الإيطالي كارمينيه كارتولانو يؤلف مشاهد مُتخيلة لشوارع القاهرة ومبانيها

جاء ليدرس العربية فسرقته الحياة على ضفاف النيل... فصوّر وكتب وترجم

الكناس مستلقيا بعدسة الايطالي كارتولانو (اندبندنت عربية)

صور فوتوغرافية مطبوعة على واجهات المباني القاهرية لنجوم السينما المصرية، قد يكون مشهداً مثيراً للحنين ويخفف من وطأة التشوة البصري الزاحف على بنايات هذه المدينة وأسطحها المزدحمة باللافتات والإعلانات التجارية. تمثل السينما جزءاً من الذاكرة البصرية للمصريين، وجانباً لا يستهان به من ثقافتهم، فقد ارتبطت السينما ونجومها بوجدان الناس عبر عقود، وكانت أحد أسباب تألق هذه المدينة بين عواصم الشرق، فلم لا يكون رموزها جزءاً من التركيبة البصرية لمبانيها وشوارعها؟ هي فكرة راودت الفنان الإيطالي كارمينيه كارتولانو وحلم بتحقيقها. وضع كارتولانو تصوراته تلك عبر مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي التقطها لشوارع ومباني القاهرة، مضيفاً إليها صوراً لنجوم هوليوود، من طريق برامج التعامل مع الصور.

نشر الفنان بعض من تصوراته تلك في صفحته على فيسبوك، وحين وجد استحساناً من متابعيه، قرر المضي قدماً في وضع المزيد من التصورات. اتجه كارتولانو في ما بعد إلى نجوم السينما المصرية المعروفين، متخيلاً إياهم وهو يشاركون الناس فضاء المدينة ودروبها، وحتى أزقتها الجانبية. بين هذه الصور ثمة صورة لرشدي أباظة تحتل واجهة داخلية في أحد المباني، وأخرى لعمر الشريف أو نادية لطفي، وصورة ثالثة لشادية أو أم كلثوم. ثمة صورة أخرى لعمر الشريف تجمعه وفاتن حمامة على واجهة مبنى "المُجمع" وهو مبنى إداري يطل مباشرة على ميدان التحرير، ويعد أحد رموز البيروقراطية الإدارية في مصر منذ خمسينيات القرن العشرين، ويضم مكاتب لوزارات وقطاعات حكومية.

حولت الصورة هيئة هذا المبنى الجامدة إلى مساحة دافئة تفيض بالرومانسية. ثمة مشاهد أخرى تختلق فيها الصورة حواراً وهمياً مع المكان أو مع المارة، فتسلط الضوء تارة على أحلام البسطاء، أو تشير إلى ظواهر اجتماعية سلبية كظاهرة التحرش مثلاً. أضافت الصورة الفوتوغرافية هنا بعداً جديداً على المشهد، فبدونها، كان مشهداً عادياً، يضم بنايات تحمل جانباً من تناقضات القاهرة بجمالها وقبحها، غير أن حضور الصورة حوّل المشهد إلى شىء آخر، إذ تبدلت هيئة المباني المتهالكة على أطراف القاهرة وضواحيها البعيدة إلى حالة بصرية مثيرة للحنين والبهجة، مع وجود العشوائية والفوضى من حولها. هذه الصور المتخيلة وغيرها تعرض حالياً حتى السابع والعشرين من فبراير في قاعة مشربية في القاهرة تحت عنوان "بيان غرافيتي مُتخيل"

الانخراط في الحياة المصرية

كارمينيه كارتولانو أو "قارم قارت" كما يطلق على نفسه، في صوغ عربي اختاره لاسمه الإيطالي، يعيش في القاهرة منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي. جاء كارتولانو إلى مصر للدراسة فأخذته الحياة في مدينة القاهرة، حتى صار مولعاً بتفاصيلها، لا بعين السائح، ولكن بعين المحب. وبما أنه اختار الإقامة في هذه المدينة المليئة بالتناقضات فقد قرر أن يكون فاعلاً ومؤثراً في حراكها الثقافي والبصري. يعمل كارمينيه كارتولانو في تدريس اللغة الإيطالية في مصر، وإلى جانب ذلك يكتب ويترجم عن العربية وإليها. ترجم كارتولانو إلى اللغة الإيطالية رواية "أن تكون عباس العبد" لأحمد العايدي، كما ترجم إلى العربية مسرحية "القرية" للكاتب الإيطالي أدواردو سكاربيتا. ومن أبرز ترجماته إلى العربية أيضاً دراسة عن الحركة الماركسية المصرية للكاتب الإيطالي "جينارو جيروفاسيو" وهي من إصدارات المركز القومى للترجمة.

ولكارمينيه كارتولانو كتابان بالعربية من تأليفه، الأول بعنوان "مصريانو" صدر في 2012 عن دار ميريت ويحوي مجموعة من التجارب والانطباعات عن المظاهر الاجتماعية والسلوكية المرتبطة بحياة المصريين، أما الآخر فهو رواية بعنوان "مومو" صدرت عن دار العين في عام  2017. أما حكايته مع الصورة فبدأت بتعاونه مع المصور الإيطالى "ديرنو ريتشى" فى معرض مشترك أقاماه فى القاهرة عام 2007 ، ولم تنته علاقته بالصورة الفوتوغرافية من حينها. شارك الفنان في العديد من المعارض الجماعية، كما أقام عدد من العروض الفردية بدأها بمعرضه "ماذا لو؟" كان أغلبها مرتبط بالصورة الفوتوغرافية، واتسمت بمزيج من السخرية والطرافة والتأمل أيضاً.

ربما كانت هذه النشاطات المتباينة والمختلفة هي السبب الذي دفع كارتولانو إلى وضع تصوره الخاص للمدينة التي يقضي فيها الجانب الأكبر من وقته. فهو وإن كان يعيش متنقلاً بين مصر وإيطاليا منذ نهاية التسعينيات، إلا أن نشاطه الفعلي وعمله يحتمان عليه قضاء الجانب الأكبر من وقته في القاهرة.

يتجول كارمينيه كارتولانو بين شوارع القاهرة، راصداً سماتها المميزة، ومسلطاً الضوء أحياناً على حالة التناقض التي تتسم بها هذه المدينة المترامية الأطراف، من تفاوت طبقي ونسق بصري للشوارع والبيوت، ليس على مستوى الأحياء المتباعدة فقط، بل يمكن أن يمتد هذا التناقض ويبدو أكثر وضوحاً داخل حيز محدود تماماً. يأمل كارتولانو أن يتحول مشروعه هذا من مجرد تصور فني إلى حقيقة على أرض الواقع، هو يأمل أن يتشارك مع فنانين آخرين في إضفاء هذه الأجواء المُبهجة على شوارع القاهرة ومبانيها، فربما تكون القاهرة في حاجة ماسة بالفعل إلى هذه اللمسة الجمالية من فنان إيطالي مغرم بالحياة في مدينته المُفضلة على الجانب الآخر من المتوسط.

المزيد من ثقافة