الروائي لوران غونيل يتعلم كيف يعيش ايجابيا في عالم سلبي

ترجمة عربية لرواية فرنسية تفتح افقا غير مألوف سرديا

الروائي الفرنسي لوران غونيل (دار النشر)

 "يومَ تعلّمْتُ أن أعيش" هي الرواية السابعة للكاتب الفرنسي لوران غونيل (نوفل / هاشيت أنطوان). وهي، كما يبدو من العنوان، تتعلّق بكيفية العيش، وإمكانية تحويل هذه الكيفية إلى مادّة للتعلّم. ويأتي المتن ليشكّل ترجمة للعنوان، من خلال الأحداث الروائية المختلفة، والتحوّلات التي تطرأ عليها، والمآلات التي تؤول إليها الشخصيات الروائية.

 في الحكاية، يُشكّل التنبؤ الكاذب التي تطلقه العرّافة الشابّة ليزا، ذات يوم، على رصيف الميناء في خليج سان فرنسيسكو، نقطة تحوّل أولى في حياة جوناثان، الشخصية المحورية في الرواية التي تتمحور حولها الأحداث، سواءٌ من موقع الفعل أو ردّة الفعل؛ فجوناثان المستقيم، النزيه الذي كان يعيش حياة عادية، تتخلّلها لقاءات يومية مع شريكيه في شركة التأمين؛ مايكل الذي يمتلك قدرات إقناع كبيرة، ويفصل بين السوق والأخلاق، ويقدّم المصلحة الخاصّة على ما عداها، وآنجيلا، زوجته السابقة التي انفصلت عنه بمكيدة مدبّرة، ويشغله الانفصال وكيفية ترميم العلاقة بينهما، يأتي التنبوء الذي يتوقّع له الموت ليشكّل مصدر قلق له، وليطيح حالة الاستقرار النسبي التي يعيش، فيترجّح بين التصديق والخوف من الموت، وعدم التصديق انطلاقًا من عدم اعتراف العلم بالغيب، غير أنّ تأكيد التنبؤ من قبل عرّافة أخرى، هي شقيقة الأولى، يجعله أقرب إلى التصديق، فيروح يُغرق نفسه في: العمل، واستخدام الهاتف، وكتابة الرسائل، وممارسة العادات اليومية، والاهتمام بابنته كلويه ذات السبع سنوات، في مواجهة التنبؤ وتداعياته. ثمّ يُهرع إلى عمّته مارجي، العاملة في حقول الآثار ودراسة الجماجم والبيولوجيا، ذات الثقافة الواسعة والخبرة العميقة في الحياة، فتشكّل زيارته لها، وما أعقبها من لقاءات، وتخلّلها من حوارات في شؤون الحياة والموت، نقطة تحوّل ثانية، هي الأكبر في حياة جوناثان، لا سيّما حين تنصحه العمّة بالبحث عن البذرة الإلهية في داخله وليس في الأغراض الخارجية.

ثقافة إنسانية

وتتمخّض الحوارات عن ثقافة إنسانويّة متنوّعة الحقول، وتتمظهر  تحوّلات هذه النقطة الثانية في: إصغائه إلى ذاته، السير في الطبيعة والتناغم معها، الانفتاح على الآخرين، وممارسة التفكير الإيجابي وتطبيقه. وتتمّ ترجمة هذه التمظهرات في مجموعة من السلوكيات العملية التي يحرص جوناثان على أن يبقى فيها مجهولًا، من قبيل: الاهتمام بحديقة الجار، شراء المعجّنات التي يَصنعها، تقديم القهوة لبعض البائسين، تقديم الزهور لبعض المسافرين، التغزّل بالنساء، إرسال الرسائل الإيجابية، الإشادة بالآخرين والثناء عليهم، الامتناع عن أكل اللحم إنقاذاً لغابة الأمازون، إجراء المقابلات التلفزيونية، وسواها من السلوكيات الإيجابية، ما يُحدث تغييراً جذريّاً في مصير الشخصية والشخصيات الأخرى المرتبطة بها، بشكلٍ أو بآخر.

 مع تقدّم الأحداث، يكتشف جوناثان نفسه شيئاً فشيئاً، ينخرط في التفكير والسلوك الإيجابيين، يعيش سلامه الداخلي، يتناغم مع الآخرين، حتى إذا ما علم أنّ عمّته كانت وراء التنبؤ الكاذب بهدف دفعه إلى هذه الآليات يُظهر تفهّمه لها، ويتجاوز أيّ نوع من ردود الفعل. ويتمّ تتويج هذه التحوّلات بعودة المياه إلى مجاريها بينه وبين أنجيلا، ويلتئم شمل أسرته من جديد في حياة طبيعية هانئة.

 لعلّ الدرس المزدوج الأهم الذي تقوله الحكاية هو أنّ إيجابية الآخر هي انعكاس لإيجابيّتنا، والنضال ضد الآخر إنّما هو نضال ضدّ الذات. ولكي ندرك أهمية هذا الدرس، لا بدّ من إلقاء نظرة خاطفة على الشخصيات الأخرى والتحوّلات التي طرأت عليها.

 يتّخذ مايكل، الشريك الثاني في شركة التأمين، مساراً سلبيّاً يودي به إلى مصير سلبي، خلافاً لجوناثان. وتتمظهر هذه السلبية في: استخدام مهاراته في الإقناع للتغرير بالزبائن، الفصل بين السوق وأخلاقيات العمل، التواطؤ مع رجل غريب بهدف الاستحواذ على الشركة، استخدام بنت الهوى سامنتا للتفريق بين شريكيه الزوجين، حتى إذا ما أوشك على تحقيق أهدافه يتمّ اكتشافه صدفةً من قبل الزوجة أنجيلا، وتتمّ معاقبته بوضع عرّافة في طريقه تتنبّأ له بموته، فيتردّى في مهاوي اليأس والقلق. وهنا، ينحو التحوّل منحًى سلبيًّا متّخذًا شكل العقوبة على ما اقترفته الشخصية بحقّ الآخرين.

يشكّل ريان نموذجاً آخر للشخصية السلبية الطفيلية التي تعتاش على أفعال الآخرين؛ فهذا المهندس، صاحب البدايات المهنية المتعثّرة، يُطرَد من العمل بسبب ضعفه في التواصل، فيتهم الذين طردوه بالحمق، ويروح يتربّص بالحمقى من وجهة نظره للسخرية منهم، تعويضاً منه عن عقدة نقصه إزاءهم. لذلك، يقوم، من شقّته الكائنة في الطابق الثاني من مبنى يطلّ على ما حوله في حي "ميشين ديستركت"، بالتلصّص على الناس، وتصويرهم عن بعد بتقنيات حديثة، ونشر الفيديوات على مدوّنته الالكترونية التي تحظى بالمتابعة والإعجاب، ويكون من ضحاياه غاري صاحب الفرن وجوناثان نفسه، فيسخر من أعمالهما الإيجابية، ويجاريه في ذلك آلاف المتابعين. وإذْ يتمّ اكتشاف فعلته، بالصدفة أيضاً، من قبل أنجيلا، تنجح الأخيرة باسم مستعار في التأثير في متابعيه وتغيير آرائهم والتشكيك في صدقية ريان، ما يجعلهم ينفضّون عن مدوّنته، ويهاجمونه، ويدفعه خوفه من افتضاح أمره والمحاسبة إلى إقفال مدوّنته، والتردّي في حالٍ من الضجر والسأم، ويدفع ثمن ما اقترفت يداه. وهنا، يتّخذ التحوّل أيضًا شكلاً عقابيّاً.   

شخصيات ووقائع

أمّا التحوّلات الإيجابية في الرواية فتعيشها شخصيات أخرى، بالإضافة إلى جوناثان الشخصية المحورية، وتتمظهر في جملة من الوقائع التي تختلف من شخصية إلى أخرى. فـأنجيلا التي تعيش أزمة صامتة مع زوجها، وترفض العودة إليه بعد اكتشاف خيانته لها، تكتشف مع اطلاعها على الشرائط التي تستهدفه أنّها ما تزال تحبّه، فتنخرط في الدفاع عنه باسم مستعار، وتنجح في تحويل الساخرين منه إلى متعاطفين معه ومعجبين به، وفي تعرية صاحب المدوّنة وتأليبهم عليه ما يؤدي إلى إقفال مدوّنته، والإقلاع عن ارتكاباته، وعزلته. وحين تكتشف من الشرائط نفسها أنّها وجوناثان كانا ضحيّة مكيدة دبّرها شريكهما مايكل بهدف التفريق بينهما والاستيلاء على الشركة، تعود إلى زوجها وأسرتها، ويتدبّران العقوبة المناسبة للكائد. وهكذا، يتّخذ التحوّل منحى إيجابيّاً يتمثّل في لمِّ الشمل ومعاقبة المفرّق. وتتمظهر الإيجابية أيضاً في التحوّلات التي تطرأ على غاري، صاحب المخبز، الذي يتحول من شخصية انطوائية، مُعرِضة عن التواصل مع الزبائن، سلبية في التعاطي مع أولادها إلى شخصية إيجابية، تستخدم المواد الأولية الصحية في العمل، تحنو على الأولاد، وتتواصل مع الآخرين. وهو تحوّل يعود الفضل فيه إلى تدخّل جوناثان المباشر الذي استطاع بآلياته أن يزيل رواسب تعود لمرحلة الطفولة عن هذه الشخصية، وأن يعيدها إلى طبيعتها الإيجابية. غير أن الأخير استطاع أيضًا بتدخّل غير مباشر أن يُحدث تحوّلاً جذريّاً في شخصية أوستن فيشر بطل كرة السلّة الذي اعتاد الفوز في جميع مبارياته، انطلاقًا من فلسفته التي تقوم على المنافسة والفوز وتغليب المصلحة على المبدأ، ما أحدثَ شرخًا بينه وبين الجمهور، حتى إذا ما شاهد مقابلة تلفزيونية لجوناثان، يكون لها فعل الزلزال في شخصيته، وحين يعلن الحكم فوزه في المباراة الأخيرة التي تتوّجه ببطولة اللعبة ويرى هو أن الحكم أخطأ في تحكيمه، يطلب إليه تمديد المباراة ما يؤدي إلى فوز خصمه، فيشعر بسعادة غامرة لانحيازه إلى الحق على حساب المصلحة، ويحظى بتقدير الجمهور واحترامه.

على أنّ التحوّلات الإيجابية التي شكّل جوناثان موضوعها، من جهة، ومحرّكاً لها، من جهة ثانية، ما كان لها أن تحصل لولا التأثير الكبير الذي لعبته العمّة مارجي في حياته، فكانت كمن يلقي حجرًا في مياه ساكنة، فيحدث فيها الكثير من الدوائر. هذه الشخصية الخبيرة في شؤون الحياة، ذات الثقافة الإنسانوية المتنوّعة والعميقة، استطاعت بالحوار والسلوك أن تُحدث تغييرًا جذريًّا في شخصية جوناثان الذي استطاع بدوره أن يُغيّر الآخرين. بكلمة أخرى، استطاع جوناثان أن يعيدهم إلى طبائعهم الخيّرة. وهكذا، تشكّل الرواية، بشخصياتها وأحداثها وحواراتها، درساً في التفكير الإيجابي، والمقاربة الصحية للحياة. غير أنّه، على نبل الغاية التي سعت العمّة إلى تحقيقها، فإنّ الوسيلة المستخدمة غير نبيلة، على الإطلاق. فكيف يستقيم أن نخبر أحدهم بقرب موته كي نحدث فيه تغييراً إيجابيّاً؟ ولا يقلّل من صحّة هذا الاستنتاج تبرير العمّة فعلتها بأنّها تعرف عقلية الشخص الذي أخضعته لاختبارها.

 في الخطاب الروائي، وضع غونيل روايته في اثنتين وأربعين وحدة سردية، يتراوح طول الواحدة منها بين صفحتين وثلث الصفحة، في الحدّ الأدنى، كما في الوحدتين الثامنة والرابعة عشرة، وعشرين صفحة، في الحدّ الأقصى، كما في الوحدة العشرين. وقد تقتصر الوحدة على مشهد روائي واحد، وقد تتعدّد فيها المشاهد الروائية، كما في الوحدة السابعة عشرة. أمّا العلاقة بين الوحدات المتعاقبة فتتراوح بين الاستقلال النسبي للوحدة، وبين انفتاحها على غيرها، في إطار من التشويق والتحفيز على متابعة القراءة. وغالباً ما يتجاور السرد والحوار في الوحدة السردية، بنسب متفاوتة، في إطار من التكامل بين النمطين السردي والحواري.

النمط السردي في الرواية سلس، طلي، تكسر نمطيّته أنماط أخرى، من قبيل: المقابلة التلفزيونية أو الإذاعية، الرسالة الالكترونية، الحلم، الاختبار النفسي، وغيرها. وهو كسرٌ ينعش النص، ويضفي عليه شيئًا من التنوّع. أمّا النمط الحواري فتتعدّد مستوياته بتعدّد مكان الحوار وأطرافه. لذلك، يأتي الحوار في المقهى بين الشركاء الثلاثة عابراً، يهدف إلى تزجية الوقت، ويتّسم بنوع من التكافؤ بين المتحاورين. بينما يتّسم الحوار بين العمّة مارجي وجوناثان في الغابة والبيت بالعمق، ويفتقر إلى التكافؤ بين طرفيه، بحيث ترجح فيه كفّة العمّة على كفّة ابن أخيها. وفي النمطين ثمّة لغة سلسة، طلية، بدورها، ويعود الفضل في ذلك إلى المترجمة الدكتورة ناتالي الخوري التي قامت بتعريب الرواية عن الفرنسية، فبدت عربية أكثر منها معرّبة.

"يومَ تعلَّمْتُ أن أعيش" بأفكارها الإيجابية، وتحوّلاتها الجذرية، وأحداثها الطريفة، هي رواية في الاتجاه المعاكس للمنتج الروائي الراهن الذي يعكس الواقع المتردّي، ويزخر بالأفكار السلبية.

المزيد من ثقافة