عيون العلم تستكشف الكون في خفاء الظلمة القمريّة. اسأل عنها الصين. اسأل عنها السعوديّة.

يصح القول إنّ "تشانغ- 4" أول مركبة للبشر تحطّ على الجانب المُظلِم من القمر، وهي أول مجهود علمي عربي يشارك في استطلاع الفضاء الواسع من تلك النقطة، بفضل فريق علمي سعودي.

إنها هناك، قرب السهم العامودي،  وغير بعيد منها تظهر السيارة المؤتمة مشاراً إليها بسهم أفقي. (موقع "وكالة ناسا")

قبل أيام قليلة، عادت المركبة الصينيّة "تشانغ- 4" Chung-4 إلى مقدمة الاهتمام العلمي مجدداً. وفي 18 فبراير (شباط) الحالي، التقط القمر الاصطناعي الأميركي المتخصّص بالدوران حول القمر، واسمه "لونار ريكونيسانس أوربيتر" Lunar Reconnaissance Orbiter، صورة أولى من نوعها لتلك المركبة الصينيّة وللسيارة المؤتمتة "يوتو-2" Yutu-2 التي خرجت من بواطن "تشانغ-4" كي تسهم في مهمتها العلميّة. وفي 3 يناير(كانون الثاني) 2018، هبطت "تشانغ- 4" بسلام على الوجه الآخر للقمر، ذاك الذي لا تراه عيون البشر أبداً، وسجّلت سبقاً علمياً مذهلاً بكونها أول مركبة فضائيّة للبشر تهبط على الجانب المُظلِم من القمر، وكذلك أصبحت السيّارة "يوتو-2" أول مركبة بريّة تسير بدواليبها على تربة الوجة المُظلِم للقمر. وتستطيع السعوديّة أن تفخر بأنها شاركت الصين في هبوط مركبة أولى في التاريخ البشري على الجانب المُظلِم للقمر، بل إن ذلك صار جزءاً من العلاقات العلمية بين البلدين. لكن، ما هي المهمات التي تسعى الصين والسعوديّة إلى تحقيقها في ذلك الإنجاز العلمي؟

تذكيراً، بعد خمسين سنة من الحدث الذي هزّ الكرّة الأرضيّة بهبوط أول إنسان على سطح القمر، صنعت الصين والسعوديّة التاريخ بهبوط مركبة الفضاء الروبوتية "تشانغ- 4" على الجانب المُظلِم للقمر، في إنجاز تاريخي غير مسبوق. وبالاسترجاع، عندما مشى رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونغ على التربة القمريّة في "بحر السكون" مطلقاً عبارته الشهيرة "إنها خطوة صغيرة لإنسان، لكنها قفزة كبرى للإنسانيّة"، أدرك كثيرون أن عالم الأرض لن يعود كما كان قبلها. وجرت الأمور بعدها بأن تعزّزت القوّة الأميركيّة على الأرض، وتفوّقت تدريجاً على منافسها في الأرض والفضاء (= الاتحاد السوفياتي)، بل دحرته وانتصرت في ختام "الحرب الباردة". هل تكون للخطوة الصينيّة (وكذلك ربما المشاركة السعوديّة) على الجانب المُظلِم للقمر تأثيرات مماثلة، بمعنى تغيير موازين القوى على الكرة الأرضيّة وصعود قوّة "المنتصرين" على الظلمة القمريّة؟ ربما كان هذا السؤال مبكّراً، والأرجح أن إجابته قد تتأخّر سنوات تطول أو تقصر، لكن يصعب ألا تهنئ الصين والسعوديّة نفسيهما بأنهما حققتا اختراقاً علميّاً ينقش إسميهما بحروف بارزة في سجل اكتشاف الإنسان وحضارته للكون.

ويعرف عن التابع المنير للأرض أن الطريقة التي يدور بها حول الكوكب الأزرق تفرض ألاّ يقابلها سوى في جانب واحد منه. ويعود ذلك إلى أنّ القمر يدور على محور حول نفسه أثناء دورانه حول الكرة الأرضيّة. وتتساوى سرعة دورانه حول نفسه مع سرعة دورانه حول الأرض، ما يعني أنّ جانباً واحداً منه يبقى مواجهاً لها دوماً. ويعرف ذلك الوضع باسم "الدوران المتزامن" Synchronous Rotation . وتكتمل تلك الرقصة الفضائيّة بأن تدور الأرض والقمر "المربوط" بها، حول الشمس، ما يعني أن الشمس لا تنير سوى الوجه الذي يقابل الأرض دوماً. ولذا، يبقى الجانب الآخر من القمر في ظلمة دائمة. وللسبب نفسه، لا تتمكن تلسكوبات المراصد الفلكيّة على الأرض من مشاهدة الجانب المُظلِم من القمر.

أسطورة المرأة النائمة هناك

استطاعت الصين، وهي قوة فضائيّة صاعدة، أن تصبح أول بلد يضع مركبة على الجانب الخفيّ للقمر. وتشاركت المملكة العربيّة السعوديّة مع بلاد "العم ماو" تلك المهمة الفضائية الفائقة التميّز. وبتحقيقها ذلك الإنجاز العلمي، تنال السعوديّة قصب السبق عربياً وإسلامياً في اكتشاف الوجه المُظلِم للقمر، وبديهي القول إنه أمر يعزّز موقع الريادة للبرنامج الفضائي الطموح للملكة، مع الإشارة إلى أن ذلك البرنامج المتوثّب استطاع وضع ثلاثة عشر قمراً صناعياً في مدارات متنوّعة حول الكرة الأرضيّة، خلال العقدين الماضيين. وتتمثّل مساهمة السعوديّة في هذه الرحلة القمريّة الصينيّة بفريق عمل مكوّن من متخصّصين في علوم الفلك، وهو تابع لـ"مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية". ويعمل الفريق السعودي العلمي على تطوير نظام للتصوير الفضائي لالتقاط صور ضوئيّة لجانبي القمر كليهما. ولعل الأهم بالنسبة إلى الصين والسعوديّة معاً، هو استكشاف الكون من جانب لا يضربه الضوء القويّ للشمس، ما يعطي مشهديّة أولى من نوعها تاريخيّاً لمجمل المشهد الكونيّ، بما يحتويه من نجوم ومجرات وفراغات وثقوب سود وغيرها.

تستطيع السعوديّة أن تفخر بأنها شاركت الصين في هبوط مركبة أولى في التاريخ البشري على الجانب المُظلِم للقمر، بل إن ذلك صار جزءاً من العلاقات العلمية بين البلدين.

ومع تذكّر أن المركبة الصينيّة هي سيّارة روبوتيّة، على غرار السيّارات الأميركية التي تطوف سطح المريخ، يقفز إلى الذهن قصة طريفة عن اسم تلك المركبة. إذ يأتي اسم تلك المركبة "تشانغ-4" من أسطورة صينيّة قديمة تقول إن امرأة اسمها "تشانغ" تمكّنت من الحصول من الآلهة على حبة تعطيها الخلود، واختارت أن تستقر على الجانب المُظلِم من القمر، بعيداً عن أعين البشر. وبيّنت "الإدارة الوطنية الصينيّة للفضاء" China National Space Administration، أن المركبة الروبوتيّة "تشانغ- 4" حطّت بسلاسة على فوهة بركانيّة اسمها "فون كارامان" طولها 180 كيلومتراً، عند القطب الجنوبي للقمر. وقبل خمسة أعوام، نجحت الصين في إنجاز هبوط ناجح لمركبة روبوتيّة أخرى تنتمي إلى البرنامج الصيني نفسه في استكشاف القمر، حملت اسم "تشانغ- 3"، وحطّت بسلام على الجانب المضيء من القمر.

ما هو البحر؟

تعقد وكالة الفضاء الصينيّة آمالاً واسعة على قدرة "تشانغ-4" في دراسة التركيب الجيولوجي المتميّز للوجه المُظلِم للقمر. ويرجع تميّز ذلك الوجه إلى غياب البحار عنه، مع الإشارة إلى أن المركبة "أبوللو- 11" التي حملت أول رائد فضاء إلى القمر، حطّت في "بحر السكون". ويطلق تعبير "البحر" على مناطق يرى العلماء أن امتدادها في المساحة وعلاقتها مع التراكيب الجغرافية والجيولوجيّة المجاورة لها، تتشابه نسبيّاً مع أوضاع البحار على الأرض. وفي الجانب المُظلِم من القمر، تنتشر الفوّهات المتأتية من سقوط النيازك بكثرة عليه، وكذلك تعمل بيئته الكهرومغناطيسيّة بصورة متحرّرة نسبياً من التأثيرات المتأتية مباشرة من الشمس، إضافة إلى كونه موقعاً متميزاً لاستطلاع الفضاء الكوني الواسع. ونظراً لاحتجابه عن الضوء القويّ للشمس، يعطي الوجه المُظلِم للقمر مدخلاً لرؤية أكثر وضوحاً لأعماق المجرات والنجوم. ولذا، ضمّت المركبة "تشانغ-4" أداة خاصةً للتفرّج على الكون الفسيح، أطلق عليه المهندس الصيني صن تسيتزو، وهو مصمّم تلك المركبة، تسميّة "عين الثور". وتشير التسميّة إلى تمايز عن "رؤية العصفور" التي تعني النظر إلى الأشياء بعموميتها، فيما تشي تسمية "عين الثور" بالقدرة على التحديق في تفاصيل الأجزاء.

في المقابل، يسبّب عدم التقابل بين الأرض والجانب المُظلِم للقمر مشكلة بالنسبة إلى موجات الراديو، ما يعني أنها لا تعبر من الأرض إلى القمر ولا العكس أيضاً. وللتغلب على تلك المشكلة في الاتصال بين المشغلّين الأرضيين والمركبة "تشانغ- 4"، وضعت الصين في وقت سابق قمراً اصطناعياً يحلّق في مدار ثابت حول القمر، ويعمل كمحطة وسيطة لتلقي موجات الراديو بين الأرض والمركبة "تشانغ-4" وإرسالها. وبعد 6 ساعات من هبوط تلك المركبة على القمر، خرجت منها سيارة روبوتيّة لتنجز أعمال استكشاف الجانب المُظلِم للقمر.

المزيد من فضاء