضع المالي شديد الدقة، يتعلق بالصعوبات التمويلية التي تعانيها المصارف اللبنانية التي ازدادت حراجة وقصوراً، ما يحتم على الحكومة الحالية وضع برنامج إصلاحي أكثر حزماً وعمقاً يأخذ في الاعتبار تراجع قدرة المصارف اللبنانية على التمويل".

ويشير إلى أن خطة الحريري قامت في الجوهر على معادلة بسيطة تقول للفرقاء الذين كانوا على طاولة مجلس الوزراء المعارضين لمبدأ خصخصة بعض القطاعات، إنه عام 2020 يتم وضع موازنة بصفر عجز وبعدم زيادة أي ضريبة على المواطنين، وذلك بعدم الاستدانة لتمويل العجز في النفقات الاستثمارية والتشغيلية، بل بخفض جزء من خدمة الدين، من طريق تنازل مصرف لبنان عن فوائد سندات الخزينة التي أصدرها لمصلحة الدولة اللبنانية، مقابل إسهام المصارف بفرض ضرائب لسنة واحدة على أرباحها للعام الحالي، يبلغ مردودها حوالى 400 مليون دولار أميركي للخزينة، على أن يتم إشراك القطاع الخاص في استثمار وإدارة مؤسسات تابعة للدولة مثل كازينو لبنان وشركة طيران الشرق الأوسط (يملكها مصرف لبنان)، إذ يكون هناك مردود آخر للخزينة يعوض عن الاستدانة. وقضت المعادلة في حينها أيضاً بأن يتم تفويض رئيس الحكومة ووزيرة الطاقة في حينها ندى بستاني بالتفاوض المباشر مع الشركات التي قدمت عروضاً لبناء معامل إنتاج الكهرباء الثلاثة التي عرضت وزارة الطاقة تلزيمها من أجل اختصار المهل الروتينية كي يتم التلزيم وإنجاز العقود قبل 28-2-20 أي آخر الشهر الجاري.

وبناء المعامل كان سيتيح اعتماد صيغة خفض العجز عام 2021 من انتفاء الحاجة لتمويل شركة كهرباء لبنان، لأن المعمل الأول في منطقة دير عمار الشمالية يكون قد أنجز، ومن خطوات الخصخصة التي يكون جرى إدخال القطاع الخاص إليها في العام الحالي أو من المبالغ التي سيدفعها القطاع الخاص للخزينة مقابل اشتراكه في ملكية أو تملك مؤسسات يجري عرضها للبيع.

ورقة إصلاحات الحريري لم تعد كافية

ويوضح المستشار الاقتصادي نفسه أنه مرت ثلاثة أشهر على الورقة الإصلاحية لحكومة الحريري التي تضمنت جدولاً زمنياً بتواريخ محددة لعدد من الخطوات سواء التي تخفض العجز، أو تلك التي تحقق واردات للخزينة، وباتت هذه التواريخ المحددة من التاريخ بسبب استقالة الحكومة والتأخر في تأليف الحكومة الجديدة بفعل التجاذبات السياسية ومواصلة المحاصصة والتزاحم على المواقع داخل السلطة، وبات بعض الإجراءات المقررة هالكاً مع الزمن، فضلاً عن أن تمادي الأزمة السياسية، وفي الشارع وعلى الصعيدين الاقتصادي والمالي، كلها عوامل أدت إلى شلل ينتظر أن يخفض واردات الدولة من الرسوم والضرائب، بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المئة.

ومع أن البيان الوزاري للحكومة الجديدة يوزع الخطوات التي تنوي اتخاذها على مراحل ثلاث، خلال المئة الأولى من نيلها ثقة البرلمان، وخلال سنة، وبين سنة وثلاث سنوات، يلاحظ وزير سابق في حكومة الحريري أن بيان الحكومة كان يجب أن يتضمن برنامج عمل لمدة ثلاث سنوات مع تصور لما يمكن تضمينه الموازنة للعامين الحالي والمقبل، مع التدابير التي باتت حتمية من أجل خفض العجز فيها إثر انخفاض الواردات، وأزمة المصارف السيولة التي لم تكن تفاقمت إلى هذا الحد حين وضعت حكومة الحريري مشروعها.

"أدوات مؤلمة" ومصارحة اللبنانيين

ويضيف المستشار الاقتصادي على ذلك قوله "باتت هناك حاجة ملحة لإجراءات إضافية تخفض كلفة القطاع العام هذه السنة لرفع واردات الخزينة تعويضاً عن انخفاض مردود الرسوم نتيجة الجمود الاقتصادي، بدءاً من خفض كلفة تقديمات وتعويضات الموظفين، أسوة بما يحصل في القطاع الخاص".

ومع أن بيان الحكومة أشار إلى "أدوات علاج مؤلمة"، فإن المقصود بها هذا النوع من الإجراءات الموجعة، والتي يضاف إليها رفع الضريبة على القيمة المضافة ووضع رسم على صفيحة البنزين، وغيرها التي لم تتم مصارحة اللبنانيين بها. وهو ما عبر عنه مقرر لجنة المال والموازنة النيابية، النائب نقولا نحاس الذي رأى أنه "كان يجب تحديد الإصلاحات البنيوية الأساسية التي تعطي الثقة بدلاً من طرح مجرد عناوين، وكان يجب اختيار شركات خاصة متخصصة تضع خطة لهذه الإصلاحات".

بين تحديد مهل مطاطة والتزام تواريخ محددة

ويعدد الذين دققوا بمسودة البيان الوزاري جملة من الملاحظات منها، أن المهل التي وضعها لتنفيذ الخطوات المطلوبة في عدد من القطاعات مطاطة (ثلاث سنوات) باستثناء المرحلة الأولى أي الـ 100 يوم الأولى، بينما كانت الورقة الإصلاحية لحكومة الحريري حددت تواريخ حد أقصى معظمها راوح بين نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وبين آخر عام 2019 ومطلع عام 2020، وحالت استقالتها دون الوفاء بها طبعاً. لكن المطلوب من الحكومة الجديدة أن تحدد تواريخ واضحة لما تنوي إنجازه.

أسئلة حول تأجيل الهيئة الناظمة للكهرباء

-أن حكومة الرئيس حسان دياب التزمت تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء خلال مهلة الـ 100 يوم الأولى (إضافة إلى الاتصالات والطيران المدني والبورصة)، والتي هي مطلب الدول والهيئات الدولية المانحة منذ مؤتمر "سيدر" في أبريل (نيسان) 2018، لإدراكها أن أسئلة كثيرة تحوم حول التلزيمات والسياسات التي اعتمدت في هذا القطاع، في وقت أشبع الموضوع سجالاً بين رفض وزراء "التيار الوطني الحر" الذين تعاقبوا على وزارة الطاقة، وبين الفرقاء الآخرين الذين أصروا على قيام الهيئة الناظمة لضمان إدارة الوزارة بشفافية ومهنية.

وتساءل من راجعوا مسودة البيان الحكومي عما إذا كانت العودة إلى ربط تعيين الهيئة الناظمة في الكهرباء بتعديل قانون هذا القطاع، تهدف إلى تأخير هذا التعيين مجدداً، في وقت لا شيء يمنع من اتخاذ قرار تعيين الهيئة ثم تعديل القانون لإعطاء إشارة إيجابية إلى المجتمع الدولي بأن السلطات اللبنانية تلتزم الشفافية في عقود تلزيم بناء معامل الكهرباء. فوجود المستشار السابق لوزراء "التيار الحر"، ريمون غجر على رأس وزارة الطاقة في حكومة دياب هل سيقود إلى اعتماد سياسة أسلافه التي فجرت خلافات بين "التيار" وفرقاء كثر في الحكومة السابقة؟

وقالت مصادر مطلعة على مداولات اللجنة الوزارية التي صاغت البيان إن الصياغة الأولية المتعلقة بالكهرباء التي تعتبر مصدراً رئيساً للهدر، كادت تتناول مسألة الهيئة الناظمة بما يشبه التجاهل، لولا تدخلات أدت إلى التزام تشكيلها في الـ 100 يوم الأولى، مع تعيين مجلس إدارة جديد.

-يعتبر وزراء سابقون أن خطوات خفض كلفة القطاع العام من طريق إلغاء عدد من المؤسسات العامة المكلفة للخزينة قياساً إلى مردودها جاءت مترددة لأن مسودة البيان الحكومي اكتفت بالإشارة إلى "دمج أو إلغاء" هذه المؤسسات، بينما كانت ورقة الحكومة السابقة الإصلاحية حسمت مثلاً، أمر إلغاء وزارة الإعلام، وحددت موعداً لتحضير النصوص القانونية المطلوبة لعرضها على مجلس الوزراء في موعد أقصاه 30-11-2019، على أن تدرس عملية إلغاء أربع مؤسسات أخرى، والتمهيد لاتخاذ قرار بإشراك القطاع الخاص في 10 مؤسسات أخرى، مع ما يعنيه ذلك من وفر في إنفاق الخزينة.

-تجنب البيان الوزاري التطرق إلى فكرة إنشاء وزارة للتخطيط كان سبق لـ "حزب الله" أن روج لها، مقابل إلغاء مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب وصندوق المهجرين، واستبدلها بالنص على إنشاء المجلس الأعلى للتخطيط، نظراً إلى حرص "حزب الله" وحركة "امل" على الإبقاء على مجلس الجنوب.

المزيد من العالم العربي