Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأزهر والتراث... سجال ديني على خلفية سياسية

أستاذ فلسفة يشعل "مؤتمر التجديد"... وأحمد الطيب: مزايدة بإرث قاد أمة

الجدل يتجدد مع كل مناسبة تطرح فيها مسألة تجديد الخطاب الديني للنقاش (أ.ف.ب.)

تشاء الأقدار أن تأتي رياح التجديد بما لا يشتهيه المجددون، وبما يهفو إليه القابضون على التجميد وإبقاء الأوضاع على ما هي عليه رغم أنف الزمان وبغض النظر عن المكان. كما قررت الأقدار أن يتحول دعاة مؤتمر التجديد إلى دعاة التجميد (بحسب رأي حزب محبي التجديد)، ويصبح من كان بالأمس القريب، "بابا الأزهر" و"داعم الانقلاب الدموي" و"عدو الله والإسلام والمسلمين" إلى "حامي حمى الدين" و"المدافع عن عرين المتدينين"، وفقما لما روج أعضاء جماعة الإخوان والمنتمين إليها من هاشتاغات على موقع تويتر ونظيره من مواقع التواصل الاجتماعي. 

لم تتوقف ثورة الأقدار عند هذا الحد، بل غاصت في شؤون التراث، وكأنه قضية مصيرية لـ1.8 بليون مسلم، أو باعتباره مسألة من شأنها أن تقلب "خطة السلام" رأساً على عقب، أو باعتباره قادراً على استعادة الأندلس والذهاب لما هو أبعد من بلاد الهند والسند.

إنقاذ الدين والمتدينين

السند الذي ترتكن إليه الأصوات المصرية القليلة، والمؤثرة، لاجتماعها على مطلب واحد ألا وهو إنقاذ الدين والمتدينين من الجمود، هو أن استمرار الخطاب الديني على ما هو عليه الآن يسير بالمجتمع بخطى ثابتة نحو هاوية التخلف وهوامش التاريخ المنسية.

أما السند الذي ترتكن إليه الأصوات والكيانات المقاومة للتجديد، وهي الكثيرة والمنتشرة أفقياً، حيث القاعدة الشعبية العريضة التي تسير في ركب أي رجل دين، والمتغلغلة رأسياً، حيث عقود من خلط الدين بالسياسة ومزج إرادة الله بطاعة الحاكم وأولي الأمر، فتعتنق مبدأ أن التراث غير خاضع للمساس، وتضعه في مكانة أقرب ما تكون إلى القرآن الكريم.

وحاز كَرم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في رعاية "مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي" شكر شيخ الأزهر أحمد الطيب ومجموعة من علماء الدين المشاركين بالمؤتمر، الذي استمر يومين وأنهى جلساته مساء أمس الثلاثاء. الطيب قال، "إن كلمة الرئيس السيسي بداية المؤتمر أثرت أعماله وكانت من أهم عوامل نجاحه". وقد ألقاها نيابة عنه رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.

التجديد الديني

جدير بالذكر أيضاً أن عبارة "التجديد الديني" اجتاحت الأثير، وسيطرت على الكثير من دعاة التجديد والمستمسكين بالتجميد منذ استخدمها الرئيس السيسي أثناء احتفال مصر بالمولد النبوي الشريف في مثل هذه الأيام من عام 2015. يومها، تمحورت كلمة الرئيس حول دعوة علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء للقيام بثورة دينية تجدد الخطاب الديني ليتناغم مع روح العصر، والتخلص من النصوص والأفكار المدسوسة في الدين، التي تقف على طرف نقيض من جوهر الإسلام القائم على السماحة. وفي هذه الكلمة التاريخية - التي فجرت للمرة الأولى جدلاً علنياً ونقاشاً جهرياً حول ما وصل إليه حال تفسير الدين وما آلت إليه أوضاع المتدينين حيث قطاع عريض منهم بات مصنفاً متشدداً أو متطرفاً أو إرهابياً،  كشفت الكاميرات ما ترفض الأقلام البوح به خوفاً على مقدسات التراث ومحميات تخشى الغالبية الخوض فيها. ملامح وجه فضيلة الإمام الأكبر التي لم تظهر ابتهاجاً بالفكرة أو سعادة بالدعوة.

 

دعوة الرئيس السيسي للتجديد أو التنقيح أو التطهير ظلت تتجدد في كل مناسبة منذ عام 2015. فبعد الدعوة الأولى بأيام قليلة، قال السيسي في كلمته بمنتدى دافوس الاقتصادي، "إنه يريد تنقية الخطاب الديني من الأفكار المغلوطة التي أدت إلى تطرف وإرهاب"، موضحاً للداخل قبل الخارج، "أن المقصود هو الخطاب المتعامل مع الواقع والتطور الإنساني وليس الثوابت الدينية".

وفي شهر أبريل (نيسان) من العام ذاته، قال السيسي في كلمته لطلاب الكلية الحربية، "إنه لا بد من مواجهة الفكر المتطرف أينما وجد". وفي يوليو (تموز) من العام ذاته، دقّ السيسي على الوتر ذاته أثناء الاحتفال بليلة القدر، مؤكداً على أهمية التجديد والبعد عن التجميد. وفي الشهر التالي، يبدو أن الرئيس قد بدأ يستشعر أن الدعوة لا شعبية لها بين جموع المطالَبين بعمل التجديد، فقال، "إن مسؤولية التجديد مشتركة بين الدولة والمجتمع"، مؤكداً "أن مصر ستقود تغيير الخطاب الديني في العالم".

تواتر دعوات الرئيس للتجديد

ومضت السنوات وتواترت المناسبات، وفي كل مرة يجدد الرئيس دعوة التجديد، والمسألة محلك سر، باستثناء جموع من المثقفين والبعض من المواطنين العاديين ممن نجوا من رياح التديين وجانبهم تسونامي التطرف والمغالاة. وبدا موقفا الرئيس وشيخ الأزهر في ملف التجديد واضحاً جلياً بالممازحة الجدية التي قالها الأول للأخير في مثل هذه الأيام أيضاً قبل ثلاث سنوات، وتحديداً أثناء الاحتفال بعيد الشرطة الـ65، مبتسماً، "تعبتني يا فضيلة الإمام"، وذلك في إطار رؤية الرئيس لأهمية صدور تشريع يجعل الطلاق لا يتم إلا أمام مأذون، حفاظاً على الأسرة المصرية وسط ارتفاع نسب الطلاق في الأعوام القليلة الماضية.

المبارزات المكتومة والمواجهات المكنونة أسفرت بعد أيام من تعبير الرئيس عن أن الإمام "تعبه"، بإعلان هيئة كبار العلماء التابعة للأزهر الشريف تأكيد وقوع الطلاق الشفهي الصادر عن الزوج طالما استوفى أركانه وشروطه، ملوحة بأن "هذا ما استقر عليه المسلمون منذ عهد النبي، وهو أن يقع الطلاق دون اشتراط إشهاد أو توثيق".

توثيق المباراة

توثيق المباراة بين الرئيس المطالب بالتجديد والأزهر المقاوم الرافض أو المعارض تمضي قدماً منذ دعوة التجديد في عام 2015. والمؤكد أن كل ذي عينين وأذنين وعقل قادر على متابعة الاحتكاك الصامت والارتطام الساكن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسكن الكلام في ختام فعاليات "مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الديني" وحلت محله الهمهمات والتلميحات بعدما قال رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد الخشت، في جلسة "دور المؤسسات الدولية والدينية والأكاديمية في تجديد الفكر الإسلامي"، "إن تجديد الخطاب الديني أمر غير ممكن، لأنه نصوص قديمة مرتبطة بتفسير النص الإلهي، وأن هذا الخطاب المراد تجديده نشأ في عصر غير ذلك الذين نعيشه، وكانت فيه تحديات مختلفة انتشر أغلبها أعقاب عصر الفتنة".

وأشعل الخشت المشاعر الرافضة للتجديد والمصرة على احتكار التفسير بقوله، "إن إنشاء خطاب ديني غير ممكن دون إنشاء فكر ديني جديد". ودق الخشت على حديد الصدمة وهو ساخن، بقوله "إن ما يتردد عن اقتصار تجديد الخطاب على الأزهر أمر غير صحيح". وأضاف في كلمته الصادمة لأهل الدار، "إنه لا بد من تطوير العقل الديني وفقاً لمتطلبات العصر، لا سيما أننا مازلنا أسرى أفكار الأشعرية المعتزلة".

دفاع عتيد عن التراث

وبعد كلمات دبلوماسية قليلة من قِبل شيخ الأزهر تطرق فيها إلى العلاقة القديمة التي تربطه بالخشت، أستاذ فلسفة الأديان والمذاهب الحديثة والمعاصرة، التي لا تخلو من مناوشات، دافع الأول دفاعاً شديداً عن التراث، بقوله "خسارة ما يقال عن التراث. هذه مزايدة. هذا التراث الذي نهون من شأنه اليوم ونهول في تهوينه، خلق أمة كاملة وتعايش مع التاريخ".

واستطرد شيخ الأزهر في تعديد محاسن التراث ومآثره وجودته وصلاحيته لكل زمان ومكان، وذهب إلى حد القول "إن التراث هو من حمل قوة الدول الإسلامية وحضارتها"، نافياً عنه ما يقال من قبل المطالبين بتجديده وتنقيحه وتطهيره من "أنه ورث الضعف والتراجع"، مشيراً إلى "أن التجديد ليس مقولة حداثية مثلما يقول المحدثون الذي يصدعوننا بها، بل مقولة تراثية".

عزم على عدم التجديد

حسم شيخ الأزهر موقف المؤسسة من التجديد، وهو حسم يقف على طرفي نقيض مما جاء في كلمة الرئيس المطالب بالتجديد، وفي عقول البعض من المثقفين والمواطنين العاديين الحالمين بالتطهير. كلمة الرئيس السيسي، التي ألقيت بالإنابة، أشارت إلى "أنه طالب المؤسسات الدينية قبل عدة سنوات، وفي مقدمتها مؤسسة الأزهر الشريف، بأن تولي الأهمية القصوى لتجديد الخطاب الديني، من منطلق أن أي تقاعس أو تراخي عن الاهتمام بهذا الأمر من شأنه ترك الساحة لأدعياء العلم وأشباه العلماء من غير المتخصصين ليخطفوا عقول الشباب ويزينوا لهم استباحة القتل والنهب والاعتداء على الأموال والأعراض، ويدلسوا عليهم أحكام الشريعة السمحة، وينقلوا لهم الفهم الخاطئ المنحرف في تفسير القرآن الكريم، والتشويه المتعمد للسُّنة المطهرة".

حق الأجيال في التجديد

وأعربت كلمة الرئيس عن أمله في "أن يخرج المؤتمر بتوصيات وحلول عملية للمشكلات والقضايا الفقهية والتشريعية التي ينقسم حولها المسلمون وتُشعل فتيل الاختلاف بينهم"، موضحاً "أن التجديد المقصود لا يعني تجديد ثوابت الدين، ولكن يتصل بفقه المعاملات في مجالات الحياة العملية، التي تغيرت من جيل إلى جيل على مدار عشرة قرون على الأقل"، متساءلاً عن "أسباب حرمان الأجيال الحالية من تجديد الأحكام التي تيسر الحياة".

المثير والطريف أن شيخ الأزهر قرر في نهاية المؤتمر إنشاء مركز جديد بغرض التجديد اسمه "مركز الأزهر للتراث والتجديد"، وهو ما أشعل المشاعر وأجج ردود الفعل المؤججة أصلاً. وبين فرحة عارمة من قبل جموع المحافظين على التجميد والمدافعين عن إبقاء التفسير على ما هو عليه والحفاظ على كينونة رجال الدين باعتبارهم وسيط المتدين لدى السماء حيث "أحسنت شيخ الأزهر، وحفظك الله حامياً للإسلام ومقدساته رغم أنوف العلمانيين والملحدين وأعداء الدين"، وصدمة بالغة لدى دعاة التجديد والباحثين عن التحديث، حيث "الأزهر يرد على دعوات تجديد التفسير وتطهير التراث بمركز لمزيد من المغالاة في التفسير وإشهار تقديس التراث"، تشتعل ردود الفعل بين المصريين.

حرب الإخوان المتحولة محبة

الغريب أن شيخ الأزهر، الذي تعرض لحرب شعواء من قبل جماعة الإخوان المسلمين وأبناء عمومهم في عام 2013 تحول إلى بطل شعبي في أروقة أذناب الجماعة وقنواتهم ومنصاتهم الناطقة بتوجهاتهم وتوجهات مموليهم. يشار إلى أن شتى الأعضاء والمنتمين والمنتسبين والمحبين والمتعاطفين مع حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر في عام 2013 شنوا حروباً عليه بسبب ما وصفوه بـ"دعم الطيب للانقلاب على الشرعية"، ألا وهي حكم الجماعة. وذهبوا إلى حشد ميليشياتهم العنكبوتية لترويج هاشتاغ "الطيب بابا الأزهر"، في إشارة واضحة إلى موقف هذه الجماعات من المسيحية والمسيحيين بالإضافة إلى عدائهم له، لوقوفه إلى صف إرادة المصريين والتخلص من الحكم الديني للجماعة وأعوانها.

الحالمون بالتجديد

أما المصريون من الحالمين بالتجديد، الذي يعتبرونه طوق نجاة لمصر من غياهب التديين والإغراق في التطرف واعتناق هوية لا تمت لمصر بصلة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، فقد تيقنوا من أن التجديد ليس بالأمر اليسير، وأن حلم تطهير البلاد من نفاق المظهر الملتزم الواقف على طرفي نقيض من المحتوى المنفلت، وإنقاذ العباد من منهج إلغاء العقول والتسليم للترهيب باسم الدين والتدين يحتاج عملاً وفكراً وجهداً، فما نيل التجديد بالتمني، بل يؤخذ التحديث غلاباً، وإن كان الغلاب هنا بالتنوير والتثقيف والإصرار.