مديح القاهرة: معرضُ كتاب!

قد يكون هذا المعرض مؤشراً إلى أن قول "العربي غير قارئ" وصمة وليست حقيقة

وزيرة الثقافة المصرية إناس عبد الدايم متحدثةً إلى وسائل الإعلام في افتتاح معرض الكتاب الـ51 في القاهرة (رويترز)

تشاء الظروف، أني في مقتبل العمر، حضرت الدورات الأولى لمعرض القاهرة للكتاب، الذي تجاوز عمره النصف قرن، وغبتُ عنه، لعقد ونيف لظروف قاهرة! ثم عدت إليه كسُنة حميدة، وفي السنة الماضية وهذه السنة، أضفت إلى حالة الشغف بالكتاب، صفة الناشر الهاوي، وقد عشتُ خلال دوراته المتعددة في القلب، باعتباره منتدى عربياً بالأساس، وكتبت عنه كـ "زارٍ مصري" نوعي لا مثيل له، وليس فقط "فرانكفورت" الكتاب العربي، بل كما "فرانكفورت" عاصمة الكتاب في العالم، وعلى هذا ليس قليلاً أن تكون "القاهرة" معرض كتاب، بخاصة في أجواء الوطن العربي والمنطقة، ما فقدت "منطق الطير"، وخيّم عليها "منطق الطائرات الحربية المجهولة".
هذا المعرض نمّى خلال عقود، شباباً عربياً نابضاً بروح الحياة، حيث الكتاب قلبه وعقله. وحافظ منفرداً على القاهرة، كمنتدى فكري عربي نير، وسط غيوم أحاطت به وبمحيطه العربي، لذلك قد يكون من أهم ما أرسى هو "روح الكنانة"، مصر محراب الثقافة العربية، حتى عندما تحولت صناعة الكتاب إلى "بيروت"، ثم توزّعتها معارض الكتاب في الدول العربية، لقد صمد بل ونما معرض القاهرة كقِبلة للكتاب ومنتجيه من مفكرين وأدباء وفنانين وموزعين، وفي هذا كان الأنجح في كسر جدار الرقابة الصلد، إذ خلق من دون سائر معارض الكتب العربية، "سياحة الكتاب"، كُثر همّ من يأتون إلى القاهرة، من كل فج عربي وغيره، كي يحظوا بلحظة أن يكونوا في ظلال الكتاب ليس إلا، حتى مَن منهم ليسوا شغوفين به، معرض القاهرة تمكن من دون تخطيط وقصد، أن يكون شفيعهم لولوج جنة المعرفة.
هذا المعرض بمعنى ما، كسر نمطية أن العربي غير قارئ، فجعل منه، وكشف عن أنه: يرغب في أن يكون القارئ، هذا القارئ الذي يجيب "لستُ بقارئ"، وما يبيّن ذلك، أن القاهرة باتت معرض كتاب، فمحفل الكتاب العربي الجامع للمشتتين المتشبثين بالمعرفة، كما القابض على الجمر، وكل المعطيات والظروف تعمل ضده، فالثقافة في حال اليتيم الأبوين، ما ينكره أهله وحتى عابر السبيل.

هذا المعرض قد يكون مؤشراً، إلى أن قول "العربي غير قارئ" وصمة وليست حقيقة، حيث أنه ينمو في وجه الريح، كما يحافظ على معطى لم يستهدفه، أن ثمة قارئاً عربياً، في كل جيل، وفي هذا الجيل خصوصاً، لكن ذلك القارئ، تطرُق رأسه مطرقة "احتقار الذات"، كما يقع تحت سندان، ظرف عربي معقد وصعب.

هذا المعرض يبدد أوهام الأحكام المطلقة، التي تُطلق على عواهنها، ويفضح مقولة: أن ثمة عقلاً بنيته اللاعقل، عقلاً طبيعته ضد الطبيعة البشرية وكينونتها وهويتها التعقل بالمعرفة، وهذه المقولة المغرضة حيناً كثيراً، تبتغي أسر الإنسان في "شبكة معلوماتية" خاطئة، بنيتها الأساس تشطر البشر، إلى عقل بياني وعقل برهاني. وكما هي لا منهجية ولا اعتبار علمياً لها، تقوم حولها شكوك، مفادها أن خلفيتها سياسية، كما بينّ "إداورد سعيد"، في كتابيه الأهم "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية"، وغيره من مفكري نهج مرحلة "ما بعد الاستعمار".
هذا المعرض ليس مفارقة، ولا حتى مشروعاً ثقافياً حضارياً، بل هو مناسبة وتسويق سلعي، لكن ليس مهماً ما إذا خطط الروائي لمسروده، أو أن السرد جاء عفوياً من وحي الخاطر، المهم عند القارئ هو ما يقرأ، وعند الناقد هو المنقود، وكما في الفنون ثمة الفنان الفطري الاستثنائي، فإن هذا المعرض "الاستثناء والقاعدة"، هو استثناء في مؤشراته وقاعدة لمؤشرات محطّها الرف، فلم أعرف، ولا سمعت، ولم يرفع أحد أصبعه، في حد علمي وجهدي، إلى طرح فحواه: ما جدوى أن القاهرة معرض كتاب؟

هذا المعرض ينبه إلى أن تكون القاهرة معرض كتاب، وأن الكتاب ليس مسألة مسمارية أو هيروغليفية أو مرقونة ورقية أو رقمية، وفي الأول والأخير، ليس مسألة نشر وتوزيع وكيف وكم وحسب، بل هو كل ذلك وأكثر، هو ما تستبعده الحسابات السياسية الضيقة الأفق، بل تحصره وتحاصره، ثم تطارده العقول اللاعاقلة في عُقر داره لتحسر الدماغ من عقله. لذا فإن هذا المعرض جزيرة للتأمل، على أرض الواقع والوقائع، فالكثير مما يظهره بحر الفكر العربي المتلاطم الأمواج، أن قليله المتجدد والنير، يغمره المعتاد والمكرر، فإن كان هناك نقد فليس ثمة نقد للنقد، فالأحكام المطلقة الجاهزة المعلبة، تلبس لباس الكتاب ما لا يؤخذ بقوة.

هذا المعرض المسكوت عنه، أن ليس قليلاً أن تكون القاهرة معرض كتاب، وأن الكتاب ليس خير جليس ولا أسوأ طريد، فالمعرض حشد لا يبين أغراضه إنما يكتمها، لا يستوعبها إنما يستبعدها، يحوطها لغط المناسبة السنوية التي خبرها مبتدؤها، وتتسلط عليه سلطة أن لا يكون، فلابد أن تذهب ريحه جفاء، هذا المعرض ما لا يدرك كهانه كنهه، أو بالأحرى يدركون، لكن لا يستمرؤون هويته، كـ"كعبة الكتاب" وهرم الكتاب العرب، في زمن سبراني، فيه المعرفة تدق باب العقول، بكل يد مضرجة، بكل كتاب رقمي، وبكل ما هو افتراضي.

هذا المعرض باقٍ، باقٍ غصباً عن الرياح العاتيه، بيانه فصيح: أن ندرس بنهج علمي، كأفراد متخصّصين، ومؤسسات خاصة وعامة، أن نبحث في المقولات التي تطلق على عواهنها، أن نوقف إطلاق الأحكام، ولا نكون كمَن خُلق هلوعاً عجولاً.

لمَ لا؟، هذا مديح: إن القاهرة معرض كتاب، في زمن الهجاء والمراثي، لمَ لا، أن يكون الاستثناء والقاعدة، في زمن استثناء العقل وقاعدة الإرهاب؟ لمَ لا نُشعل شمعة، والجميع يلعن الظلام؟ لمَ لا نكون زمن الشعر "ديوان النثر البري" في زمن التغني بـ "الزمن الجميل" الذي مضى؟ لمَ لا نستقبل المستقبل، والماضي وجهة الإجماع، فلننفرد عن القطيع؟                                     

المزيد من آراء