حالات الانتحار بين الشباب والمراهقين في المغرب تتزايد... وهذه الأسباب

يشهد المغرب في السنوات الأخيرة ارتفاعاً في حالات انتحار الشباب والمراهقين وسط محاولة المتخصّصين البحث عن الأسباب وإيجاد حلول على الرغم من ندرة الإحصاءات الرسمية

لقطة من فيديو لجمعية "ابتسامة رضا" ضمن حملتها للتخفيف من ظاهرة الانتحار (عن موقع ابتسامة رضا)

"عانيت الصراع المرير بين والديّ يومياً، حتى أن والدتي تركت البيت وطلبت الطلاق هرباً من التعنيف الجسدي والنفسي الذي كان والدي يتلذذ به، ووجدت نفسي مكان أمي، ضحيةً للمعاملة السيئة نفسها. وزاد سلوك والدي سوءاً بعد طلاقه من أمي،

فصارت كل الأمور المباحة ممنوعة. وأصبح يبرحني ضرباً على أتفه الأشياء. كنت أعاني بصمت، وأصبحت الدنيا تبدو لي سوداء مكفهرة". بهذه النبرة الحزينة وبهاتين العينين الدامعتين، تسرد فاطمة (15 سنة) في لقاء مع "اندبندنت عربية" معاناتها التي دفعتها إلى محاولة الانتحار.

هي واحدة من بين آلاف الشباب الذين اختاروا "الخلاص الأسود" من تجارب تعيسة، تزداد بسببها وتيرة الانتحار بين الشباب والقاصرين في المغرب في السنوات الأخيرة. وسجّلت منظمة الصحة العالمية في إحصاء أكثر من 1600 حالة انتحار خلال العام 2012 في المغرب، في حين ترجّح إحصاءات غير رسمية ارتفاع تلك النسبة حالياً، ما يجعل المغرب من بين البلدان الأعلى نسبةً للانتحار في العالم العربي.

الأسباب النفسية والاجتماعية والإلكترونية

وتقول مريم البوزيدي العراقي التي ترأس جمعية "ابتسامة رضا" للوقاية من الانتحار، والتي فقدت أحد أبنائها جراء انتحاره "إن هناك مجموعة أسباب تتراكم في وقت قصير نسبياً، وتدفع الشباب إلى الاعتقاد بأن الانتحار هو الحل الوحيد لإنهاء معاناتهم، من بينها، الإعاقات الجسدية، والاضطرابات النفسية والسلوكية، والظروف الأسرية الصعبة، والعنف الجسدي أو النفسي الذي يحدث في المدرسة و/ أو في الأسرة، وكذلك التعرض للاعتداءات الجنسية". وبينما تتباين دوافع الانتحار بين ما

هو شخصي وما هو مجتمعي، تضيف العراقي أسباباً أخرى منها "الرغبة في إيذاء النفس، والتعرض للتحرش عبر المواقع الإلكترونية، والابتزاز وضغوط الدراسة و/ أو الفشل في التحصيل العلمي، والهوية الجنسانية، والإدمان، والتهميش من قبل الأصدقاء، وإنهاء علاقة عاطفية".

لكن اختصاصيين آخرين في علم الاجتماع يتمسكون بوجود تقاطعات بين تأثيرات البيئة الاجتماعية والتركيبة النفسية لدى بعض الأفراد قبل أن تكفهرّ رؤيتهم لأنفسهم، فينزوون بعيداً عن أصدقائهم وذويهم بحثاً عن "الخلاص المأساوي". وصرّح الدكتور عبد الكريم بلحاج أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة محمد الخامس، إلى "اندبندنت عربية" "ليست هناك أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة بل الأمر يتعلق بتقاطع بين ما هو ذاتي، قد يتمثل في معاناة نفسية تتراوح بين الاكتئاب والسكيزوفرينيا (الفصام) أو اليأس وفقدان الأمل، كفقدان الرغبة في الحياة في ظل ظروف مجتمعية غير مُرضية، وما هو علائقي مرتبط بالتفاعلات العاطفية، ثم هناك حالات التعاطي لبعض أنواع المخدرات المهلوسة أو الخمر". وفي وقت لا يعرف المغرب ضوابط محددة لمراقبة تصفّح القاصرين المواقع الإلكترونية، تسببت لعبة "الحوت الأزرق" في انتحار أطفال في مدن عدة خلال العام الماضي.

أسباب بنيوية

يعيش المغرب نوعاً من الاحتقان الاجتماعي بسبب تدهور النظامَين التعليمي والصحي، وانسداد آفاق العمل تحديداً لدى حمَلة الشهادات، إذ تناهز نسبة البطالة بينهم الـ 20 في المئة وفق آخر إحصاء للمندوبية السامية المغربية للتخطيط للعام 2018. ويدفع تداخل هذه العوامل مجتمعةً بعدد كبير من خريجي الجامعات إلى الاحتجاج في شكل مستمر أمام مبنى البرلمان مطالبين بحقهم في الحصول على وظيفة وبالعيش الكريم. لكن تلك التظاهرات تؤول في بعض الأحيان إلى نهايات مأساوية إما بالتعرض إلى عنف السلطة أو السجن الاحتياطي وحتى محاولة جذب الانتباه إلى قضيتهم عبر الإقدام على الانتحار.

ويرى سعيد بنيس أستاذ علم الاجتماع في جامعة محمد الخامس إن "عدم الاستجابة لمطلب العمل يؤدي إلى شعور بالظلم لدى الشباب، ويصبح الأمر بالنسبة إليهم مسألة حياة أو موت، ما يؤدي بهم إلى انتهاج أشكال احتجاجية يائسة من قبيل، الانتحار والإضراب عن الطعام أو إضرام النار في أجسادهم".

تنكّر المجتمع

يبقى الانتحار معضلةً مبهمة في المجتمع المغربي، بل يعدّ معضلة سلبية أو عاراً اجتماعياً بالنسبة إلى أسرة الشخص الذي قرّر الانتحار. ويشرح الدكتور بلحاج "نعيش في مجتمع يرفض ويتنكر للانتحار بفعل عوامل دينية، كما أن الدولة تمتنع

عن الإفصاح عنه لاعتباره مسألة أمنية أساساً. وحتى نحن سواء كباحثين أو من ذوي الاختصاص في السلوك والصحة النفسية، لا تتوافر لدينا معطيات ولسنا مخوّلين بالوصول إلى الحالات التي وصلت إلى الانتحار بالفعل، أو تلك التي أقدمت على المحاولة فقط. اللهمّ ما تقدمه وسائل الإعلام، الشيء الذي يجعل مقارباتنا تفتقر إلى رؤية واضحة حول هذه الظاهرة".

وتضاف النظرة السيئة للمجتمع تجاه مَن حاول الانتحار، وإلى أسرة مَن انتحر فعلاً إلى معاناتهم الأصلية، فمن المنظور الديني والاجتماعي السائد في المغرب، يوصف الشخص الذي أقدم على الانتحار بخرق إحدى ركائز العقيدة الدينية وهي الحفاظ على الحياة، بينما توصم الأسرة بسمعة سلبية في محيطها الاجتماعي وقد تُتهم بأنها غير سوية كونها لم تتمكن من صون حياة أحد أفرادها.

وتقول فاطمة "أصبحت أصرّ بشدة على إخفاء الجروح الغائرة في شرايين يديّ تفادياً لتلك النظرة الدونية المحتمَلة للمجتمع وتفسيراته المؤلمة، لأنه غالباً ما يحكم على ظاهر الأمور من دون البحث في الأسباب بعمق. كما قرّرت عدم سرد حكايتي للآخرين مخافة التأثير السيء لرد فعلهم وبالتالي احتمال العودة إلى ذلك الجانب المظلم من الحياة".

صرخة مكتومة

يكتم الشباب الذين تساورهم أفكار الانتحار معاناتهم ويعيشونها بصمت. وتضيف فاطمة أنها لم تكن قادرة على التحدّث إلى أحد من أفراد أسرتها مخافة استفحال الخلاف، ولا على البوح لأصدقائها خوفاً من تلك النظرة السيئة التي توصم بها الأسرة التي انفصل فيها الوالدان.

وترصد الخبيرة الاجتماعية مريم البوزيدي، من خلال استماعها إلى شباب تراودهم أفكار سوداوية، مدى المعاناة الصامتة التي يعشونها قائلةً "هم يطلبون أن ننصت إليهم، وأن نحسّ بما يعيشون في داخلهم، وبمدى آلامهم، وتيههم، وارتباكهم. هم يشعرون أنهم يعيشون في ظلام دامس، ولا أمل يلوح في الأفق، يحسون بأنهم في مأزق وما من أحد يستطيع مساعدتهم. إن إيجاد مَن يحسن الإنصات إليهم، يُعتبر من أولى خطوات الشفاء، لأن هذه الخطوة تمكنهم من استعادة الثقة بأنفسهم".

آفاق الحل

يقترح المتخصصون في مجالَي علم النفس وعلم الاجتماع مجموعة حلول للتخفيف من ظاهرة انتحار الشباب في المغرب، بعضها يقع ضمن اختصاص السلطات الحكومية، وبعضها الآخر يخصّ المجتمع المدني، إذ تقول الدكتورة في علم النفس السريري مونية حمراوي "على الدولة خلق جوّ نفسيّ جيدٍ للمواطن، وجعل المدرسة مكاناً آمناً يضمن احترام الطفل من قبل زملائه ومدرّسيه، ويضمن له حق اكتساب

نتائج دراسية مُرضية. وجعل الصروح التعليمية فضاءً لتعزيز وتشجيع الثقة بالنفس لدى الشباب، كما يجب توفير خدمات للرعاية النفسية فيها، إضافة إلى العمل على فرض احترام الآخر وتعزيز ثقافة تسوية النزاعات".

وأكدت البوزيدي أنه "يجب على السلطات أن تأخذ في الاعتبار أن الانتحار قضية صحة عامة، وأن العمل في شكل فعّال للحد من تلك الآفة، يوجب إرساء منهجية وطنية وتعاون جميع الفاعلين في المجتمع". وشدّدت على أن كل شاب يمرّ بمرحلة كآبة أو اضطراب نفسي أو إدمان أو يتعرض لمعاملة سيئة، يجب أن يجد محيطاً علاجياً عقلياً ونفسياً في المتناول وبصفة مستعجلة. كما أشادت بالدور الكبير للحملات التي تهدف إلى التوعية والتي تُعدّ أول حافز لخروج الشاب من عزلته.

من ناحية أخرى، يرجّح بعض الاختصاصيين استمرار ارتفاع وتيرة انتحار الشباب المغاربة في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن معاناة شرائح واسعة من الشعب من أشكال مختلفة من أمراض عقلية ونفسية تشمل اضطرابات القلق، واضطرابات ذهنية، وذلك وفق دراسة لوزارة الصحة المغربية صدرت أواخر العام الماضي.