Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"التاسفره" حاملة أمتعة الموريتانيين في أسفارهم

تقليد موريتاني قديم لا يزال يقاوم من أجل البقاء

لا يمكن أن يسافر سكان البوادي في موريتانيا على ظهور الجمال من دون "التاسفره" (اندبندنت عربية)

تُعتبر "التاسفره" حاملة الأمتعة ومؤونة السفر قديماً لدى الموريتانيين، وهي حاوية على شكل حقيبة مصنوعة من جلود الضأن أو الماعز، بها فتحة أمامية على شكل عيون متباعدة نسبياً حسب حجمها ورغبة صاحبها في إحكام إغلاقها، من خلال شد حبل ليّن من الجلود (أو حبل مصنوع على الطريقة الحديثة) على تلك الفتحات الأمامية وشده بطريقة قوية ووضع قفل حديدي بعد ذلك.
 

حقيبة الأسفار الرجالية

ينتظر محمد ولد سيد أحمد بفارق الصبر انتهاء إحدى الصانعات التقليديات من إعداد حقيبة "تاسفره"، كان تقدم بطلب إعدادها لاستعمالها في سفر سيقوم به على ظهر جمل في بوادي مدينة لعيون شرقي موريتانيا، مؤكداً استحالة السفر دون "تاسفره" لحمل المؤونة وحضن بعض الكتب التي يحملها أينما توجه لمطالعتها في أوقات الإقامة في تلك البوادي المنتشرة في المنطقة.

يؤكد ولد سيد أحمد أن سكان البوادي في موريتانيا لا يمكنهم السفر على ظهور الجمال من دون "التاسفره" التي هي عبارة عن كيس أو حقيبة مصنوعة من الجلود لحفظ الأغراض أو بعض الأمتعة الضرورية، إذ تُعتبر "التاسفره" حقيبة الأسفار الوحيدة لسكان الريف والبوادي الرُّحَل في كل المناطق الموريتانية منذ القدم.

يتذكر ولد سيد أحمد ماضيه مع "التاسفره"، مشيراً إلى أنه اشترى حقائب عدة من هذا النوع وأن جمالها وغلاء سعرها قديماً كان الميزة الأهم لدى الموريتانيين، حيث يتباهون بغلاء أثمانها وكبر حجمها وتطريزها وتلاوينها المختلفة لتكون جذابة وجميلة وذات قيمة عالية لدى المسافرين وهي خاصة بالرجال دون النساء".

ويعدد ولد سيد أحمد أسفاراً كثيرة قام بها في بوادي موريتانيا برفقة بعض زملائه على ظهور الجمال، طلباً للاستجمام، أو بحثاً عن قطيع من الإبل أو البقر ضل سبيله أو غادر إلى أماكن بعيدة بحثاً عن الكلأ والمياه الراكدة في السهول والأودية والجبال، مشدداً على أنه وجميع مرافقيه كانوا يملكون حقيبة "تاسفره" في تلك الأسفار يضعون بداخلها مؤونة السفر و"مواعين الشاي" الإبريق والكؤوس، كما يحملون فيها" كل الأمتعة والأغراض الضرورية للسفر".


تقليد يقاوم

تُعد "التاسفره" أحد أبرز التقاليد المتبعة قديماً لحمل الأمتعة لدى الموريتانيين، ولا يزال كثيرون من سكان القرى والأرياف يستعملونها لحفظ الأمتعة داخل المنزل أو الخيمة، فضلاً عن البدو الرُّحل الذين يستخدمونها لحفظ وحمل أمتعهم وأغراضهم. كما يستعملها المسافرون على الجمال في حمل أمتعتهم.

وقالت الخظره بنت محمد السالك، إحدى الصانعات التقليديات، إن "التاسفره تقليد موريتاني قديم لا يزال يقاوم من أجل البقاء"، مشيرةً إلى أنها لا تزال تردها طلبات عدة من بعض المواطنين من أجل إعداد "تاسفره" أو مجموعة منها لاستخدامها في حفظ الأمتعة أو حملها على الجمال بالنسبة لسكان البوادي والأرياف.

وأضافت بنت محمد السالك أن التسافره عبارة عن حقيبة تُصنع من جلود الضأن أو الماعز بعد مرور تلك الجلود بعملية تصليح معروفة في موريتانيا تُستخدم فيها "الصلاحة" وهي مادة نباتية تأخذ من شجرة يُطلق عليها محلياً اسم "أمور". وتوضع الجلود لمدة معينة في ماءٍ به مادتي "الصلاحة" و"أمرسال" (نوع من الملح يوجد بكثرة في سباخ موريتانيا)، ثم يتم استخدامها لصنع "التاسفره"، وقبل عملية التطريز والتلوين يتم تعميم الدهون على الجلود لتكون لينة وذات مرونة عالية.

وأكدت بنت محمد السالك أن صناعة "التاسفره" تُعتبر من الصناعات التقليدية الضاربة الجذور في موريتانيا، وهي تقليد محلي لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للبدو الرحل، ولا تزال توجد في مناطق مختلفة من القرى والأرياف كنوع من الحفاظ على التراث وحمايته من الاندثار.


ثقافة متنوعة

وصرح الباحث الموريتاني الشيخ ولد عابدين أن "الشعب الموريتاني لا يزال يعطي أهمية كبيرة لكل ما هو تقليدي رغبةً منه في استمرار كل العادات والتقاليد التي كانت تحظى باحترام كبير لدى الأجيال القديمة، وعدم هجران ماضيه الزاخر بالثراء الثقافي بمختلف أنواعه". وأضاف ولد عابدين أن "للشعب الموريتاني خصائص ومميزات استوحاها من طبيعته وبيئته الصحراوية، ومن أبرزها ما جاءت به عبقرية الموريتانيين من أدوات مختلفة سواء على المستوى العمراني أو بخصوص الأدوات المتعلقة بالحرف والأمتعة ومجال الحياة اليومية لسكان المنطقة الصحراوية ذات الثقافة والموروث الشعبي الممتد عبر القرون".

وأكد ولد عابدين أن "الشعب الموريتاني يملك ثقافة مختلفة ومتنوعة في صناعة الأدوات المنزلية سواء من الجلود أو الأخشاب أو المعادن، ويستعمل هذه الأغراض في متاع الخيمة التي ظلت عبر القرون وحتى الآن، المنزل الفاخر لكل موريتانيين. قبل أن تكون المنازل الحديثة ذات قيمة، كانت الخيمة ومتاعها المصنوع من الخشب والجلود والقطن أبرز مميِز لسكان البلد المحافظين".

المزيد من سياحة و سفر