Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زواج الشباب اللبناني... أقرب إلى الحلم من الواقع

ألقت الأزمة الاقتصادية بثقلها على اللبنانيين وبدّلت مخطّطاتهم فألغوا حفلات الزفاف بانتظار الفرج

ألغى كثر من الشباب اللبناني حفلات زفافهم بسبب سوء الأوضاع الإقتصادية (بي إكس هير)

لطالما تميّزت حفلات الزفاف في لبنان بالفخامة والأجواء الأنيقة اللافتة، فكانت محطّ أنظار مقارنةً مع حفلات الزفاف البسيطة في الخارج، حتى إن اللبنانيين اتُهموا في كثيرٍ من الأحيان بالبذخ المبالغ فيه في حفلات الزفاف.

اليوم، يبدو واضحاً أن الصورة تبدّلت في ظل الأزمة الحاصلة، فبعدما شعر اللبناني بأعباء الأزمات التي يواجهها من كل صوبٍ، لم يعد قادراً على الحفاظ على المستوى نفسه من نمط العيش، وهذه الحاجة إلى التغيير لا تطال حفلات الزفاف التي بدأت تتحوّل باتجاه البساطة التي لم نعتد عليها في لبنان فحسب، بل إن كثراً من الشباب يواجهون تحدّيات جديدة تدعوهم إلى تأجيل خطوة الزواج بشكل عام أو حتى إلغائها أحياناً.

أوّل التحديات ظهر مع أزمة قروض الإسكان التي برزت عائقاً أمام الشباب لتدفعهم إلى إعادة التفكير في الزواج وتأسيس عائلة، فكيف لشابٍ في بداية الطريق أن يفكّر بتأسيس عائلة عندما يجد نفسه عاجزاً عن تأمين المبلغ اللازم لشراء منزل؟ خصوصاً في ظلّ مشاكل أخرى بارزة اليوم، ولا بدّ من أخذها بالاعتبار، من بطالةٍ وخفض الأجور وغلاء المعيشة.

أزمتا الإسكان والمصارف

تحدّيات كثيرة تجعل فكرة الزواج أشبه بالحلم للشباب اللبناني، وقد أتت الأزمة الاقتصادية وأزمة المصارف لتزيدا الطين بلّة. فكما تقول آية التي كانت تخطّط لزفافها كأي شابة تحلم بهذا اليوم وبارتداء الفستان الأبيض، "أردنا أن نفرح ونتزوج فإذا بهم يحرموننا حتى من لحظات السعادة هذه. فأصبح الزواج بمثابة الحلم".

وإذا كانت أزمة الإسكان شكّلت عائقاً أمام الشباب الراغب في الزواج، أتت أزمة المصارف لتقضي على آمال من لم تتمكّن الأوضاع المتردية في البلاد من منعه عن رسم مستقبل أفضل له إلى جانب من يحب.

كان من المفترض أن تقيم آية وخطيبها الذي يعمل بالسعودية زفافهما الصيف المقبل، لكن الأمر بات مستبعداً حسب قولها، كانا يبحثان عن منزل الزوجية الذي سيجمعهما بعد أشهر على الرغم من وقف قروض الإسكان، آملين بأن لا تطول الأزمة، وبأن يؤمّن لها حل، تقول آية "لكن مع مرور الوقت تبيّن لنا أن الوضع ازداد سوءاً مع ظهور الأزمة الكبرى في المصارف".

وتضيف، "لم يعد خطيبي قادراً على سحب أمواله المجمّدة في البنك. فالمال متوفّر معنا، لكنه في المصرف، ولا يسمح لنا بالتحكّم به وإنفاقه كما نريد. باءت كل محاولاتنا بالفشل، ودخلنا في نفق مسدود".

وكأنّ المصائب اجتمعت كلّها لتقضي على أحلام الشباب بالزواج والبقاء في الوطن. فتلك اللحظة التي تنتظرها الفتاة بفارغ الصبر لإقامة حفل زفاف كبير أصبحت صعبة التحقيق. بيأس تقول آية، "يبدو وكأن القدر أتى بكل العراقيل ليغلق كل الأبواب في وجهها وخطيبها. فيضاف إلى أزمتي الإسكان والمصارف الارتفاع المخيف في الأسعار، ما يقضي نهائياً على احتمال إقامة حفل زفاف في مثل هذه الظروف، الفكرة لم تعد واردة لها على الرغم من أنها لطالما حلمت بهذه اللحظة المنتظرة".

وتستكمل، "نتمنى أن نتمكّن من إقامة حفل في بلدنا بين أهلنا وأصدقائنا. فكرة الزواج في هذا العام لم تعد واردة بالنسبة لنا بسبب الأوضاع، فاضطررنا إلى التأجيل. لكن لا يزال لدينا بصيص من الأمل لنقيم الحفل في العام المقبل بلبنان، وإلا فسنضطر حكماً إلى إقامته في بلدٍ آخر حيث سيكون من دون شك أقل تكلفة لنا. أما بالنسبة إلى المنزل الذي كنا ننوي شراءه، فلم نعد نفكر بذلك، وقد ننتقل للعيش بالسعودية بعد زواجنا، وإن كان لبضع سنوات حتى تتحسّن الأوضاع في لبنان".

قصص الشباب مع الزواج... بين الحلم والواقع

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتشابه قصة آية مع قصص كثر اضطروا إلى إلغاء حفل زفافهم أو إلى تأجيله على الأقل نظراً للظروف، كما أن كثراً، فضّلوا عدم الإفصاح عن أسمائهم لإحساسهم بالخجل مما آلت إليه ظروفهم، سيكتفون بإقامة مراسيم الزواج من دون احتفال بسبب الأوضاع الصعبة التي لا تسمح بأكثر من ذلك.

يُحكم على اللبناني اليوم الذي لطالما اعتاد إقامة حفلات زفاف ضخمة، أياً كانت ظروفه المادية ولو اضطر إلى الاستدانة أحياناً، بأن يتأقلم مع واقعٍ جديدٍ مهما كان مريراً مكتفياً بتأمين الأساسيات التي يحتاجها للعيش.

عن الفرح الذي أصبح بمثابة حلم يصعب تحقيقه، تقول ناتالي عن زفافها "كان من المفترض أن نتزوج في فترة عيد الميلاد التي تعارفنا خلالها قبل 5 سنوات. كان الكل يعرف موعد زفافنا، لكن برزت أولاً مشكلة الإسكان، وأجبرنا على دفع قسط من أقساط المنزل. اضطررنا إلى إلغاء حفل الزفاف الكبير الذي كنا نحضّر له منذ عام، وكنت بانتظاره منذ سنوات طويلة. اعتذرنا من المدعوين، وتزوجنا من دون إقامة حفل، بل اقتصرت مراسيم الزفاف على حضور المقربين، وتبعها حفل غداء في أحد المطاعم في جبيل، نظراً للظروف الصعبة التي نمرّ بها، التي لم نشهد لها مثيلاً سابقاً. أما رحلة شهر العسل، فاضطررنا إلى تقصير مدتها للحد من التكلفة، خصوصاً أننا لم نعد قادرين على التحكّم بأموالنا كما نريد نظراً لأزمة المصارف".

تعبّر ناتالي عن أسفها لما آلت إليه الأمور، وتعترف أنها كأي صبية تحلم بيوم زفافها الذي لم يكن أبداً كما خططت له، حتى إنها لم تتمكّن من ارتداء فستان أحلامها، بل تبدّل أيضاً لتختار آخر بسيطاً يناسب الحفل البسيط الذي أقيم. "أراد أصدقائي أن يحتفلوا معي، فأقاموا لي حفلاً لاحقاً أسعدني كثيراً، لكن لم تكتمل فرحتي بالحفل الضخم الذي حضّرت له كثيراً، وكان سيضم 450 شخصاً مع زفة في مكان رائع، وألغي في اللحظات الأخيرة. علماً أننا عندما ألغينا الحفل خسرنا أيضاً الكثير من المال الذي كنا دفعناه للحجوزات. أتفهم طبعاً الوضع اليوم، خصوصاً أنني أتقاضى حالياً نصف معاش، كما خسر زوجي وظيفته، وبالتالي لا بدّ لنا من التأقلم مع الظروف الحالية".

أمَّا نادين، فكانت تنوي وخطيبها الزواج في الصيف المقبل، لكن انقلبت حياتهما أيضاً وخططهما للمستقبل رأساً على عقب مع أزمة الإسكان، فأصبحا عاجزين عن تسديد أقساط الشقة التي اشترياها.

تقول "توقّف خطيبي عن دفع أقساط الشقة للبنك منذ الصيف بسبب ظروف عمله التي ساءت تدريجياً، فتراجعت أوضاعه المادية. لذلك حجز المصرف على الشقة. قرّرنا طبعاً تأجيل الزفاف نظراً للأوضاع، وهذا أمر طبيعي، بانتظار أن تتحسن الظروف. وها هو خطيبي اليوم يبحث عن عمل له في الخارج لنتمكّن من تأمين مستقبلنا. قد نؤجل الزفاف حتى العام المقبل، لكني لا أريد أن ألغي فكرة إقامة حفل زفاف كبير. فأنا ابنة وحيدة لوالدي ولطالما راودني حلم إقامة حفل وارتداء فستان زفاف كالأميرات، ولا أودّ أن أقضي على الحلم، ولو اضطررت إلى التأجيل أكثر بعد".  

تتشابه اليوم قصص كثيرين من الشبان والشابات الذين كانوا ينوون الإقدام على خطوة الزفاف لولا الظروف، والأسوأ أنه في مثل هذه الأوضاع تبدو الآفاق مظلمة لا يتخللها بصيص نور قد يوفّر لهم بعضاً من الأمل بانتظار مستقبل أفضل يمضيه كلّ مع من يحب، ومن اختاره ليتابع معه الطريق. 

أزمة تطال الكل ودورة أصابها الخلل

تطال الأزمة مختلف الأطراف، فلا يبدو أحدٌ بمنأى عمّا يحصل، الكل متأثرٌ بما يحدث بشكل أو بآخر، وكما تحرم الأزمة الشباب من إقامة حفل زفاف أو حتى من فكرة الزواج نفسها، كذلك ثمة أطراف أخرى تشهد على حجم الوضع الكارثي في هذا الإطار.

يؤكد شربل زغيب، صاحب منتجعين سياحيين في مدينة جبيل، تراجع الأوضاع إلى حد مخيف مقارنة بالعام الماضي. ولا يخفي أن معدّل الحجوزات للأعراس تراجع بنسبة 50 أو 60 في المئة مقارنةً بهذه الفترة من السنة الماضية. كما يشير إلى أن نسبة 10 في المئة من الحجوزات ألغيت بسبب الأوضاع، فيما جرت العادة أن يبدأ موسم الحجوزات قبل أشهر من اليوم.

يقول زغيب، "اعتدنا أن تبدأ الحجوزات في شهر أكتوبر (تشرين الأول) للصيف الذي يلي، لكن تفاقمت الأوضاع وألغيت حجوزات. وحتى اليوم لم يتحسّن الوضع، بل ثمة جمود مخيف على الرغم من أننا نقدّم عروضاً تماشياً مع الوضع، ونتعامل بسعر صرف الدولار عند 1500 ليرة لبنانية. فالأزمة طالت الغني والفقير، وما من أحد يعتبر غير معنيٍّ بما يحدث".

من جهته يشير بيار الأشقر إلى أن مجال تنظيم الحفلات والأعراس، الذي يعمل فيه، متأثر أيضاً إلى حدٍ كبيرٍ مع تراجع كثر من الشباب عن فكرة إقامة حفل زفاف. "ثمة تراجع بنسبة 70 في المئة في معدّل الحجوزات مقارنةً بالأعوام السابقة. يبدو لنا أن الأمور تحسّنت اليوم إلى حدّ ما مقارنة بالأشهر السابقة. لكن يبدو واضحاً أن من ينوي إقامة حفل زفاف يعمد إلى الحد من نفقات الحفل إلى أقصى حد بسبب الظروف المادية. لكن في كل الحالات نحن نقدّم تسهيلات ونبحث عن البدائل المتوافرة في السوق اللبنانية بدلاً من الاستيراد من الخارج. كما خفضنا الأسعار ونعتمد سعر صرف الدولار عند 1500 ليرة لبنانية للحدّ من هواجس الشباب الذين يقدمون على هذه الخطوة. نريد الحفاظ على الشركة وعلى العاملين فيها أياً كانت الظروف. كما نريد أن نبقى في البلاد مهما حدث. المسألة إنسانية ومادية في الوقت نفسه. ونأمل أن تكون هذه الظروف الصعبة مؤقتة وتتحسّن الأوضاع في العام المقبل، فيعود لبنان إلى سابق عهده كما اعتدناه بلداً يحلو فيه العيش، ويشهد الكل على أجواء الفرح والاحتفالات التي تعمّه".

في مجال تنظيم حفلات الزفاف، تؤكّد ريا هندي أيضاً كلام الأشقر، موضحةً أن هذا القطاع "تأثر إلى حد كبير، بعدما ألغيت حفلات الزفاف التي كانت مقررة للشتاء. أمّا تلك التي قد تقام في الصيف فهي محدودة، ويتم التحضير لها من دون مقابل مادي، بانتظار أن تتضح الأمور".

تقول، "لا يريد أحد أن يسدّد مبالغ مسبقاً قبل أن تتضح الصورة، ولا بدّ لنا من تقديم تسهيلات، لكن عملنا حالياً بمثابة وهم ولا شيء ملموس، إضافة إلى تراجع نسبة الحجوزات بشكل ملحوظ. كما يبدو واضحاً أن كل من يحجز يعمد إلى الحد من النفقات، ومن عدد المدعوين بهدف الحد من تكاليف الحفل. ثمة تقشف من النواحي كافة في مكان الحفل والديكور والأزهار وعدد المدعوين. فنحن نعلم جيداً أن مجالنا هو مجال رفاهية، وهو من الكماليات، ومن الطبيعي أن يتأثر بالأوضاع. يحاول الناس الحد من الإنفاق على هذه الأمور، وإن كان من أجل حفل زفاف منتظر طويلاً، ويكتفون بحفل بسيط حسب إمكاناتهم. ويزيد الوضع سوءاً لكوننا بلد غير منتج في هذا المجال، ونحن عاجزون عن الاستيراد من الخارج البضائع التي نحتاج إليها في عملنا، وثمة خسارة كبيرة علينا وعلى كل القطاعات التي ترتبط بهذا المجال، من طعام وأزهار ومطاعم وفنادق وصالونات تزيين الشعر والماكياج وغيرها من الأعمال المرتبطة كلّها بحفلات الزفاف. قلائل يدركون مدى تأثير هذه الأزمة على هذا العدد من القطاعات. على الرغم من ذلك نحاول أن نساعد بعضنا، ونقدّم البدائل المحلية قدر المستطاع، وبما يتوافر هنا".

من الواضح أن آثار الأزمة انعكست بشكل واسع على هذا الجانب. فالتحديات كثيرة، وقد يعمد البعض ممن يصرون على القيام بهذه الخطوة سريعاً إلى التحايل على الوضع كما فعل العروسان شكيب وغريس، اللذان انتشرت بطاقة دعوة زفافهما الذي يقام الأسبوع المقبل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فحوّلا المسألة إلى مزاح بعبارات اعتذار مرحة حول عدم استقبال المبالغ النقدية كهدية زفاف عن طريق المصرف بسبب الوضع وإمكان تلقيها نقداً.

قد يتأقلم البعض مع الوضع، كما قد يجد آخرون الحل في السفر أو في عدم إقامة حفل كبير بانتظار تحسّن الأوضاع، لكن تبقى مشكلة الإسكان الهاجس الأكبر للشباب الذين يقدمون على هذه الخطوة، وإن حاولوا التأقلم مع الوضع بإقامة حفل بسيط. فهل ستطول أزمة قروض الإسكان أيضاً لتشكل العائق الأساسي أمام خطوة الزواج إضافةً إلى كل المشاكل الأخرى التي يواجهها الشباب اليوم؟